في "ضرب من ضروب الخيانة"، اتخذ إبنا الكاتب الكولومبي الحائز على جائزة نوبل غابرييل غارسيا ماركيز، قراراً بنشر روايته "إلى اللقاء في أغسطس"، بعد عقد من وفاة والدهما، معارضين رغبته الأخيرة في تلفها.
ونُشرت الرواية التي كتبها ماركيز في السنوات الأخيرة من حياته عندما كان مصاباً بالخرف، رغماً عن تعليماته الصارمة بضرورة تدميرها، كونها "ثمرة جهد أخير لمواصلة الإبداع رغم كل الصعاب". وأصبحت متاحة للقراء باللغة الإسبانيّة أولاً، على أن يتمّ اصدارها بعد أيام قليلة بالإنكليزية ولغات أخرى.
تدور أحداث الرواية حول امرأة متوسطة العمر تدعى آنا، تقوم برحلة سنوية إلى قبر والدتها في جزيرة كاريبية في شهر آب/أغسطس. وفي رحلاتها الكئيبة هذه، التي تتحرّر فيها لفترة وجيزة من زوجها وعائلتها، تجد حبيباً جديداً في كل مرّة، على الرغم من زواجها السعيد لأكثر من عشرين عامًا.
علمًا أنّها المرّة الأولى التي يركّز فيها عمل لماركيز على بطلة امرأة، رغم غنى رواياته السابقة بشخصيات نسائية.

تلف الرواية
أمام فقدان الذاكرة المتزايد، فَقَد ماركيز، المعروف بـ"غابو" للمقرّبين، الثقة في العمل قبل وفاته، لذلك طالب بتلف الرواية وعدم نشرها حتى لا تنتقص من قيمة أعماله السابقة. وكان ماركيز قد جرّب بالفعل كتابة خمس نسخ على الأقل منها، وعدّل في النص لسنوات، فحذف جملاً، ووضع ملاحظات في الهوامش، وغيّر صفات، وأملى الملاحظات على مساعده. لكنه، في النهاية، استسلم وأصدر حكماً قاطعاً بتدميرها.
لسنوات، كانت المخطوطة متاحة للباحثين في أرشيف الكاتب في مركز هاري رانسوم في تكساس، لكنها بقيت في الأدراج كونها غير مكتملة ومعقّدة. ولكن في الآونة الأخيرة اتخذ إبنا المؤلف، رودريغو وغونزالو غارسيا بارشا، قرارًا بنشرها، إذ أنّها أفضل بكثير مما كان يعتقده والدهما. وكتبا في مقدمة الرواية: "في ضرب من ضروب الخيانة، قرّرنا أن نضع متعة قرائه قبل كل الاعتبارات الأخرى. إذا كانوا سعداء، فمن الممكن أن يسامحنا "غابو"، نحن نثق بذلك".
في حديثه من منزله في مكسيكو سيتي، اعترف غونزالو غارسيا بارشا بأنّه كان من الصعب أن يعارض رغبات والده، لكنه أصرّ على أنّ هناك "الكثير من الأمثلة في تاريخ الأدب لأشخاص طُلب منهم تدمير المخطوطات، لكنهم عادوا ونشروها متبينين أهميتها الأدبية".
وتابع: "بالنسبة لي شخصيًا، أشعر بالارتياح لأنّ الرواية كانت آخر قطعة كتبها غابو. أشعر أنّ أعماله الكاملة لم تكن تكتمل لو لم يتمّ نشرها"، حاسماً التساؤلات بالتأكيد على "أنّها الرواية الأخيرة، ولا توجد أي روايات أخرى مختبئة في أوراق غابو".
وفي تبرير القرار الذي اتخذه وشقيقه، قال: "لم يكن والدي في وضع يسمح له بالحكم على عمله لأنّه كان يرى فقط العيوب وليس الأشياء المثيرة للاهتمام. عندما قرأنا النص من جديد لم نجده كارثيًا كما حكم عليه غابو، لا بل أنّه كان إضافة قيّمة لعمله لأنّه أظهر جانبًا جديدًا وفريدًا من كتاباته"، جازماً بأنّ "الكتاب كان قد اكتمل، ولم يكن علينا القيام بالكثير من التحرير. لا توجد إضافات، ولا تغييرات كبيرة. لذلك لم يكن هناك أي نقاش. فكّرنا في الأمر لمدة ثلاث ثوانٍ تقريبًا، هل كان ذلك يمثل خيانة لوالدي، أو لرغباته؟ قرّرنا، نعم، إنّها خيانة. ولكن لذلك وجد الأبناء!".
من جهته، أكّد كريستوبال بيرا، محرّر النسخة النهائية من الرواية "انّ التحدّي الأكبر في تحرير الرواية هو إبداء الاحترام المطلق لعمل غابرييل غارسيا ماركيز. وهي مهمّة ذات مسؤولية هائلة، ولكن لم يكن عليّ أن أضيف كلمة واحدة بالطبع".
