29-03-2024 | 13:53

"أعلى نسبة مشاهدة"... الهوس بالتّرند وأحلام الثّراء السّريع

​ يعتبر مسلسل "أعلى نسبة مشاهدة" هو أحد مفاجآت الموسم الرمضاني الجاري، إذ حقق نجاحًا ملحوظًا، ولفت أنظار المشاهدين منذ حلقاته الأولى، رغم أنه لم يكن ضمن قائمة الأعمال الرمضانية المتوقع لها المنافسة بهذه القوة، وارتكزت فكرته على ظاهرة مستحدثة، أفرزتها تطبيقات التواصل الاجتماعي، وازدهار الترند وصناعة المحتوى عبر الفيسبوك والانستاغرام والتيك توك وغيرها.
"أعلى نسبة مشاهدة"... الهوس بالتّرند وأحلام الثّراء السّريع
Smaller Bigger
يعتبر مسلسل "أعلى نسبة مشاهدة" هو إحدى مفاجآت الموسم الرمضاني الجاري، إذ حقق نجاحًا ملحوظًا، ولفت أنظار المشاهدين منذ حلقاته الأولى، رغم أنه لم يكن ضمن قائمة الأعمال الرمضانية المتوقع لها المنافسة بهذه القوة، وارتكزت فكرته على ظاهرة مستحدثة، أفرزتها تطبيقات التواصل الاجتماعي، وازدهار الترند وصناعة المحتوى عبر الفايسبوك والإنستغرام والتيك توك وغيرها.
يعرض العمل عبر شبكة قنوات "إم بي سي" ومنصة "شاهد"، وتدور أحداثه حول "شيماء"، الفتاه البسيطة التي تعيش في حارة شعبية بمنطقة مصر القديمة (جنوب القاهرة)، تنقلب حياتها بعد نشر شقيقتها مقطع فيديو على التواصل الاجتماعي، فهي لم تكن من هواة تلك المواقع، لكنها تحولت إلى ترند وشخصية معروفة، ثم دفعتها ظروفها المادية الصعبة إلى استغلال هذه الشهرة، فتنجرف إلى عالم السوشال ميديا ولايفات التيك توك، وتنهال عليها العروض الإعلانية.
تسلط أحداث "أعلى نسبة مُشاهدة" الضوء على التأثير الخطير لهذا العالم على حياة الأسرة، وكيف تؤثر كلمات بسيطة أو مقاطع مصورة على الكثير من الأشخاص الذين تتغير وجهات نظرهم بين لحظة وأخرى، فعلى الرغم من أنه عالم افتراضي إلا أنه أصبح أكثر واقعية ويؤثر على مُستخدميه بإيجابية وبسلبية، إذ تلعب نسب المشاهدة والمتابعة دوراً كبيراً في حياة المؤثرين على مواقع التواصل، فهي ترفع بعضهم وتحطم آخرين.
المُسلسل بطولة سلمى أبو ضيف، ليلى أحمد زاهر، انتصار، أحمد فهيم، محمد محمود، إسلام إبراهيم، فرح يوسف، وإنعام سالوسة، ومن تأليف سمر طاهر وإخراج ياسمين أحمد كامل.
 
 
 
