27-03-2024 | 20:20

"إمبراطوريّة ميم"... جاذبيّة الصّنعة وتكرار الأفكار

لا يوجد كاتب عربي يتفوق على نجيب محفوظ (1911 ـ 2006) وإحسان عبد القدوس (1919 ـ 1990) في تلفزة أعمالهما. كان محفوظ يتأمل الواقع ويفلسفه بالأسئلة الوجودية، أما إحسان فكان يلتقط بحسه الصحافي المسكوت عنه، مع براعة في صك عناوين ذات جاذبية تجارية. ولعلّ عنوان قصته "إمبراطورية ميم" أكثر جاذبية من القصة نفسها التي تقع في نحو عشر صفحات، واستلهمتها السينما عام 1972 إخراج حسين كمال، وبطولة فاتن حمامة.
"إمبراطوريّة ميم"... جاذبيّة الصّنعة وتكرار الأفكار
Smaller Bigger
ليس هناك كاتب عربي يتفوق على نجيب محفوظ (1911 ـ 2006) وإحسان عبد القدوس (1919 ـ 1990) في تلفزة أعمالهما. كان محفوظ يتأمل الواقع ويفلسفه بالأسئلة الوجودية، أما إحسان فكان يلتقط بحسه الصحافي المسكوت عنه، مع براعة في صك عناوين ذات جاذبية تجارية. 
ولعلّ عنوان قصته "إمبراطورية ميم" أكثر جاذبية من القصة نفسها التي تقع في نحو عشر صفحات، واستلهمتها السينما عام 1972 إخراج حسين كمال، وبطولة فاتن حمامة. 
واللافت في الفيلم أن أربعة كتّاب شاركوا في كتابته منهم إحسان نفسه مع نجيب محفوظ ومحمد مصطفى سامي وكوثر هيكل. هذا العدد غير المعتاد يكشف بجلاء أن القصة في صورتها الأصلية لا تصلح للسينما وتطلب إعدادها جهداً كبيراً.
وبعد أكثر من نصف قرن يستعيدها الكاتب محمد سليمان عبد المالك مجدداً في مسلسل بالعنوان ذاته من بطولة خالد النبوي. ويبدو أن محاولات استعادة القصة لم تتوقف، فمنها محاولة لم تستكمل أعلن عنها عام 2010 للكاتب الراحل لينين الرملي وبطولة رغدة.
 