والجدير ذكره أنّ بيرا كان محرّرًا لغارسيا ماركيز منذ عام 2001 ولعب دورًا في تشجيعه على إتمام هذه الرواية تحديداً. وقد عمل بيرا على المسودة الخامسة التي كانت تحتوي على ملاحظات مكتوبة بخط اليد لغارسيا ماركيز في الهوامش، مع التغييرات والاقتراحات. وقال: "كان عليّ فقط اتباع التعليقات التي تركها لاتخاذ القرار، على سبيل المثال، بحذف عبارة ما".
ويتذكر المحرر أنّه في مقابلة أجراها غابرييل غارسيا ماركيز في مدريد، قرأ الفصل الأول من رواية "إلى اللقاء في أغسطس" علنًا، وقال إنّه يكتب سلسلة من الروايات القصيرة حول الحب في منتصف العمر. وكانت هذه الرواية جزءًا من مشروع سردي يشمل "الحب وشياطين أخرى" وكتابات أخرى.
وكان غارسيا ماركيز وصل إلى الصدارة العالمية كمؤلف لروايات مبهرة بما في ذلك مائة عام من العزلة (1967)، وخريف البطريرك (1975)، والحب في زمن الكوليرا (1985). ويُنظر إليه على نطاق واسع على أنّه أحد أكثر كتّاب الواقعية السحرية تأثيرًا، حيث تمتزج العناصر الخيالية والخارقة للطبيعة مع استحضارات الحياة اليومية.
في مائة عام من العزلة على وجه الخصوص، اعتمد على نشأته في بلدة أراكاتاكا الريفية، والتي تمّ تصويرها على أنّها ماكوندو، مستمداً تفاصيل بلدته وطباع سكانها بدقة. وفي رواية عاصفة الأوراق لعام 1955، ركّز على تاريخ أجداده الذين عاش معهم مذ كان طفلاً صغيراً. كان جده، العقيد نيكولاس ماركيز ميخيا، من قدامى المحاربين في حرب الألف يوم، بحيث قاتل بين عامي 1899 و1902، وكان ليبراليًا ملتزمًا مما ترك تأثيرًا كبيرًا على التفكير السياسي لحفيده.
بعد أن بدأ حياته المهنية كصحفي، قضى غارسيا ماركيز معظم حياته خارج كولومبيا، في باريس وبرشلونة ومكسيكو سيتي، كما عاش في قصر في هافانا قدّمه له فيدل كاسترو، الذي جمعته به علاقة صداقة. لكنه طوال الوقت، حافظ على روابط وثيقة مع كولومبيا تغلغلت إلى كتاباته حتى روايته الأخيرة.
قوبل نشر كتاب "إلى اللقاء في أغسطس" بالكثير من الإثارة وردود الفعل السعيدة. عن هذه الخطوة، قال الروائي كولوم ماكان: "يا لها من متعة، الايمان بأنّه لا تزال هنالك أشياء يجب اكتشافها في هذا العالم. كنت سأمشي 500 ميل للوصول إلى كتاب جديد لماركيز مع كل ما يحمله الأمر من مشقات. الأمر يشبه اكتشاف الجليد في نهاية رحلة طويلة. ماركيز كاتب محبوب وضروري في آن، إنّه مزيج نادر في عالم الأدب".
مستذكرًا تجربته الأولى مع ماركيز عندما قرأ قصته القصيرة "أجمل رجل غريق في العالم"، قال: "آنذاك تفتّحت اللغة أمامي. وبطبيعة الحال، في كل مرّة تدخل فيها إلى كتاب لماركيز، ستعثر على ما هو جديد، حتى لو كنت قد قرأته لأربع أو خمس مرات سابقة. ولكن أن تكتشف شيئًا جديداً وكتاباً له ينشر لأول مرة لهو أمر نادر ومثير".
من جهته، تحدث الكاتب بيكو آير أيضًا عن تأثير غارسيا ماركيز على الكتّاب والقراء معاً في المشهد الأدبي المتغيّر، فقال: "أعتقد أنّ جزءًا من الثورة التي أحدثها غارسيا ماركيز كان توسيع إحساسنا بالواقعية، ومساعدتنا لنشمل تلك الأجزاء الأقل شهرة في العالم لتكون في مركز الكون الأدبي".
وتابع: "كان غارسيا ماركيز واحدًا من الأوائل، في عصرنا العالمي المتغير، الذين رأوا أن الأخبار القادمة من أركان بعيدة من العالم قد تكون آسرة، لا بل سحرية، لأولئك الموجودين في لندن أو نيويورك"، مضيفاً بأنّ مساهمة غارسيا ماركيز في الأدب خلقت مساحة قيّمة للكتّاب اللاحقين مثل سلمان رشدي وأبراهام فيرغيز، للكتابة عن مجتمعات ومناطق بعيدة لكنها مثيرة للاهتمام، لذلك قد يكون الكاتب الكولومبي الحائز على جائزة نوبل عام 1982 الأكثر تأثيرًا على الأدب في العقود الأخيرة بلا منازع.
نبض