ما يمثّله البابا للإقتصاديين...

اقتصاد وأعمال 30-11-2025 | 15:13

ما يمثّله البابا للإقتصاديين...

نريد لرصيد الزيارة المعنوي أن يشكل فرصة بناء اقتصاد أكثر عدالة.
ما يمثّله البابا للإقتصاديين...
لافتة ترحيبية بالبابا لاوون في بيروت (النهار)
Smaller Bigger

مازن عبّود

نستقبله كفاعل أخلاقي في الاقتصاد، تعتبر كنيسته أنّ نجاح الاقتصاد ليس فقط في النموّ بل في حسن توزيع الثروة، والقضاء على الفقر. نثمّن زيارته التي تعزز الثقة ببلد يتداعى. والثقة من الأصول الأكثر قيمةً وحاجةً للبلدان في العصر الحالي. 

 

النظرة الاقتصادية التي يمثّلها تجعل العامل، لا رأس المال، محور النظام الاقتصادي. فالمؤسسة البابوية تدعو إلى التعاطي مع الاقتصاد باعتباره فضاءً أخلاقياً واجتماعياً قبل أن يكون مالياً أو سوقياً، وتعيد التفكير في مفاهيم التنمية، والإنتاج، والاستهلاك في ضوء مبادئ العدالة، الكرامة البشرية، والتضامن الكوني. منحى عمل عليه كبار الاقتصاديين العالميين، وظهّره بقوة سلفه البابا فرنسيس. 

 

إني كأستاذ في الاقتصاد المؤسساتي والسياسيّ، أعتبر هذه الرؤية تمثلني. إنّ ترك الاقتصاد لآليات العرض والطلب وحدها غير كافٍ لإرساء تنمية عادلة. فالسوق مهما بلغ من كفاءة ليس ولن يكون مكتملاً أخلاقياً. بل إنه بطبيعته يُنتج أكلافاً اجتماعية، وفشلاً وتمركز ثروات. يد السوق الخفيّة يجب أن تعمل دوماً ضمن الأطر الأخلاقية. فالعدالة أساس وعنصر توازُن يمنع الاحتقان والثورات ويحفظ استقرار المجتمعات.

 

أوضحت وثيقة Centesimus Annus (1991) أنّ الاقتصاد لا يُحكم بالسوق فقط، بل بالإنسان والقيم التي يصنعها المجتمع. فالسوق أداة وليس غاية. لذا، يجب الحدّ من الاحتكارات الضارّة، وحماية الضعفاء، وضمان الحدّ المقبول من توزيع الثروات. فالكنيسة إذ تعترف بشرعية رأس المال والملكية الخاصة، تحذّر من "تأليه المال"، وتحويله إلى مركز الوجود، وتؤكد أن الثروة مسؤولية اجتماعية وليست تكديساً فردياً.

 

البابا فرنسيس ذهب أبعد من ذلك في وثائقه الثلاث: Evangelii Gaudium (2013)، Laudato Si’ (2015)، وFratelli Tutti (2020). انتقد النيوليبرالية بشكل مباشر. اعتبر أنّ الاقتصاد الذي لا يدمج الفقراء، غير أخلاقي. هاجم "اقتصاد الإقصاء" الذي يزيد الفجوة بين النخب والناس. وفي Laudato Si’" ربط الاقتصاد بالبيئة. أرسى مبادئ الاقتصاد الإيكولوجي، بحيث تتحوّل الأرض إلى "بيت مشترك" يجب صونه. يضمن النموّ الاقتصادي أبعاداً إنسانيةً وأخلاقية واجتماعية وروحية.

 

اليوم نرحّب بفاعل أخلاقي في الاقتصاد، ونسأل: هل تترجم كنائسنا هذه النظرة ممارسات، فتبدل وسائل إدارتها لاقتصاداتها، وتعيد النظر في سياساتها العامة، وكيفية إدارتها لأوقافها ومرافقها، بما يضمن العدالة الاجتماعية وخدمة الفقراء وبقاء شعبها والاستدامة الإيكولوجية؟ هل تتبدّل هذه المؤسسات فتتحوّل إلى فاعل أخلاقيّ يمنع تفلت السوق، فتواجه النخب إذا ما اقتضى الأمر لمناصرة الضعفاء، وتصوّب السوق بدل أن تتهم بأنها عامل من عوامل فشله، فتفعل أخلاقياً أكثر في خضم أزمات وجودية؟

 

نريد لرصيد الزيارة المعنوي أن يشكل فرصة بناء اقتصاد أكثر عدالة. لكلّ هذه الأسباب أنا معنيّ كأستاذ اقتصاد سياسي ومؤسسي غير كاثوليكي بزيارة البابا وما بعدها!

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

الخليج العربي 12/8/2025 2:59:00 PM
روبوت يتولّى دور المذيع معتمداً على تقنيات الذكاء الاصطناعي
المشرق-العربي 12/8/2025 6:32:00 AM
تلقّى اتصالاً من قيادته الإيرانيّة في الخامس من كانون الأول/ديسمبر 2024، أي قبل ثلاثة أيام من سقوط الحكم السابق، طلبت منه فيه التوجّه إلى مقرّ العمليات في حيّ المزة فيلات شرقية في العاصمة صباح الجمعة في السادس من كانون الأول/ديسمبر 2024 بسبب "أمر هام".
المشرق-العربي 12/8/2025 7:07:00 AM
ألقى الشرع كلمة قصيرة بعد الصلاة قال فيها: "سنعيد بناء سوريا بطاعة الله عز وجل، وبنصرة المستضعفين، والعدالة بين الناس"
المشرق-العربي 12/8/2025 10:41:00 AM
فر الأسد من سوريا إلى روسيا قبل عام عندما سيطرت المعارضة بقيادة الرئيس الحالي الشرع على دمشق