بيئة شعبية واقعية
يقوم الخط الدرامي الأساسي حول هذه العائلة المكافحة، وجاء متكاملًا بشكل يجعلك تتعاطف معهم وتتفهم دوافعهم وتلتمس الأعذار لتصرفاتهم الخاطئة أحيانًا، إذ يثقلهم الفقر وضغوط الحياة.
تقوم الفنانة سلمي أبو ضيف بأولى بطولاتها، بدور مختلف عن طبيعة أدوراها النمطية السابقة كفتاة تنتمي إلى الطبقة الراقية، لتظهر كفتاة شعبية، في مخالفة للصورة الذهنية للجمهور عنها، ويمثل هذا الدور استمرارًا لتطور لتنوع اختياراتها أيضًا، إذ تنسلخ من نمط الفتاة الثرية تدريجيًا، ويتجلى هذا التحول عبر أعمالها خلال العامين الأخيرين، وبينها "رسالة الإمام" و"منعطف خطر" و"المداح"، وأخيرًا هذا العمل".
تقوم ليلى أحمد زاهر بدور "نسمة" الأخت الصغيرة لشيماء، والذي أدته أداءً لافتًا، يُذكر بـ"سوزي الأردنية"، صاحبة ترند "الشارع اللي وراه"، وهي "تيك توكر" مصرية اشتهرت خلال الشهور الأخيرة، وقُبض عليها بتهمة انتهاك حرمة الحياة الخاصة ثم أطلق سراحها، بينما لفتت الفنانة الشابة فرح يوسف الأنظار بأدائها غير المفتعل لدور آمال (الأخت الكبرى)، بحنانها وعطفها وقسوتها المبررة أحيانًا، فهي تحمل هموم أسرتها، فحظيت بإعجاب وإشادة النقاد والجمهور.
جاءت الفنانة انتصار كأحد أبرز الوجوه خلال موسم رمضان عبر أدوار عدة، أجادتها باقتدار رغم اختلافها، تاركة بصمتها المميزة، بينها دور الخادمة في المسلسل الكوميدي "أشغال شقة"، بينما جسدت في "أعلى نسبة مشاهدة" دور الأم بتفاصيله الواقعية والشكلية ببراعة وتلقائية، وشكلت مع الفنان القدير محمد محمود ثنائيًا بالغ العذوبة ضمن العمل، ومحمود نموذج للمواهب التي يعاد اكتشافها متأخرًا.
جاء موقع التصوير في إحدى الحارات الشعبية، بكل تفاصيلها وشوارعها الضيقة الواقعية، وإجادة اختيار زوايا الكاميرا وتحريكها وهي تبدو مهمة صعبة أجادها مدير تصوير المسلسل يوسف بارود، عبر استغلال أماكن التصوير المتاحة، وتوثيق تفاصيل حارات مصر القديمة.
كان التضامن مع غزة واضحًا ضمنيًّا لا مباشرةً، فكان العلم الفلسطيني حاضرًا ومرسومًا على الجدران في خلفية بعض المشاهد، كما أجادت المخرجة ياسمين أحمد كامل إدارة الممثلين وتوجيههم ببراعة، وكان واضحًا الاهتمام بكل عناصر العمل، وخصوصًا الملابس والهيئة العامة للأبطال، المعبرة عن هذه البيئة الشعبية.
 
 
 
قضية "فتيات التيك توك"
يرتبط اسم العمل بنسب المشاهدة على تطبيقات التواصل الاجتماعي، ووقائعه مستوحاة من قصص حقيقية حدثت خلال السنوات الأخيرة، صارت قضايا رأي عام شهيرة في مصر عُرفت بـ"فتيات التيك توك"، حول الفتيات والمراهقات اللاتي يلجأن إلى نشر فيديواتهن، بهدف حصد المشاهدات والحصول على مكاسب مادية؛ هربًا من الفقر والأوضاع الاجتماعية البائسة، اعتمادًا على محتوى مبتذل أو المتاجرة بالحياة الشخصية والعائلية، فحياتهن الخاصة مباحة، تُبث على الهواء؛ طمعًا في جني الأموال.
إذ اتهمت عدد من الفتيات وأشهرهن حنين حسام ومودة الأدهم بتهمة التعدّي على القيَم الأُسَريّة والمجتمعية، وأخريات اتهمن بتقديم فيديوهات خادشة للحياء، عبر حساباتهن على موقعي "إنستغرام" و"تيك توك"، وصدرت ضدهن أحكام بالسجن لسنوات وتغريمهن مبالغ باهظة. 
وهي أحكام أثارت جدلًا واسعًا في الرأي العام بين مؤيدين يرونها ضرورة لحماية قيم المجتمع، ومعارضين طالبوا بالرأفة بهن واعتبارهن ضحايا لتلك المواقع. وإزاء موجة الجدل الشديدة سرت مطالبات آنذاك بإغلاق هذه المواقع وحظرها في مصر.
نهاية وعظية
جاءت نهاية "أعلى نسبة مشاهدة" غير متسقة مع الخط الدرامي للعمل القائم على كون بطلته ضحية، تتعرض للاستغلال والظلم بسبب قلة خبرتها وسذاجتها، وهي صفات اكتسبتها بسبب معاملة عائلتها لها وفقًا لما طرحه المسلسل. 
منذ البداية عائلتها تسببت في ضعف ثقتها بنفسها، ومع ذلك تتحول إلى متهمة في تصاعد سريع للأحداث خلال الحلقتين الأخيرتين، كما أثارت الحلقة الأخيرة كثيرًا من الجدل بين الإشادة واعتبارها نهاية واقعية، وبين الانتقاد والنظر إليها كمرافعة وعظية وخطاب أخلاقي وتربوي نمطي، سواء من الأب أو القاضي أثناء خضوع "شيماء" للمحاكمة، بعدما تعرضت للخديعة من زوجها واتهامها بقضية "إتجار البشر"... كأنّ النهاية جاءت بهذا الشكل لإرضاء الرأي العام، معتبرين إياها نهاية تشكل تحيزًا ضد النساء وتؤسس للنظام الأبوي الذكوري وفقًا لآراء بعض المتابعين. 
 
