16-03-2024 | 15:05

معرض بسام جعيتاني "ما يخفق في عمق الفوضى"... الأبيض رماد الروح

يثير معرض بسام جعيتاني (حتى 5 نيسان/ أبريل، غاليري جانين ربيز) وعنوانه "ما يخفق في عمق الفوضى"، الكثير من الأسئلة حيال ما قدّمه من لوحات فارغة وصامته وموجعة
معرض بسام جعيتاني "ما يخفق في عمق الفوضى"... الأبيض رماد الروح
Smaller Bigger
 
يثير معرض بسام جعيتاني (حتى 5 نيسان/ أبريل، غاليري جانين ربيز) وعنوانه "ما يخفق في عمق الفوضى"، الكثير من الأسئلة حيال ما قدّمه من لوحات فارغة وصامته وموجعة، تأخذنا الى فظائع انفجار مرفأ بيروت في 4 آب 2020، فهو بالرغم من بساطة معالجة سطوح لوحاته لم يُخف شيئاً مما رآه من أهوال. 
 
لقد انطلق من وقائع الحدث إلى رسم علامات خفقات الغياب التي تجلّت في ألوان البياض الخفيض والشاحب والمتلاشي الكامن في ستائر نوافذ البيوت المدمّرة من جراء القوة الهائلة لعصف الانفجار. خفقات تأويلات الخدوش المترامية وضمادات الجروح التي لا حرارة فيها ولا حياة، والتي تُبعث من بين الأنقاض حاملة لهاث أجساد المصابين ونصوص ندبات جراحاتهم وأغوار ذكريات اوجاعهم في وجود شبه غائب مقرون بمسطحات ما جمعه الفنان جعيتاني من بقايا أقمشة رقيقة من الشاش الممزق، للتعبير عن صيغة توفيقية لما اذهله من مرارة رؤى الفاجعة التي أصابت مدينة بأكملها.
 
وتحسبه فوضى وهو نظام، قائم على فن الأثر، والتّتبع للفكرة والاستنطاق البصري للمواد من خلال لعبة التصميم. انّه الفن الأقليّ اللاشكلي الذي اعتمده بسام جعيتاني، وظلّ على التزامه بالمحسوسات التي تمنحها الخامات، آخذاً المفاهيم نحو تركيب الافكار رديفاً للتجربة. 
هذا إضافة إلى تصميم شكلاني للحلقات الحلزونية المتدفقة التي توحي بغيمة الانفجار، وايحاء بتطاير الزجاج وتراكم الردم على المسطح الأعزل الحيادي ببياضه البارد وتفسير المقومات النفسية للحظة الحيرة والاضطراب والجمود إزاء المشهد العظيم، باستعادة ملامس الدمار والإنسلاخات والجروح والندوب المغطاة بلون الرماد. 
 
بإحساس من يريد ان يتذكّر كتب بسام جعيتاني بداية القصة على الحائط بقلم من حديد شرفات البيوت التي هوت، وزخرفه بما تعلق في أهدابه من اسمنت وبقايا أقمشة ممزقة من نُتف فساتين الاحلام. قيل بأنّه لحظة وقوع الانفجار لم يصرخ بل تفاجأ وأرجأ الانفعال ولم يرتعد، ولكن موجات الارتعاد لم تمحها السنوات، بل انطبعت في الذاكرة، وها هو الفنان يسعى لالتقاطها كروح وليس كجسد، كطيف أبعد من اليد واقرب إلى مادة الضباب والغياب وصفات التلاشي.  
 
 
 
جماليات الخراب
يقول بسام جعيتاني في بيان معرضه: "سعيتُ من خلال اعمالي ان اوقظ الوعي العميق لدى المشاهد للقضايا المصيرية التي تميز عصرنا. الانفجار الذي هزّ قلب بيروت، يتجسّد في قلب هذا المعرض، من خلال تجهيز جداري يتمثل في هيكل معدني اخضر يتضمن كتابة تعكس مدى الدمار الذي تعرّضت له بيروت نتيجة هذا الانفجار المأساوي. تتداخل الشظايا المعدنية من حواجز الشرفات وأنقاض الخرسانة مع قطع من الثياب، ما يخلق تكويناً مادياً وعاطفياً في آن واحد. جزء آخر في المعرض، كناية عن سلسلة من لوحات بيضاء تمثل لقطات مربكة شهدتها تلك الكارثة، تعكس التأثيرات النفسية والعاطفية العميقة التي تنجم عنها. تتلون هذه اللوحات البيضاء النقية بالخدوش والجروح، وكأنّها صفحة بيضاء تحمل ندوب التاريخ. وهي تدعو المشاهد الى التفكير في الهوية الثقافية المتلاشية للمدينة وضرورة إعادة بنائها والحفاظ عليها، لتمكين الشفاء الكامل داخل المجتمع المتأثر بها. 
 
