أين تستثمر عقارياً في المنطقة العربية في 2026؟
لا يُنظَر إلى عام 2026، في معظم التقارير الاقتصادية والقطاعية، بوصفه امتداداً تلقائياً لما سبقه في أسواق العقارات في العالم العربي، بل بوصفه عاماً فاصلاً بين مرحلتين: مرحلة الصعود الواسع الذي طبع ما بعد الجائحة، ومرحلة أكثر انتقائية يحكمها التمييز الدقيق بين الأسواق والقطاعات وحتى المشاريع داخل السوق الواحدة.
في عام 2024، كان القطاع العقاري لا يزال يتأقلم مع بيئة عالمية تتسم بارتفاع معدلات الفائدة وشح السيولة الاستثمارية العابرة للحدود. وفي عام 2025، بدأت تظهر مؤشرات تحسن تدريجي مع استقرار نسبي في السياسة النقدية العالمية. أما عام 2026، فتشير معظم التقديرات إلى أنه سيكون عام ترجمة هذا الاستقرار إلى قرارات استثمارية فعلية، ولكن من ضمن معايير أكثر صرامة في التسعير والمخاطر.
اقتصادياً، تستند التوقعات الإيجابية نسبياً لعام 2026 في دول مجلس التعاون الخليجي إلى تحسن واضح في معدلات النمو. وفق تقديرات مستندة إلى تحديثات صندوق النقد الدولي ومصادر نقدية إقليمية، يُتوقَّع أن يكون متوسط نمو اقتصادات الخليج قد ارتفع من نحو 2.2 في المئة في عام 2024 إلى قرابة 3.6 في المئة في عام 2025، قبل أن يسجّل ما يفوق أربعة في المئة في عام 2026. وتُعَدّ السوق العقارية في دولة الإمارات العربية المتحدة من بين الأسرع نمواً في المنطقة، فيما تستفيد سوق المملكة العربية السعودية من زخم إنفاق استثماري مرتبط بمشاريع "رؤية 2030". هذا التحسن الاقتصادي يُعتبَر عاملاً أساسياً في دعم الطلب العقاري، لكنه لا يلغي المخاطر القطاعية.

في الإمارات، تُظهِر البيانات حجم التحول الذي تختبره السوق في عام 2026. بحسب وكالة "فيتش" للتصنيف الائتماني، ازدادت أسعار العقارات السكنية في دبي بنحو 60 في المئة منذ عام 2022 وحتى أوائل عام 2025. وتتوقع الوكالة نفسها تسليم ما يقارب 210 آلاف وحدة سكنية جديدة خلال الفترة 2025-2027، وتشدّد على أن المشاريع الجاهزة أو شبه الجاهزة في المواقع الرئيسية، والقادرة على تحقيق عوائد إيجارية مستقرة، ستصمد أمام أي ضغوط تصحيحية قد تستهدف الأسعار بنسب من المرجّح أن تتراوح بين 10 و15 في المئة، وذلك أكثر من المشاريع الطرفية أو المعتمدة على البيع السريع.
في السعودية، لا يزال الطلب السكني مدفوعاً بعوامل ديموغرافية قوية. تشير بيانات شركة "كاي بي إم جي" إلى أن الإيجارات السكنية ارتفعت بنحو سبعة في المئة بين أيلول/سبتمبر 2024 والشهر نفسه من عام 2025، مقارنة بذروة قاربت 11 في المئة في مطلع عام 2024. لكن عام 2026 سيشهد بدء تطبيق نظام جديد يتيح للأجانب تملّك العقارات وفق ضوابط تنظيمية محددة، اعتباراً من كانون الثاني/يناير الجاري. هذا التطور يُعَدّ تحوّلاً هيكلياً في السوق، إذ يوسّع قاعدة الطلب المحتمل، ويزيد من جاذبية بعض المشاريع الحضرية المتكاملة، لكنه في المقابل يرفع مستوى المنافسة ويُخضِع المشاريع إلى معايير أكثر تشدداً في الحوكمة والجودة.
القطاع السياحي والعقارات المرتبطة به يُعتبَر من أكثر القطاعات التي يُتوقع أن تستفيد في عام 2026، استناداً إلى وقائع لا إلى توقعات عامة. مع استمرار الحكومات الخليجية والمغاربية في توجيه استثمارات كبيرة نحو السياحة، تظهر العقارات الفندقية والمشاريع المتعددة الاستخدامات كخيار استثماري مدعوم باستراتيجيات رسمية بعيدة الأجل، لا بدورات قصيرة الأمد. ويبرز في هذا الإطار نموذج "الإقامات الفندقية" (وحدات سكنية تُدَار كإقامات فندقية) والعقارات ذات العلامات التجارية، التي تجمع بين التملك والعائد التشغيلي.
أما سوق المكاتب، فتشير تقارير كبرى شركات الاستشارات العقارية إلى استمرار ظاهرة "التحوّل نحو الجودة". في مدن مثل دبي والرياض، يتركز الطلب على المباني الحديثة ذات الكفاءة البيئية العالية والمواقع المتصلة بالبنية التحتية للنقل، بينما تواجه المباني الأقدم ضغوطاً متزايدة على نسب الإشغال والأسعار. وفي عام 2026، يُرجَّح أن يتعمق هذا التمايز.

في شمال أفريقيا، ولا سيما مصر، يبقى المشهد أكثر ارتباطاً بالمتغيرات الكلية. فحجم السوق العقارية كبير، والطلب المحلي واسع، لكن جاذبية الاستثمار في عام 2026 ستظل مشروطة بمسار التضخم، واستقرار سعر الصرف، وقدرة المطورين على التمويل من دون تحميل المشترين المخاطر بالكامل.
وفي المغرب، يُتوقَّع أن تبقى فرص الاستثمار العقاري في عام 2026 مركّزة في المشاريع المرتبطة بالسياحة والبنية التحتية الحضرية، ولا سيما في مدن مثل مراكش والدار البيضاء وطنجة، مستفيدة من قدر من الاستقرار النسبي في المؤشرات الكلية مقارنة ببعض أسواق المنطقة، ولكن من دون أن تتحول إلى وجهة رئيسية لرأس المال العقاري المؤسسي الواسع النطاق كما هي الحال في دول الخليج.
أما في المشرق العربي، ولا سيما الأردن ولبنان، فمن المرجّح أن يظل النشاط العقاري في عام 2026 محدوداً وانتقائياً، مدفوعاً أساساً بتحويلات المغتربين والطلب المحلي في شرائح محددة، لا بتدفقات استثمارية مؤسسية كبيرة، في ظل استمرار القيود المالية وارتفاع علاوة المخاطر السياسية.
في الخلاصة، لا يبدو عام 2026 عاماً للرهانات السهلة في العقارات العربية، بل عاماً لاختبار النضج الاستثماري. تشير الأرقام المتاحة إلى فرص حقيقية، لكنها في الوقت نفسه تكشف بوضوح أن النجاح لن يكون لمن يدخل السوق فقط، بل لمن يختار الموقع الصحيح، والتوقيت المناسب، ونموذج العمل القادر على الصمود في وجه دورة استثمارية تصبح باستمرار أكثر توازناً وأشد انتقائية.
نبض