مزايا وعيوب
من أهم مزايا نصوص إحسان أسئلتها الاجتماعية، وكشف المكسوت عنه، إضافة إلى جاذبية العناوين، كما امتازت هذه القصة تحديداً بأمرين: الصراع بين الأجيال ـ وهو مرغوب درامياً ـ ومحاولة تطبيق الديموقراطية ضد أضعف سلطة أبوية، وعلى أصغر وحدة اجتماعية، أي الأب "رب الأسرة".
وبالنظر إلى تاريخ نشر القصة حوالي عام 1965، يبدو أن إحسان كتبها كأمثولة تخييلية، كي يبلغ نظام عبد الناصر في عز سطوته بأنه لا تعارض بين الاشتراكية والمسار الديموقراطي، لذلك أنهاها بجملة حكيمة: "لقد أصبحت إمبراطورية ميم جمهورية اشتراكية ديموقراطية. والعمارة كلها تتحدث عن تجربتنا".
إحسان ابن ثورة 19 والمرحلة الليبرالية، لا يقف ضد تجربة عبد الناصر الاشتراكية، بل يرغب في تشجيعها على "الديموقراطية"، وهنا يصبح الأب معادلاً للزعيم نفسه، والدليل أنه عندما امتثل لصندوق الاقتراع فإن العائلة كلها اختارته بالإجماع أباً وزعيماً للأسرة!
فالقصة كلها لتمرير جملة سياسية، بينما معالجة الفيلم ابتعدت عن تلك الجملة، بل حولت السلطة الأبوية إلى سلطة أمومية. وبدل الذكور الستة في القصة الأصلية: مصطفى، مجدي، مدحت، ماهر، محمود، ومنير. نوعت فاتن حمامة أبناءها بين الذكور والإناث، وعمقت الطابع الاجتماعي، وظهور جيل جديد مطلع السبعينيات اتسم بالتمرد والجموح في ارتداء الملابس القصيرة وقصات الشعر الغريبة، والنفور من السلطة، أي عزز الفيلم عبر صراع الأجيال فكرة التحولات الاجتماعية، وجاء طرح قضية الديموقراطية تماشياً مع وعود السادات آنذاك والتبشير بعصر جديد، وهكذا نجح الفيلم لارتباطه بلحظته التاريخية وسياقه الاجتماعي.
لكن القصة الأصلية تخلو من كل هذا الحفر والتعميق في رسم الشخصيات ومد الخطوط، فهي تتحدث ببساطة عن الأب المدير العام "محمد مرسي" الميسور مادياً والذي يعيش سعيداً مع زوجته، إلى أن احتد الجدل بينه وبين ابنه الثاني "مجدي" طالب الفلسفة، حين اعترض على خروجه، وهنا طرح مجدي إجراء انتخابات خاصة بإدارة الأسرة، بعد نقاش مستفيض، وتنتهي القصة بفوز الأب بالإجماع على "مجدي" منافسه الوحيد!
يعيب القصة المقدمة التعريفية الطويلة بضمير الأنا، يلخص فيها البطل قصة حياته منذ أن كان موظفاً صغيراً إلى أن أصبح مديراً عاماً ولديه مشروع خاص به، ودخل يصل إلى حوالي أربعة آلاف جنيه سنوياً، وهو مبلغ كبير آنذاك، مروراً برحلة الزواج والإنجاب والحياة السعيدة خلال ربع قرن. 
وقبيل إجراء الانتخابات وأثناءها، لم يحدث أي رد فعل من بقية الأبناء، ولا من الخادم والخادمة، ولا حتى من الزوجة... فلم يحدث أي توتر درامي أو فكري بشأن اقتراح وعملية الانتخابات. 
بمعنى آخر طرح إحسان شخصيات كثيرة جداً ـ فوق احتمال قصة قصيرة ـ ولم يستعمل منها سوى الأب والابن "مجدي" فقط، حتى الزوجة وجودها كان والعدم سواء، وربما لو حدث الموقف بعد وفاتها لكان أفضل درامياً. كما خلا النص من أي وصف يعتد به، سواء للأماكن أو الشخصيات ودواخلها إلا بشكل عابر جداً. ثم انتهى الحل "الديموقراطي" بتكريس السلطة الأبوية التي سعى الابن للتمرد عليها!
 
 
 
تغييرات تلفزيونية
سار عبد المالك في معالجته التلفزيونية على خطى الفيلم، من ناحية رسم الشخصيات وتوسيع وظائفها وضخ شخصيات لا وجود لها في القصة الأصلية، كما رد البطولة إلى الأب بعد تغيير اسمه إلى "مختار أبو المجد" وأياً نوع الأبناء ذكوراً وإناثاً، وألغيت شخصية الزوجة بالموت مع بقاء الزوج مخلصاً لذكراها واستحضارها في مشاهد رومانسية مستعادة (سلاف فواخرجي) مع البطل وليس مع أولادها!  
كما ضخ أيضاً شخصيات من مجتمع الأولاد كالمدرسة والجامعة، ثم اختلق شخصية العمة أو أخت الأب "مديحة" (نشوى مصطفى)، وربط كل الشخصيات تقريباً في ثنائيات عاطفية، فالأب منجذب إلى الجارة "مي" (حلا شيحة)، والابنة الكبرى (إلهام صفي الدين) مع مدرس جامعي، والابن الجامعي (نور خالد النبوي) مع زميلته (مايان السيد)، حتى عمة الأولاد لديها علاقة مع خالهم (محمود حافظ)، من أجل خلق سيناريو يتسم بالجاذبية وإحكام الصنعة. 
مع ذلك بدت القصة برغم كل الزيادات والتفريعات، عاجزة عن أن تصلح مسلسلاً، لذلك أضاف عبد المالك خطاً موازياً يتمثل في صراع الأب مع إحدى الشركات التي تسعى للاستيلاء على الفيلا التي يعيش فيها، وهو خط يذكرنا بمسلسل "الراية البيضا" لأسامة أنور عكاشة.
بفضل تلك التعديلات، ابتعد النص التلفزيوني كلياً عن قصته المصدرية، وبدا كأنه يكرر مسلسلات أخرى في السياق ذاته مثل "كامل العدد +1" أو حتى "بابا جه". وربما هناك توجه لتمرير دراما اجتماعية صالحة لكل أفراد الأسرة يشارك فيها أطفال ومراهقون، ومعظمها تكرر الأفكار ذاتها، وتعتمد على الإيقاع السريع، وتدفق التفاصيل.
 
