"السّاعة الواحدة" تعيد اكتشاف إبراهيم أصلان كاتباً مسرحياً
هل خسرنا إبراهيم أصلان كاتباً مسرحيّاً؟! قد يظن بعضهم أنه مجرد سؤال افتراضي، مبعثه أن كتابة إبراهيم أصلان (1935-2012) القصصية والروائية هي كتابة صورة وتشخيص بامتياز، ولقطات ومشاهد وحركة وتشكيل وسينوغرافيا، وغيرها من عناصر المسرح والفنون المرئية، وهو الأمر الذي وضع أعماله الإبداعية على طبق من ذهب لصنّاع السينما.
هل خسرنا إبراهيم أصلان كاتباً مسرحياً؟! قد يظن بعضهم أنه مجرد سؤال افتراضي، مبعثه أن كتابة إبراهيم أصلان (1935-2012) القصصية والروائية هي كتابة صورة وتشخيص بامتياز، ولقطات ومشاهد وحركة وتشكيل وسينوغرافيا، وغيرها من عناصر المسرح والفنون المرئية، وهو الأمر الذي وضع أعماله الإبداعية على طبق من ذهب لصنّاع السينما.
ولكنّ الذكرى التاسعة والثمانين لميلاد أديب الستينيات البارز، في مارس/ آذار الجاري، تجعل هذا السؤال حقيقياً وليس مجرد افتراض.
صاحب "مالك الحزين"، التي تحوّلت إلى فيلم "الكيت كات" الشهير بمعرفة المخرج داود عبد السيد، و"عصافير النيل" و"وردية ليل" و"بحيرة المساء" و"يوسف والرداء" و"حجرتان وصالة" و"صديق قديم جداً" وغيرها من الأعمال السردية، يُعاد اكتشافه من جديد ككاتب مسرحي في هذه اللحظة، وذلك من خلال عمل وحيد نادر كتبه في بداية رحلته مع القلم في مستهل ستينيات القرن الماضي، ونُشر منذ أيام قليلة في القاهرة.
نفض الغبار
وهذا النص المسرحي المكثف الذي كتبه إبراهيم أصلان، عنوانه "الساعة الواحدة". وقد نشرته مؤخراً مجلة "الثقافة الجديدة" (العدد 402)، إحدى مطبوعات الهيئة العامة لقصور الثقافة، التابعة لوزارة الثقافة المصرية، في إطار ملف احتفالي بالمبدع المصري المرموق، الذي تندرج بعض أعماله في إطار أفضل مئة رواية في الأدب العربي، والذي يلتقي حول سردياته النخبة والمختصون والجمهور العادي على السواء، لسلاسة لغته وسحريتها وبساطتها.
وتستند المجلة القاهرية في كشفها المثير إلى أحد أعداد مجلة قاهرية قديمة كانت تصدرها وزارة الثقافة والإرشاد القومي بعنوان "الثقافة" أيضاً، برئاسة تحرير الكاتب محمد فريد أبو حديد، وهي التي أثبتت مسرحية أصلان المجهولة في عددها الصادر في أكتوبر/تشرين الأول عام 1963.
ولكن هذه المسرحية بعد نشرها الأول قد طواها النسيان وغابت عن الذاكرة الأدبية لأكثر من ستين عاماً، لسببين. السبب الأول: أن إبراهيم أصلان لم يدرجها في أي كتاب له، ولم يذكرها في كتاباته وأحاديثه عن بواكير أعماله، باستثناء إشارات مقتضبة إلى بعض أصدقائه المقربين، بدون أن يفصح عن عنوانها وموضع نشرها وتاريخه.
والسبب الثاني: أن المسرحية لم يتم إنتاجها وتقديمها على خشبة المسرح من خلال أي فرقة مسرحية مصرية أو عربية. وبالتالي، فإن "الساعة الواحدة" بقيت أحد أسرار صاحب "خلوة الغلبان" العمّ أصلان، إلى أن رأت النور ونُفض الغبار عنها وفُتح الستار على أحداثها، في إطلالتها الراهنة على المتلقي، المتلهف إلى ملامسة أصلان كاتباً مسرحياً.
