عيد الشكر وتقلّبات السوق: بين هدوء العطلة وتصحيح أوسع في الأسواق
يشهد أسبوع عيد الشكر في الولايات المتحدة عادةً تغيّرات واضحة في سلوك الأسواق المالية، إذ تتأثر بورصتا نيويورك وناسداك بجدول تداول مختصر يتضمّن إغلاقاً كاملاً يوم العيد وجلسة قصيرة يوم الجمعة اللاحق له. ويؤدي هذا إلى خفض كبير في السيولة وتراجع حجم التداول مقارنة بالأيام العادية، مما يجعل تحركات الأسعار أكثر هدوءاً ولكن في بعض الأحيان أكثر حساسية للتغيرات المفاجئة. وفي معظم السنوات، يُظهر هذا الأسبوع ميلاً نحو تحقيق مكاسب طفيفة، خصوصاً في جلسة الأربعاء السابقة للعطلة أو جلسة الجمعة القصيرة التداول.
ويرجع ذلك إلى انخفاض حجم التداول، إضافة إلى التفاؤل الذي يصاحب انطلاق موسم التسوّق والعطلات، بحيث تتوقع الأسواق ارتفاعاً في مبيعات التجزئة خلال موسم التسوّق الكبير الذي يبدأ بالجمعة السوداء (Black Friday) ويستمر حتى الاثنين الإلكتروني (Cyber Monday). لكن في الأسابيع الأخيرة، ظهرت صورة أكثر تعقيداً في الأسواق الأميركية. فقد شهدت سوق الأسهم أول تراجع ملحوظ منذ أشهر، حيث انخفضت بما يصل إلى 5% من أعلى مستوياتها الأخيرة، مما أثار مخاوف المستثمرين من احتمال أن يكون هذا الهبوط مقدّمة لانحدار أكبر. وبعد عامين من تقلّبات شديدة، يصبح أي انخفاض موقت مصدر قلق متزايد، خصوصاً لأولئك الذين يبحثون عن إشارات مبكرة لاحتمال دخول السوق في مسار هبوطي جديد.
غير أن التحليل الاقتصادي العميق يشير إلى أن هذه العثرة تبدو أقرب إلى "تصحيح" طبيعي مما هي أزمة حقيقية، وذلك بفضل خليط من العوامل الداعمة التي لا تتوافق عادة مع بدايات أسواق الهبوط.
فالبيئة المالية الحالية تتميز بدعم حكومي واضح، إلى جانب شبكة أمان مرنة يوفرها الاحتياطي الفيدرالي، إضافة إلى وفرة في السيولة النقدية وسيولة الأسواق. وعلى رغم أن موجة البيع الأخيرة نُسبت إلى تشديد السيولة، إلا أن هذا التشديد يظهر غالباً فقط على المدى القصير جداً، بينما تبقى السيولة العامة للأصول الخطرة فضفاضة وداعمة.
ويعدّ الدعم المالي خط الدفاع الأول، كما كانت الحال في عام 2023 حين استعادت الأسواق قوتها بدعم من إصدار الخزانة لسندات قصيرة الأجل استوعبتها صناديق أسواق المال، ما عزّز احتياطيات النظام المالي وخفف الضغوط الناتجة من التشديد الكمي للاحتياطي الفيدرالي. ويبدو أن هذا الدعم يعود مجدداً، إذ يرتفع صافي إصدار السندات مرة أخرى تحت إشراف وزير الخزانة، في وقت تشير فيه البيانات التاريخية إلى أن زيادة إصدار السندات مقارنة بالعجز ترتبط غالباً بتحسن في أداء الأسهم خلال الفترات اللاحقة.

أما السياسة النقدية، فقد بدأت أيضاً تميل نحو تسهيل الشروط المالية. وعلى رغم تلاشي توقعات خفض الفائدة في كانون الأولديسمبر، فإن تصريحات رئيس الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك فتحت الباب أمام احتمال تعديل قريب يُقرب أسعار الفائدة من المستوى المحايد، وهو ما أعاد الى الأسواق شيئاً من التفاؤل. وتأتي فوق ذلك وفرة السيولة النقدية الزائدة — أي نمو المعروض النقدي الحقيقي مقارنة بالنمو الاقتصادي — حيث تعمل هذه السيولة كدرع تحمي الأصول الخطرة من الانحدارات العميقة عادة. وتشير هذه الظروف إلى أن البيئة الحالية تتوافق تاريخياً مع أداء مسطح إلى إيجابي بشكل متواضع لمؤشر S&P 500 خلال الأشهر الستة المقبلة، بعيداً من خصائص الأسواق الانهيارية.
وتبقى سيولة التداول نفسها — أي سهولة تنفيذ العمليات من دون تحريك الأسعار — مستقرة على نحو ملحوظ، وهو ما يشير إلى عدم وجود خلل داخلي في السوق. ففي الأسواق الهابطة الحادة، تنهار السيولة عادة قبل أن تتدهور الأسعار، وهو ما لم يحدث في التصحيح الحالي. وعلى رغم أن حالة التراجع قد تصبح رأياً سائداً بين المستثمرين، وهي وضعية غير مريحة بطبيعتها، فإن مؤشرات السيولة تشير بوضوح إلى عدم وجود انهيار وشيك. ومع ذلك، فهذا لا يعني أننا أمام بداية دورة صعود قوية أيضاً، إذ تظهر هيمنة القطاعات الدفاعية مثل الرعاية الصحية، بينما تتفوق القيمة على النمو، ويظل الزخم العام للسوق حذراً أكثر منه متفائلاً.
وتتداخل هذه التطورات مع خصوصية أسبوع عيد الشكر، الذي غالباً ما يُظهر أداءً مستقراً أو إيجابياً قليلًا بفضل انخفاض السيولة وهدوء التداولات. لكن الوضع هذا العام يجمع بين تأثير العطلة وبين تصحيح أوسع في الأسواق، ما يجعل الصورة أكثر توازناً في الوقت الراهن. وفي كل الأحوال، يجد المستثمرون أنفسهم أمام فترة تُحتم عليهم التحرك بوعي، سواء عبر استغلال هدوء العطلة لإعادة تقييم مواقعهم، أو عبر مراقبة مؤشرات السيولة التي تبدو اليوم العامل الأكثر موثوقية في التنبؤ بمسار السوق على المدى القريب.
*كبيرة المحللين في أكيواندكس
نبض