18-03-2024 | 19:23

صلة رحم... طرح جريء لقضية "تأجير الأرحام"

​ تقوم فكرة "تأجير الرحم" على اللجوء لامرأة تمتلك رحماً سليماً بهدف حمل جنين الزوجين. تتم هذه العمليّة عبر اللجوء للتلقيح الصناعي، وتخصيب الجنين مخبرياً وزرعه في داخل رحم المرأة التي تقوم بتأجير رحمها، وهو ما يعرف بالرحم البديل.
صلة رحم... طرح جريء لقضية "تأجير الأرحام"
Smaller Bigger
 
تقوم فكرة "تأجير الرحم" على اللجوء لامرأة تمتلك رحماً سليماً بهدف حمل جنين الزوجين. تتم هذه العمليّة عبر اللجوء للتلقيح الصناعي، وتخصيب الجنين مخبرياً وزرعه في داخل رحم المرأة التي تقوم بتأجير رحمها، وهو ما يعرف بالرحم البديل.
يتطرق مسلسل "صلة رحم"، الذي يعرض خلال شهر رمضان على شاشة إم بي سي، إلى قضية شائكة ويقدم طرحاً جريئاً وجديداً لمسألة "تأجير الأرحام" في الدراما المصرية والعربية، ربما يتم تناوله للمرة الأولى، إذ لم يتم تقديمه من قبل عبر عمل كامل بكل ملابساته. 
تُعرض هذه الفكرة من خلال قصة طبيب يتعرض لحادثة مع زوجته الحامل، فتفقد الجنين، وتتعرض لنزيف يهدد حياتها ويستوجب اسئتصال الرحم، فتتبدد آخر فرصة لهما للإنجاب، وتنطلق الأحداث بصورة تصاعدية وإيقاع سريع عندما يبدأ الطبيب بخطوات خارج إطار القانون لاستئجار رحم سيدة من أجل تحقيق حلمه في إنجاب طفل، ما يورطه في الكثير من المشكلات والأزمات المُعقدة.
المسلسل بطولة إياد نصار، يسرا اللوزي، أسماء أبو اليزيد، محمد جمعة، تأليف محمد هشام عبية، إخراج: تامر نادي.
يقوم أساس البناء الدرامي للمسلسل على فكرة أن الخطأ يجر خطأ، إذ يخوض بطل العمل صراعاً نفسياً، فهو الذي يتحلى بالمبادئ ولكن سرعان ما تتحطم أمام صخرة الواقع. 
عندها ينحي مبادئه جانباً، فهو يريد أن يكون أباً مهما كان الثمن ومهما خاض من طرق ملتوية، الضرورات فيها تبيح المحظورات؛ فهو هدف سام بالنسبة إليه، ويتخذه بدوافع نبيلة قد تكون مفهومة من الناحية الإنسانية لكن تبعاتها تسبب مشكلات كثيرة، فالبطل تنغرس قدماه حتى يصل إلى مرحلة لا يستطيع معها التراجع، وجاء الأمر قدرياً رغماً عنه مدفوعاً بظروفه الخاصة الطارئة، فما يفعله أشبه بكرة الثلج كلما تدحرجت كلما تضخمت.
كما تعتبر قضية تقبل "القدر" ومحاولة تغييره موضوعاً رئيساً في المسلسل وأحد أوجهه فكرة تأجير الأرحام، ولعل ما يميز العمل في هذا الصدد أنه لم  يعتمد على التنظير أو الوعظ المباشر، ولم يستهدف الحكم الأخلاقي والديني على الأشخاص. 
 