هذا المعرض هو رمز بصري للفوضى والدمار اللذين ضربا بيروت. يذكّرنا بأنّ الانفجار ترك آثاراً لا يمكن محوها في حياة المتضررين، وفي نفس الوقت يترك أثراً مماثلاً في فهمنا الجماعي للحدث، من خلال استخدام عناصر الانفجار المأساوي لبيروت وخلق هذه اللوحات البيضاء التي تجسّد مفاهيم النقاء والبراءة، ولكنها تعني أيضاً غياب الوضوح والحقيقة".
 
 
 
 
في استعادته وقائع الحدث أعطى بسام جعيتاني أعماله استراتيجية التفكيك، التي تنطلق من موقف فلسفي مبدئي قائم على دوامة الشك وما أحدثته من فوضى عارمة في دلالات معرفة ما حدث. لذا فتح الباب على مصراعيه للّعب الحرّ على فراغات اللايقين وعلى مدلولات الخلخلة في شطوب التمزقات التي تحجب المعنى وتغيّبه. كما ارتكز التفكيك في سطوح لوحاته الحاملة مناخات الفن الفقير (Art Pauvre) الآتي من المخلّفات، على كيفية رتق ونسج معالم جلد اللوحة الغارقة في تجاعيدها ونتوءاتها بأناقة مدروسة وتقشف وإخراج متأنق لا يبتغي العشوائية والانفعال، بل الوقوف بصمت أمام مشهدية البياض السادر، الذي يوحي بالحضور والغياب والتشتيت والإخفاء في محور لعبة العلامات والتمزقات والخدوش والتآكل، باعتبارها جماليات الخراب المدهش، ويا للمفارقة انّها حقائق خالصة وشفافة دخلت في ذاكرة الفنون المعاصرة.
 
انطلق معرض "ما يخفق في عمق الفوضى"، من مفاهيم صلة الفن بالمجتمع، ومن دلالات طيف الإحاطة التجريدية بكل شيء لتعزيز الإحساس بالمسؤولية، والاقتراب من الحقيقة خطوة خطوة. 
 
 
رغم بساطة الأعمال، هو يدعونا كي نتأمّل حركات الشروخ والندوب الخاطفة وإشاراتها المقطوعة التي لا تحمل معنى وانما الناظر يجعل لها المعنى الذي يريد. فهو في أسلوبه هذا يتكئ على صيغ استخدام الفنان الإيطالي البرتو بوري A.Burri للأقمشة الممزقة والمحروقة للتعبير عن وحشية الحرب، فالموادية كحركة courant matiériste معتمدة مع إلهامات المادة تعبّر عمّا أسماه بوري "الانبثاق من الصمت وانفجار السكون"، فكان استخدام تلك المواد محور مواجهته للحياة والموت، كونها تعكس دلالات الزمن المرتعش الخاطف، الذي يقع كل شيء فيه فريسة الموت. فالعلامات التجريدية التي تتعرّض للشق والحرق والإخفاء كانت من ثمرات الرغبة في اختراق حركة اللحظة الخاطفة وحركة الزمن الموسوم بالدمار والموت. 
 
في أعمال بسام جعيتاني يندرج اللون الأبيض كمنحى لسراب من رماد مأساوي، يدل إلى ما بقي بعد الانفجار، كما يدل إلى لون الأكفان والنهايات المفجعة التي تمسّ الإنسان والوطن وقيمه ورموزه. كما ينطوي اللون الأبيض على هذا التعارض ما بين شيء حي وشيء ميت، وكذلك ما بين الذاكرة الحية باعتبارها موطن الحقيقة والذاكرة الملتبسة التي تخفي الحقائق وتقود الى النسيان.
 

الأكثر قراءة

اقتصاد وأعمال 4/15/2026 2:20:00 PM
تمثّل الاستراتيجية الجديدة "تحوّلًا من مرحلة النمو والتوسع إلى مرحلة تعظيم الأثر الاقتصادي ورفع كفاءة الاستثمارات".
الخليج العربي 4/15/2026 10:00:00 PM
شددت على ضرورة "التزام حكومة جمهورية العراق بوقف ومنع كل الأعمال العدائية الصادرة من أراضيها"...
المشرق-العربي 4/16/2026 10:53:00 AM
تم خلال العملية ضبط ومصادرة أسلحة حربية وذخائر وجعب عسكرية كانت بحوزة أفراد الخلية
شمال إفريقيا 4/16/2026 10:47:00 AM
تصاعد الدور المصري في مفاوضات إيران يطرح احتمال تحوّل القاهرة من وسيط تقليدي إلى شريك فعلي في صياغة التسوية.