في قلب التحوّل المالي العالمي: "النهار" ترصد ملامح المرحلة المقبلة من أبوظبي
في لحظة عالمية تتقاطع فيها التحولات التكنولوجية مع إعادة صياغة قواعد الاستثمار والتنظيم المالي، برز «أسبوع أبوظبي المالي» كإحدى المنصات القليلة القادرة على جمع صُنّاع القرار، والمنظّمين، والمستثمرين، وروّاد الابتكار تحت سقف واحد، لقراءة ما بعد 2025 واستشراف ما يحمله العامان المقبلان من فرص ومخاطر.
على هامش هذا الحدث، أجرت «النهار» سلسلة مقابلات مع شخصيات قيادية في مجالات الامتثال، والأصول الرقمية، والتنظيم المالي، ومؤشرات المراكز المالية، والعقارات المدفوعة بالذكاء الاصطناعي، في محاولة لفهم التحولات العميقة التي تعيد رسم خريطة المال العالمي.
الامتثال المالي في عصر الذكاء الاصطناعي
تؤكد بولينا سوليفسكا، مديرة الأعمال في شركة «ثيمِس»، أن الامتثال المالي لم يعد مجرد متطلب تنظيمي، بل تحوّل إلى ركيزة استراتيجية لحماية المؤسسات في بيئة تتزايد فيها المخاطر والتعقيدات.
وتشير سوليفسكا، التي تعمل ضمن منظومة سوق أبوظبي العالمي (ADGM) في شركة متواجدة منذ أكثر من خمس سنوات، إلى أن «ثيمِس»، بصفتها شريكًا متكاملًا في مجال الامتثال ومكافحة الجرائم المالية، تركّز على دعم وتوسيع نطاق عمليات العناية الواجبة، وتمكين المؤسسات من مواجهة المخاطر المتصاعدة.
وتوضح: "نحقق ذلك من خلال الجمع بين الخبرة المتخصصة وتوظيف الذكاء الاصطناعي، عبر تطوير حلول تتيح للمؤسسات، سواء في القطاع المالي أو غير المالي، الوصول إلى ملايين نقاط البيانات ضمن منصة واحدة، ما يساعدها على اتخاذ قرارات أسرع وأكثر دقة، والاستجابة بفعالية للتحديات".
وترى سوليفسكا أن الفرصة الأبرز خلال المرحلة المقبلة تكمن في رقمنة المنظومات القائمة، والانتقال من أنظمة مجزأة إلى منصات موحدة ومنظمة، «وهو ما نعمل على تحقيقه فعليًا على أرض الواقع".
من الإطار التنظيمي إلى التوعية المجتمعية
يشرح كمال يوسفِي، مدير في "هاشغراف فنتشرز" ، أن تقنيات الويب 3 والأصول الرقمية واجهت خلال السنوات الماضية تحديات تقنية وتشريعية متزامنة، في ظل غياب إطار قانوني واضح أو يقين تنظيمي يواكب التحول الرقمي.
غير أن المشهد، بحسب يوسفِي، بدأ يشهد تحولًا ملموساً، مع إعلان دول مثل سويسرا، والإمارات، وقطر أطراً تنظيمية وتقنية متقدمة خلال العام الماضي، ما أسهم في إزالة أحد أبرز العوائق أمام التبني الواسع لهذه التقنيات.
ويضيف أن التحدي الثاني لا يقل أهمية، ويتمثل في التعليم والتوعية، إذ لا يزال جزء كبير من المجتمع يفتقر إلى الفهم الكافي للفرص والمخاطر المرتبطة بالأصول الرقمية، ما يؤدي أحياناً إلى قرارات خاطئة ناتجة عن نقص المعرفة.
التنظيم المالي في زمن الابتكار
يرى لورانس باراماسيفام، المدير التنفيذي للسياسات والشؤون القانونية في سوق أبوظبي العالمي (ADGM)أن التحولات التنظيمية التي ستعيد رسم ملامح المراكز المالية العالمية خلال العقد المقبل ستكون مرتبطة بشكل وثيق بالتكنولوجيا والابتكار.
ويقول: "إن أبرز الأطر التنظيمية التي ستؤثر في أبوظبي، ودولة الإمارات، وعلى المستوى العالمي، ترتبط ارتباطاً مباشراً بالتقدم التكنولوجي"، مشيراً إلى الدور الريادي لأبوظبي العالمي، لا سيما في تنظيم الأصول الرقمية منذ عام 2018.
ويعتبر أن اختيار منصة "بينانس" إنشاء منصتها العالمية في أبوظبي يعكس مستوى الثقة الدولية بالإطار التنظيمي الذي توفره السوق.
وعلى صعيد التعاون عبر الحدود، يؤكد باراماسيفام أن التنسيق بين الجهات التنظيمية بات عنصراً أساسياً في البيئة المالية الحديثة، نظراً للطبيعة العابرة للحدود لأنشطة المؤسسات المالية، وما يفرضه ذلك من مسؤوليات لضمان الاستقرار وحماية العملاء.
"ديمقراطية مالية" تعيد رسم خريطة المراكز العالمية
يصف برونو لافان، مدير معهد ديكارت، أن التحولات التي يكشفها مؤشر مراكز المال العالمية (FCCI) بأنها انتقال نحو ما يسميه "الديمقراطية المالية"، إذ لم تعد الهيمنة حكراً على المراكز التقليدية الكبرى.
ويوضح أن المؤشر يستند إلى ركيزتين أساسيتين: "البصمة"، التي تقيس حجم وجودة النشاط الحالي، و"الديناميكية"، التي تقيس جاهزية المراكز لمواجهة تحديات المستقبل.
ويلفت إلى أن المراكز التقليدية لا تزال تتصدر المراتب الأولى، لكن التحول الحقيقي يظهر بين المراكز المصنفة من العاشر إلى العشرين، حيث تتغير موازين القوة.
وعن الخليج، يشير لافان إلى بروز دبي وأبوظبي كمحورين متقاربين في التصنيف، إلى جانب تطور لافت في الرياض، لا سيما في مجالات الترميز والذكاء الاصطناعي.
ويرى أن البيانات والذكاء الاصطناعي يشكلان العمود الفقري لهذا التحول، معتبراً أن "البيانات ليست النفط الجديد، بل الهواء الجديد الذي يتنفسه النظام المالي".
الذكاء الاصطناعي يعيد تعريف الاستثمار العقاري
يؤكد محمد محمد، الرئيس التنفيذي لشركة "سمارت بريكس" أن الذكاء الاصطناعي أحدث نقلة نوعية في قطاع العقارات، الذي كان تاريخياً من أبطأ القطاعات في تبني الرقمنة.
ويشرح أن نماذج الذكاء الاصطناعي باتت قادرة على تحليل العقارات استناداً إلى أكثر من ألف نقطة بيانات، ما يجعل التقييم أكثر دقة وموضوعية.
ولا يقتصر هذا التحول على تقييم العقار فحسب، بل يشمل تحديد المناطق الواعدة، وتوقّع العوائد الاستثمارية بالاستناد إلى بيانات سكانية وبنيوية واقتصادية معقّدة.
ويرى محمد أن المستثمر اليوم بات يفكر بمنظور عالمي، مع تسارع غير مسبوق في وتيرة اتخاذ القرار الاستثماري.
وعند استشراف عام 2026، يحدد التحدي الأبرز في استقطاب المواهب المتخصصة في الذكاء الاصطناعي، فيما يرى أن التوسع العالمي يمثل الفرصة الأهم للنمو خلال المرحلة المقبلة.
نبض