 
 
مشكلات جيلي  Z وألفا
يعد المسلسل تعبيرًا عن مشكلات جيل "التيك توك" أو جيل "زالفا"، الخليط بين جيلي "Z" و"ألفا"، خصوصًا المنتمين منهم إلى الطبقات الدنيا، فهو جيل تائه فاقد للهوية، ومفتقد للقدوة، يقع تحت ضغوط الحياة والرغبة في الترقي الاجتماعي بأي وسيلة، لا سيما تحت قسوة الظروف الاقتصادية والاجتماعية. 
هم ضحايا، في ظل المنصات التي أتاحت لهم الاطلاع على العالم اطلاعًا واسعًا؛ والوقوع تحت وطأة الإغراءات التي لا تعد ولا تحصى؛ فاتسعت أحلامهم بما لا يتناسب مع واقعهم، فلهثوا خلف عالم افتراضي كي ينتشلهم من الفقر، حتى لو كان الثمن انتهاك حياتهم الشخصية وسحق إنسانيتهم من أجل إرضاء الجمهور وحصد مشاهداتهم، وهو ما طرحه المسلسل بواقعية عبر بعض شخصياته.
وفي جانب آخر، هناك عائلات استثمروا هذه المكاسب وشجعوا أبناءهم على خوض هذا الطريق، بل شاركوهم واستغلوهم بهدف تحقيق الأرباح دون النظر للتأثيرات النفسية والاجتماعية، فصارت ظاهرة أشبه بالتسول الإلكتروني عبر استعراض الحياة الشخصية أو القيام بأفعال غير مقبولة والتنازل عن الكرامة أحيانًا بالقيام بأوضاع مهينة استجداءً للمشاهدات.
 
 
 
 
ظاهرة تتمدد إلى كل الشرائح
ظاهرة التيكتوكرز واليوتيوبرز وغيرها، ليست قاصرة على مصر بل تنتشر في جميع دول العالم، وتصاعدت بعد انتشار فيروس كورونا وحالة الحجر المنزلي التي استمرت شهورًا طويلة، فالتف الناس حول تلك المواقع والتطبيقات.
ولا تنحصر هذه الظاهرة بين فئة الشباب والمراهقات بل امتدت خلال الفترة الأخيرة إلى شرائح مجتمعية كثيرة بسبب الظروف الاقتصادية أحيانًا، ومن بينهم فنانون انقطعوا عن العمل وساءت أوضاعهم المادية، ولم يعد يتم إسناد أدوار تمثيلية إليهم فتعثرت أوضاعهم؛ فلجأوا إلى صنع الفيديوات وبعضهم اعترفوا بذلك بوضوح، وبينهم الفنانة سهام جلال التي صرحت قائلة: "تواصلت مع فنانين كثيرين كي أعمل، ولم يردوا، وأصبح مصدر دخلي من التيك توك".
 

الأكثر قراءة

المشرق-العربي 4/14/2026 4:20:00 AM
لـ"إسهاماتهم في خدمة القضية الفلسطينية وصون الذاكرة الوطنية والثقافية"...
شمال إفريقيا 4/13/2026 12:00:00 PM
مصر تحت صدمة وفاة البلوغر بسنت سليمان بعد بث مباشر مأساوي من شرفة منزلها
كتاب النهار 4/14/2026 2:23:00 PM
اتفاق السلام مع إسرائيل ليس مطروحاً الآن قبل تحقيق مجموعة من الشروط اللبنانية التي سيطرحها الوفد المفاوض