ملتقى الأجناس الأدبية
وبالرغم من أن قراءة مسرحية لإبراهيم أصلان هي بحد ذاتها مفاجأة، في ضوء أن قائمة أعماله المعلنة تخلو من الكتابة للمسرح، فإن ممارسة قراءة المسرحية المكتشفة تخفف وطأة هذه المفاجأة، وذلك في ضوء الإلمام بتجربة أصلان وملامحها الأسلوبية وتقنياتها الجمالية، في القصة والرواية، وفي الكتابة عموماً.
وللمزيد من التوضيح، فإن التقاء الأجناس الأدبية من تصوير وشعر وسينما وموسيقى ومسرحة وغيرها من الفنون البصرية والحركية في نصوص أصلان السردية، يجعل إفراده نصاً مستقلاً للمسرح أمراً ليس غريباً. بل لعل الأمر الغريب أنه لم يستمر في الكتابة للمسرح، بالتوازي مع كتابة القصة والرواية، فصار توقفه خسارة حقيقية للمسرح، بالنظر إلى ما يعانيه "أبو الفنون" من نُدرة الكُتّاب النابهين.
وتتجلى عناصر المسرحة، وتمظهرات الكتابة عبر النوعية أو المتجاوزة للأنساق، في مجمل أعمال إبراهيم أصلان. وتعد الصورة كلمة السر دائماً في سردياته، وبحد تعبير أصلان نفسه في أحد حواراته فإن "الرؤية هي الأساس في الكتابة".
وهكذا، فإن المَشاهد والمواقف لديه تأتي بصرية حركية متوترة، كما تبدو التوصيفات دقيقة، دالة، مفلترة، منقّاة من الشوائب. أما اللغة التي تجري على ألسنة الشخوص، وتُسرد بها الأحداث، فهي كتابة اقتصاد وإيجاز حدّ المحو، بإيقاعات نفسية وموسيقية منضبطة.
وهذه العبارات التلغرافية المرهفة، والوصفيات الرشيقة الوامضة، على ضغطها، تتمكن دائماً من النفاذ إلى أعماق الشخصيات المتسعة وانفعالاتها الداخلية المضطربة، بشاعرية وحساسية تعبيرية ومفردات قريبة من القارئ، ومنتمية إلى العامية المصرية في بعض الأحوال.
وتتسع توليفة أصلان الفريدة أيضاً للسخرية أو الكوميديا السوداء، لرصد حالات العبث واللاجدوى، وتعرية معاناة الفرد ومآسيه المتراكمة، وفضح آفات المجتمع وكشف صراعاته المتصاعدة. كما أنه قد يلجأ إلى المفارقات العنيفة، وإلى الإسقاطات والرموز، لتوسعة نطاق الحدث الضيق، وتوليد مستويات من المعاني والتأويلات الكامنة خلف سطح اللقطة المرئية المباشرة.
أما الموضوع عند إبراهيم أصلان الذي عمل في فترة من حياته كبوسطجي في هيئة البريد، فهو أيضاً مستلهم من الناس، خصوصاً البسطاء والمهمّشين، الذين ظل طوال رحلته يخالطهم على الدوام، في الشارع وفي المقهى وفي كل مكان، ويتفاعل مع آمالهم وآلامهم تفاعلاً حياً ملموساً.
وهذه الخلطة "الأصلانية" التي تتسم بها قصصه ورواياته المعروفة، هي ذاتها النكهة المميزة لمسرحيته المجهولة "الساعة الواحدة".
مشهدان وستار
في هذه الأجواء ذاتها، وبالتكنيك الفني نفسه، يحلق إبراهيم أصلان في مسرحيته المكثفة "الساعة الواحدة"، التي تتضمن مشهدين قصيرين فقط في بضع صفحات قليلة، يعقبهما إغلاق الستار.
وتدار أحداث المسرحية أو لعبتها الذكية من خلال عدد محدود جداً من الشخصيات المؤثرة الرامزة.
تصوّر المسرحية علاقة ملتبسة عابرة تجمع بين طبيب في الأربعين من عمره، يرتدي معطفه الأبيض، وشخص اسمه "مبروك"، في الثلاثين من عمره، يرتدي قميصاً قذراً وسروالاً، ويضع على عينيه نظارة طبيّة، ويتأبط مجموعة من الروايات القديمة، ويبدو زائغ النظرات، وعليه سيماء البلاهة.
