عارف الريّس والمرسم المسحور في عشرين رحيله
أكرم الريس
من أولى الذكريات التي رسخت في البال عن الفنان التشكيلي عارف الريس، تلك التي ترتبط ببداية الحرب الاهلية في لبنان. آنذاك رأت مجموعة من الاهالي في عاليه ان موقع مرسم الفنان وخصائص عمارته التقليدية والمكونة من طبقات سميكة من الصخر والعقد المسبوك الذي يربط سقفه، تجعله من أكثر الاماكن أمناً. وعليه، طلب عارف من العائلات المقيمة في الحي ان تنتقل الى المرسم ليُستعمل كلمجاْ مؤقت، ريثما يتم ايجاد حلول أفضل إلى حين ان تخف وتيرة القتال.
كانت تلك اللحظات مفعمة بالخوف والترقب والصمت لا يقطعها الا صوت القذائف حيناً وضحكات عارف الصاخبة وقفشاته المحببة. لا زلت اذكر رائحة المرسم ولوحاته المتناثرة في اطرافه، والمريول الذي كان يرتديه، وحركته الدائمة وهو يضيف لمساته على لوحة من الحجم الكبير يطغى عليها اللون الاخضر. لم تطل فترة مشاهداتي لعارف، لضرورات توزيع العائلات في أمكنة عديدة وبعيدة عن الخطوط الامامية للقتال. وكان ذلك خيراً، إذ حدث ما لم يتوقع حصوله فأصيب المرسم بعد مدة قصيرة بأكثر من قذيفة مباشرة.

سكنت تلك التجارب في وجداني كأنها لحظات تقع خارج الزمان. أيقنت لاحقاً بعد تخرجي في الجامعة في بداية التسعينات من القرن الماضي، انني لم أكن قد بلغت سوى الخامسة من عمري حين تسمرت عيناي على عارف وهو يرسم او ينثر ضحكاته بيننا، جاعلا إيانا في مسرحة جميلة في ثنايا مرسمه. هكذا تتجدد ذكراه، ساحرًا مشغولًا بالشغف، كريمًا، مشاغبًا، يشرك الجميع معه في أدوار مختلفة، مشيعًا في دواخلهم انفعالات تحفر في وجدانهم وتصبح جزءًا من زاد ايامهم.
تكرر لقائي بعالمه مع نشوب حرب الجبل في العام 1982.اضطررنا الى ترك منزلنا الذي يقع على خطوط التماس والانتقال للسكن لمدة خمس سنوات في دارة أبوعارف الذي هو خال الوالد، وتتضمن مرسم عارف الى جانب حديقة فياضة بالالوان والاشكال. كانت سنين حافلة بالمعارك والملاجئ، لكن مفعمة بالمراهقة، تحوم بين اعمال عارف وكتب وموسيقى أتلقفها عبر الاذاعات، وأعوام دراسية مختصرة ومتقطعة حسب الاحوال.
زارنا من بيروت في تلك الفترة وبعد انتهاء الحصار على المدينة، العم فريد، الله يرحمه، وهو الاخ الاصغر لعارف. أتى عبر طريق الكرامة، وهي الطريق المؤقتة والبديلة من طريق الشام المقطوعة حينها، والتي تنطلق من خلدة الى قبرشون وبيصور فمجدليا وصولا الى عاليه. كان سعيداً برؤية المرسم وبسلامته النسبية من الضرر المستجد والناتج من القصف. وقد اتفق مع الوالد واولاد العم توفيق والمرحوم ملحم على تحصين المرسم عبر تشييد حائط منيع يحمي المقتنيات طالما ان بوادر السلام لا تزال بعيدة المنال. وهكذا كان. فأصبح ذلك الحائط فاصلا بيني وبين لوحات عارف وأوراقه ومكتبته، وبقي الأمر كذلك حتى عودته النهائية الى لبنان في العام 1991 بعد انتهاء الحرب.

كولاج اكرم الريس
كنت ازوره شهرياً وأراه غارقاً في أحد عوالمه الجديدة بين أعمال الكولاج والقصاصات التي أضحت له مثل المدونات اليومية وتساليها، كما اخبرني. رمم مرسمه وحافط على ضحكته وان خبأت في أطيافها مرارة الايام وتعب السنين. ادخلنا مجدداً في عوالمه المتحركة واحلامه التي لا تنضب. جيرانه والعائلة واصحاب محلات السمانة والنجار في الحي ورفيقه وفيق غريزي وتلامذته الاخوة عساف وأحياناً ابنته هلا وزواره، كلهم يذكرون كلماته ونهفاته ومفاجآته الصادمة والمحببة في آن واحد. أذكر منهم هلن الخال وسيزار نمور وجميل ملاعب وجوزيف طراب وشفيق الفقيه وشكيب خوري ونديم نعيمة ومارون الحكيم وغيرهم. أذكر ايضاً احاديثنا عن تناسخ "النهضة المبتورة" وتعاقب الاجيال، و"الواقع الافتراضي"، و"الطبيعة اللامتناهية"، ومشاريعه في تحويل المرسم الى متحف، وفرحه العارم بإقامة سمبوزيم النحت في عاليه مع رئيس البلدية وجدي مراد، بعدما قام بتنظيم مهرجان الرسم والنحت في فندق عويس مع زملائه في الرابطة الثقافية الاجتماعية في العام 1961. حتى مساعدة المنزل القادمة من سري لانكا أصبحت جزءًا من مسرحه الوسيع عندما رآها مصادفة ترسم، فتعهدها الى ان اقام لها معرضاً في عاليه تحت رعاية سفير بلادها.
سيبقى في بالي وفي وجدان الكثيرين من معاصريه واللاحقين الذين لا يزالون يطرقون ابواب عوالمه. هو ذاك الرحالة العارف والمسافر من مرسمه عبر الانواع والمدارس الفنية والاماكن، وفي ادواره واكواره في الرسم والنحت والعمارة والمسرح والكتابة وجمعية الفنانين والتعليم والنضال السياسي. المتجدد دائمًا في حركيته الفنية والانسانية حتى اللحظة الاخيرة، والنضِر كاللقاءات الاولى في رحاب الحواس البكر، مُضرجاً بالنقاء والاسئلة او حتى بالدم نحو حريته الكبرى.
نبض