 
 
 
جدل مجتمعي وديني
أثار العمل كثيراً من المناقشة والجدل على مواقع التواصل الاجتماعي بين الإشادة بالموضوع المطروح، وآراء ناقدة تراه حراماً شرعاً وبها شبهة اختلاط أنساب، وأخرى ترى أن هذه القضية دخيلة ومصطنعة، وأن صناع العمل يتعرضون لقضايا لا تخص مجتمعاتنا، وهو ما يراه البعض طرحاً غير واقعي، فهي مشكلة تمس قطاعات من الناس، وهموم جائزة تواجه البعض بحثًاً عن الأمومة والأبوة، وهناك بشر خاضوا هذه المعاناة الإنسانية، حتى لو لم تصلنا قصصهم بعد.
ينبع الجدل الدائر حول هذه القضية؛ من كونها مرتبطة بأحكام دينية، وكيف تتغير قناعات الإنسان عندما يخضع للاختبار فيصبح الحلال والحرام نسبياً، ولعل أول ما يتبادر للذهن حول فكرة "تأجير الرحم" هو مدى تقبل المُشاهدين الفكرة بسهولة، ويفتح العمل الباب أمام نقاشات وتساؤلات مجتمعية ودينية، لكونها لا تزال غير مقبولة مجتمعيا أو دينيا، لكنها مهمة وتمس حالات كثيرة حرمهم القدر من القدرة على الإنجاب.  ولم يقدم "صلة رحم" إجابة أو حلاً، لكنه يلقي حجراً في المياه الراكدة، ويطرح الأبعاد المختلفة للموضوع، ويترك المجال للمشاهدين لمناقشة الفكرة.
تأجير الأرحام فكرة مستهجنة في مجتماعاتنا 
مسألة تأجير الأرحام معروفة ومقننة في الغرب، لكنها ليست كذلك في مصر والدول العربية، وأعتقد أن ذلك قد خلق عبئًا على المؤلف أثناء صياغته لهذا العالم، فهو مازال عالما سريا في مجتمعنا، إذ لا يوجد نماذج واقعية (منتشرة ومعروفة لنا على الاقل) يمكن البناء عليها أو محاكاتها، فهو يصنع عالمًا من البداية للنهاية دون أن يساعده في ذلك نماذج واقعية يستند إليها. 
وحول ذلك قال مؤلف العمل محمد هشام عبيه "للنهار العربي": "أهتم بالبحث والتقصي، فقررت قبل الكتابة البحث في المصادر المفتوحة واكتشفت أن الموضوع يثير جدلًا مجتمعيا ودينيا كبيرا منذ الثمانينات لدرجة أن إحدى الجهات الدينية الكبرى في المملكة العربية السعودية أقرت هذا الموضوع  بضوابط في أحد المؤتمرات الإسلامية المنعقدة في مكة أواخر الثمانينات،  ثم تراجعت عن الفتوى العام التالي مباشرة، إذن فهذه الفتوى صدرت من السعودية حينما كانت مازالت في حقبة التشدد، وليس في طبيعتها الحالية المستجدة وما شهدته من انفتاح.
وأضاف: "اكتشفت أن إيران تقر تأجير الأرحام بشكل قانوني، وهي الدولة الوحيدة تقريبا في منطقة الشرق الأوسط التي تعطيه وضعا قانونيا، وصُنعت أفلام إيرانية لمعالجة هذه القضية، ورغم أنه يأخذ شكلًا مقننًا هناك، لكن له آثاره السلبية فيما يتعلق بفكرة التجارة واستغلال الفقر".
 وقال عبيه: "بحثت عن الموضوع في مصر واكتشفت أن ثمة مجموعات على الفيسبوك تعرض خدمات تأجير الأرحام، وقدمناها ضمن الحلقات، وبعضها يتضمن عمليات نصب، والبعض الآخر يكون غالبًأ دافع السيدات هو الحاجة إلى المال، كما وجدت زملاء صحافيين قاموا بهذه المهمة نيابة عنا في تحقيقات منشورة قرأتها بتركيز، بجانب مقابلات تلفزيونية حول هذا الموضوع، فمثل كل ذلك مرجعا أثناء الكتابة".
يقوم العمل على اكتشاف تفاصيل هذا العالم السفلي عبر شخص يأتي من عالم آخر وينتمي إلى  طبقة وسطى ثرية (إياد نصار)، وما يميز المسلسل أنه لم يقدم الأحداث من منظورها ودوافعها الاجتماعية والإنسانية فقط، بل تعمق لأبعد من ذلك ليتناول الجوانب القانونية والطبية والدينية، طارحاً إياها بشكل بسيط ومباشر دون انحياز لجانب على حساب الآخر.
وفسر عبيه ذلك بقوله: "لأن الموضوع شائك للغاية، ولا يصلح أن نطرحه ونحن غير مسلحين بتغطية كل جوانبه، وكعادتي في أعمالي السابقة استعنت بباحث درامي ضمن العمل، وهو الباحث علاء عزمي، يتولى كل البحث في الأمور الدينية والطبية والقانونية والاستعانة بآراء المتخصصين مثل أطباء النساء والحقن المجهري والتخدير والطب النفسي، والمحامين ورجال الدين".
 