يدور المشهدان في حجرة بأحد المستشفيات المختصة بعلاج الموظفين والعمّال التابعين لوزارة حكومية. وملخّص المشهدين، باختصار، أن "مبروك" يظل يؤكد للطبيب مرة بعد المرة أنه يعاني ألماً في ساقه اليسرى، وأن هذا الألم تزداد حدّته في المساء "إنها الآن تؤلمني فقط. ولكن، عندما يأتي المساء، فإنها تؤلمني جداً".
وعلى الجانب الآخر، فإن الطبيب الذي يبدو غير مكترث بعمله ويردّ على مرضاه باستهتار عبر الهاتف، لا يبالي بادّعاءات مبروك، ويتهمه بأنه يتمارض من أجل الحصول على إجازة تمكنه من التهرب من عمله "إنها سليمة، ككل مرة سليمة، سليمة. أتريد أن أكتب لك أنك متمارض؟!".
ويتكرر الحوار بينهما، وكل منهما متمسك بأقواله. وفي نهاية المشهد الثاني تحدث المفاجأة، حيث يقول مبروك "لم تعد ساقي تؤلمني!"، ويقول الطبيب "أعلم أنها لا تؤلمك، لماذا أتيت إذاً؟!". ويرد مبروك موضحاً أنهم احتجزوه في مستشفى قصر العيني، مضيفاً "أخرجوني بعدما قالوا إن ساقي قد تسوست عظامها، وأصبحت غير صالحة للاستعمال. قالوا ذلك يا سيدي الطبيب، قالوا ذلك". وفي قصر العيني، بتروا ساقه المسوسة، ومنحوه ساقاً خشبية، ويصيح مبروك في وجه الطبيب "ألم أقل لك إنها لم تعد تؤلمني، حتى عندما يأتي المساء!".
وهكذا، تنطوي المسرحية على سائر خصائص كتابة إبراهيم أصلان المشار إليها، من حيث التكثيف والرشاقة في الحركة واللغة التوصيفية ومفردات الحوار، وتنامي الحدث، والسخرية المريرة، وإحداث المفارقة، وتحميل الفكرة ما ورائيات متعددة الدلالات، والوصول إلى الغرض بدون ثرثرة، والغوص في جوانيات الشخوص من خلال الوصف الخارجي لهيئاتهم وحديثهم بأقل الكلمات، إلى جانب ارتكاز العمل على فكرة العبث والإحساس باللاجدوى، وهدم الصورة الرصينة والأمينة للطب والأطباء.
وتحيل المسرحية إلى آفة مجتمعية كبرى كانت تهيمن، ولا تزال، على الكثير من المؤسسات والأفراد، وهي الانقياد للروتين، وأداء الوظيفة بطريقة نمطية عقيمة فاسدة. وهو الأمر الذي ينتهي بأن السوس ينخر في كل شيء، حتى في عظام البشر أنفسهم، وصولاً إلى العجز الكامل، رغم الحرص الظاهري على اتباع اللوائح وتطبيق القوانين النظامية!
لقد رسم إبراهيم أصلان لوحته المسرحية الأولى الواعدة، بأصابع برعت كثيراً في ما بعد في كتابة القصة القصيرة والرواية. ولكن هذه الأصابع الموهوبة، المشحونة بالخبرات الذاتية الأصيلة وبنبض الضمير الجمعي، قد زهدت في المسرح بعد ذلك لسبب غير مفهوم، رغم بدايتها القوية في هذا المضمار.
الأكثر قراءة
اقتصاد وأعمال
4/15/2026 2:20:00 PM
تمثّل الاستراتيجية الجديدة "تحوّلًا من مرحلة النمو والتوسع إلى مرحلة تعظيم الأثر الاقتصادي ورفع كفاءة الاستثمارات".
الخليج العربي
4/15/2026 10:00:00 PM
شددت على ضرورة "التزام حكومة جمهورية العراق بوقف ومنع كل الأعمال العدائية الصادرة من أراضيها"...
المشرق-العربي
4/16/2026 10:53:00 AM
تم خلال العملية ضبط ومصادرة أسلحة حربية وذخائر وجعب عسكرية كانت بحوزة أفراد الخلية
شمال إفريقيا
4/16/2026 10:47:00 AM
تصاعد الدور المصري في مفاوضات إيران يطرح احتمال تحوّل القاهرة من وسيط تقليدي إلى شريك فعلي في صياغة التسوية.
نبض