 
ما سر الاستعادة؟
كتب إحسان قصته كي يوصل مقولاً معيناً لنظام عبد الناصر دون التعمق في فلسفة الديموقراطية نفسها، وقدمت فاتن حمامة ليس صراع الأجيال فقط، بل لحظة السبعينيات وتحولاتها الدراماتيكية. فلماذا يُستعاد النص الآن عام 2024، بمعنى آخر: أي مقول يُضاف إليه؟ باعتبار كل معالجة هي تأويل.
في المجمل توفرت للمسلسل صنعة جيدة على مستوى الكتابة والإخراج والتمثيل، وكان هناك اعتناء بالتفاصيل والمواقف، لإنتاج دراما عائلية براقة، لكنه قطعاً لا يناقش فلسفة الديموقراطية، ولا تحولات اللحظة الراهنة.
عمل بلا خصوصية ثقافية، كأنه مستعار أو مسلسل أميركي مدبلج للعربية، ومحسوب ذهنياً أكثر مما يجب، فمثلاً شخصية مختار لا علاقة لها بشخصية "محمد مرسي" في القصة، فهو لا يعمل موظفاً، بل صاحب شركة يعيش في فيلا فخمة في المعادي ويركب أفضل السيارات، ومع ذلك يصر المسلسل على أن يقنعنا بأنه في أزمة مالية خانقة تكذبها الشخصية في ملابسها ومظاهرها وموائد طعامها! وشخصية مدرسة الفرنساوي (إيمان السيد) مفرطة في نمطيتها وشعبويتها وغير متسقة مع مستوى المَدرسة المتوقعة لأبناء رجل أعمال، لكن أُريد لها أن تكون هكذا لتمرير "الأفيهات" وكسر الملل، وحضور "العمة" أضعف بالضرورة دور "الأب". وحتى إصرار الأولاد على مخاطبته طول الوقت باسمه المجرد "مختار" وليس "بابا"، لا يعبر عن الخصوصية الثقافية لمجتمعاتنا، خصوصاً أن هذا التجريد من اللقب يُضعف الرابطة العاطفية مع مفردات الأبوة والأمومة.
حتى الخط الموازي الخاص بصراع إحدى الشركات للاستيلاء على فيلا مختار وغيرها في الحي لبناء "كومباوند"، لا يبدو مقنعاً، لأن هذه النوعية من الإنشاءات مُتاحة في المدن الجديدة، وليس هناك ما يبرر هدم بيوت في غاية الفخامة لبناء غيرها! فالصراع والإغراءات المرتبطة بهذا الخط الدرامي أقرب إلى الافتعال!
أي أن العمل يفتقر إلى خصوصيته الثقافية، مثلما يفتقر إلى قوة الإقناع، ولا يناقش أي قضايا مناقشة جدية لا الديموقراطية ولا صراع الأجيال ولا اضطرار بعض الآباء للعب دور الأم (العمة موجودة بديلاً لها)، ولا قضية هدم بيوت وقصور عتيقة لأسباب مرتبطة بتحولات اقتصادية واجتماعية معينة. كل هذا لا يحضر إلا حضوراً خافتاً جداً، ليبقى المسلسل، كما أراد صُناعه بقيادة المخرج محمد سلامة، مجرد حلقات مُسلية ومهذبة عن واقع لا وجود له.
 

الأكثر قراءة

شمال إفريقيا 4/13/2026 12:00:00 PM
مصر تحت صدمة وفاة البلوغر بسنت سليمان بعد بث مباشر مأساوي من شرفة منزلها
لبنان 4/15/2026 6:55:00 PM
 تمّ إخلاء الفندق من النزلاء كإجراء احترازي...
مجتمع 4/15/2026 12:28:00 PM
"أقدمت على قتل طفلَيها خنقاً بواسطة وسادة أثناء تواجدهما على سريرها داخل منزلها في محلة صحراء الشويفات"