التطور المقارن لمؤشر الأسعار بين أيلول 2023- أيلول 2025
شهد الاقتصاد اللبناني منذ عام 2019 أحد أعنف الانهيارات النقدية والمالية في تاريخه الحديث، ما أدى إلى تفكك بنية اسعار الاستهلاك وانفلات معدلات التضخم بشكل غير مسبوق. ففي الفترة الممتدة بين بداية الأزمة وحتى تشرين الأول 2025، سجل كل من مؤشر أسعار الاستهلاك وسعر صرف الدولار الأميركي تجاه الليرة اللبنانية ارتفاعات ضخمة، أظهرت وجود علاقة متينة بين العاملين، وإن شابها عدد من التفاوتات الدالة على اختلالات بنيوية أعمق في الاقتصاد. ويبرز من خلال المقارنة بين بيانات إدارة الإحصاء المركزي ومؤسسة البحوث والاستشارات تقارب كبير في المؤشر العام للأسعار، مقابل فروقات حادة في بعض المكونات القطاعية، ما يطرح علامات استفهام حول منهجيات القياس والاحتمالات الإحصائية المرتبطة بها. منذ الانهيار المالي عام 2019 ولغاية تشرين الأول 2025، تضاعف مؤشر أسعار الاستهلاك في لبنان بحسب إدارة الاحصاء المركزي نحو 68 مرة ، وبمعدل 65 مرة بحسب المؤشر الصادر عن مؤسسة البحوث والاستشارات، ما يظهر درجة كبيرة من تقارب الرقم الكلي بين المؤشرين. وإرتفع في الفترة ذاتها سعر صرف الدولار الأميركي تجاه الليرة اللبنانية نحو 59 مرة. وتتضح خطورة المشهد أكثر عند تحليل مرحلة ما بعد تثبيت سعر الصرف ابتداء من أيلول 2023، إذ واصلت الأسعار ارتفاعها بنسب تفوق بكثير المعدلات العالمية، رغم استقرار الدولار. وهذا يعكس وجود محركات تضخمية مستقلة عن سعر الصرف، ترتبط بهيكل الأسواق، وضعف التنافسية، وسيطرة التكتلات الاحتكارية، إضافة إلى غياب الأطر التنظيمية الفعالة لتطبيق قانون المنافسة الجديد. كما تكشف العودة التاريخية للعلاقة بين الأسعار وسعر الصرف منذ السبعينيات عن نمط متكرر من ارتفاعات في الاسعار تفوق وتيرة تدهور العملة، سواء في فترات الانفلات النقدي أو خلال حقبة التثبيت الطويل (1997–2019)، بما يؤكد أن ...