النفط ثابت… والذهب والبيتكوين يشتعلان: ماذا تسعّر الأسواق فعلًا؟

اقتصاد وأعمال 10-01-2026 | 22:51

النفط ثابت… والذهب والبيتكوين يشتعلان: ماذا تسعّر الأسواق فعلًا؟

النفط اليوم لم يعد يتفاعل مع العناوين السياسية في ذاتها، بل مع ما إذا كانت هذه العناوين قادرة على تغيير فعلي في ميزان العرض والطلب. ما جرى في فنزويلا، رغم ثقله السياسي، لم يُنتج صدمة إمدادات فورية. 
النفط ثابت… والذهب والبيتكوين يشتعلان: ماذا تسعّر الأسواق فعلًا؟
الذهب والبيتكوين (وكالات)
Smaller Bigger

في الوقت الذي تُظهر فيه الرسوم البيانية استقرار أسعار النفط قرب أدنى مستوياتها منذ 2021، تسجّل أسعار الذهب والبيتكوين ارتفاعات حادّة ومتتالية. المشهد يبدو متناقضاً للوهلة الأولى، خصوصاً مع تصاعد الاضطرابات الجيوسياسية، وعلى رأسها التطورات الأخيرة في فنزويلا. لكن هذا التناقض لا يعكس خللاً في السوق، بل اختلافاً في طريقة تسعير كل أصل!

 

النفط اليوم لم يعد يتفاعل مع العناوين السياسية في ذاتها، بل مع ما إذا كانت هذه العناوين قادرة على تغيير فعلي في ميزان العرض والطلب. ما جرى في فنزويلا، رغم ثقله السياسي، لم يُنتج صدمة إمدادات فورية. فالنفط الفنزويلي أصلاً شبه غائب عن السوق العالمية منذ سنوات بسبب العقوبات القاسية وتراجع الإنتاج، ما يعني أن السوق كانت قد سعّرت هذا الغياب مسبقاً. لذلك، فإن أي حديث عن “الاستحواذ” أو تغيير الإدارة لا ينعكس تلقائياً على الأسعار.

صحيح أن فنزويلا تمتلك أكبر احتياطيات نفطية مؤكدة في العالم، تتجاوز 300 مليار برميل، إلا أن هذه الأرقام لا تُترجم إلى تأثير فوري. إعادة تشغيل القطاع النفطي تحتاج استثمارات ضخمة  في ظل بنية تحتية متهالكة، ووقت طويل لاستعادة الإنتاج بكفاءة. ولهذا السبب، لا تنظر الأسواق إلى الاحتياطيات كعامل ضغط قصير الأجل، بل كعنصر استراتيجي بعيد المدى.


العامل الأكثر تأثيراً في تسعير النفط حالياً هو التوقعات المستقبلية. أسواق الطاقة تتحرك بشكل استباقي، وأي تغيير سياسي في فنزويلا يُقرأ مباشرة على أنه احتمال لتخفيف العقوبات أو إعادة دمج البلاد تدريجاً في سوق الطاقة العالمية. هذا السيناريو، حتى وإن لم يتحقق على المدى القريب، يُترجم فوراً زيادة محتملة في المعروض النفطي مستقبلاً، وهو ما يضع سقفاً نفسياً للأسعار ويحدّ من قدرتها على الارتفاع.

في المقابل، استفاد الذهب والبيتكوين من بيئة مختلفة تماماً. الاضطرابات السياسية وعدم اليقين الاقتصادي العالمي دفعا المستثمرين إلى البحث عن أدوات تحوّط وحفظ قيمة. الذهب، كملاذ تقليدي، جذب تدفقات قوية، بينما استفاد البيتكوين من دوره المتزايد كبديل مالي خارج الإطار التقليدي، خصوصاً في فترات التشكيك بالأنظمة النقدية والمالية القائمة.

أما النظرة المستقبلية لأسعار النفط، فتبقى رهينة ثلاثة عوامل رئيسية: أولاً، غياب صدمة إمدادات حقيقية، ما يعني استمرار الاستقرار أو الميل الهبوطي طالما لم يظهر نقص فعلي في السوق. ثانياً، أي تطور سياسي يلمّح إلى زيادة المعروض، سواء من فنزويلا أم من مصادر أخرى، سيبقي الأسعار تحت الضغط. وثالثاً، الطلب العالمي الذي ما زال يعاني من مخاوف التباطؤ الاقتصادي، وهو عنصر أساسي لكسر هذا الجمود السعري.

 

الذهب والدولار (وكالات)
الذهب والدولار (وكالات)


في المرحلة المقبلة، تترقّب الأسواق عاملًا أكثر حساسية من كل التطورات الجيوسياسية الأخيرة، وهو قرار أسعار الفائدة الأميركية المرتقب في 28 كانون الثاني/ يناير. هذا الإعلان لا يُعدّ مجرد حدث نقدي، بل محطة مفصلية تعيد رسم حركة السيولة بين الأصول المختلفة.

في حال أبقى الاحتياطي الفيدرالي على نبرة متشددة، أو لمّح إلى تأجيل خفض الفائدة، فإن ذلك يُبقي الدولار قوياً نسبياً، ما يعني استمرار الضغط على أسعار النفط، بخاصة في ظل غياب أي صدمة إمدادات حقيقية. عندها، يبقى النفط محصوراً ضمن نطاق ضيق، يتأثر أكثر بتوقعات المعروض والطلب الفعلي، لا بالعناوين السياسية. أما في حال جاءت الإشارة مختلفة، ولو جزئياً، عبر فتح الباب أمام خفض الفائدة خلال الأشهر المقبلة، فقد نشهد تحوّلاً تدريجياً في المشهد. انخفاض تكلفة التمويل قد يدعم شهية المخاطرة، ويعيد بعض الزخم إلى الأصول المرتبطة بالنمو، لكن تأثير ذلك على النفط سيظل مشروطاً بتحسّن الطلب العالمي، لا بالسيولة وحدها.

 

في المقابل، يبقى الذهب والبيتكوين أكثر حساسية على مسار الفائدة. أي تلميح لتيسير نقدي سيعزز جاذبيتهما كأدوات تحوّط من التضخم وضعف العملات، ما قد يمدّد موجة الصعود الحالية. وهذا ما يفسّر الفجوة الواضحة اليوم بين أداء هذه الأصول وأداء النفط. هل سيبقى النفط أسير التسعير المسبق والضغوط المستقبلية، أم يحمل قرار الفائدة المقبل الشرارة التي تعيد للبرميل دوره كقائد للأسواق من جديد؟

 **محللة أسواق مالية تعمل في شركة ACY Securities Mena

 

الأكثر قراءة

العالم العربي 1/11/2026 12:29:00 PM
في مراحل مختلفة، لجأ حزب الله،  إلى الجالية اللبنانية الواسعة في أميركا اللاتينية للحصول على الدعم
لبنان 1/10/2026 11:53:00 PM
هزة أرضية شعر بها سكان بيروت
ايران 1/11/2026 10:17:00 PM
قُتلت الطالبة الإيرانية روبينا أمينيان (23 عامًا) برصاصة في مؤخرة الرأس خلال احتجاجات طهران، فيما أُجبرت عائلتها على دفنها سرا بعد منعها من إقامة مراسم علنية، وفق تقارير حقوقية.
حارس مادورو: "في لحظة ما، أطلقوا شيئاً لا أعرف كيف أصفه، كان يشبه موجة صوتية مكثفة للغاية، شعرت فجأة وكأن رأسي ينفجر من الداخل"