 
تبدو صعوبة القضية المطروحة لكون ما يفعله البطل جريمة في نظر القانون ومن المحرمات من وجهة النظر الدينية، وغير مقبول مجتمعياً حتى الآن، وهو ما يطرح التساؤل: ألم يخش صناع العمل أن يكونوا في بؤرة الهجوم، خصوصاً أن أعمال محمد هشام عبيه دائماً ما تثير الجدل، وأخيرها "رسالة الإمام" عن الإمام الشافعي، و"بطلوع الروح"، وغيرها. 
كشف محمد هشام عبيه لـ"النهار العربي": "عندما قررت كتابة هذه النوعية من الأعمال كنت أعلم أن ذلك سيكون أحد ردود الفعل التي سألقاها، لكنني أكتب بيد ثابتة لا مرتعشة، وقد استندت إلى بحث قوي حول الموضوع، وأزعم أنني أملك كل تفاصيله بنسبة كبيرة؛ لذا يمكنني استقبال الهجوم متسلحاً بذلك".
 
 
مسلّماتنا المجتمعية
وينفي عُبيه أنه يكون متعمداً لإثارة الجدل خلال صناعة مشاريعه الدرامية، بل غرضه أن "نفكر" لنضع أنفسنا مكان الأبطال وهل سنفعل مثلهم أم لا؟ وهل من الممكن في لحظة اتخاذ قرار ما يجعلنا نتورط في أعمال كنا من المستحيل التفكير في عملها لمجرد أننا نريد تحقيق هدف نراه سامياً لأن البطل في النهاية يبحث أن يكون لديه ابن وعائلة متكاملة؟ منوهاً: "ليس هدفي ولا دافعي التشكيك في الأشياء، سواء في هذا العمل أو غيره أو حتى أعمال المستقبلية، بل هو محاولة للتفكير وإعادة النظر في مسلماتنا المجتمعية والتفكر بهدوء هل هي مسلمات بالفعل أم يمكن تغييرها؟".
ويعرب المؤلف عن أمنياته "أن يثير العمل إعادة التفكير في القوانين والأفكار الراسخة في المجتمع، التي صنعها الإنسان لأنها غير مخلدة وتستحق إعادة النظر بها، وهو أحد الأهداف الأساسية في المسلسل ونحاول أن نقدمه بطريقة مشوقة وبسيطة وهذا هو دور الدراما، إذ لا أحبذ القيام بالتنظير".
 

الأكثر قراءة

المشرق-العربي 4/14/2026 4:20:00 AM
لـ"إسهاماتهم في خدمة القضية الفلسطينية وصون الذاكرة الوطنية والثقافية"...
شمال إفريقيا 4/13/2026 12:00:00 PM
مصر تحت صدمة وفاة البلوغر بسنت سليمان بعد بث مباشر مأساوي من شرفة منزلها
كتاب النهار 4/14/2026 2:23:00 PM
اتفاق السلام مع إسرائيل ليس مطروحاً الآن قبل تحقيق مجموعة من الشروط اللبنانية التي سيطرحها الوفد المفاوض