جورجي غوسبودينوف الحائز "بوكر العالميّة" يرى الأدب ضرورياً لبقاء المجتمعات
"يمكن للذكريات أن تصبح فخًا محكماً، أو سمّاً بطيئا يشعرك بالارتياح في البداية، إلى أن يأتي وقت لا تستطيع فيه الخروج من الماضي".
هذا ما يقوله الكاتب البلغاري جورجي غوسبودينوف، الحائز جائزة البوكر الدولية لعام 2023، في معرض حديثه عن كتابه الفائز "ملجأ الوقت".
"يمكن للذكريات أن تصبح فخاً محكماً، أو سماً بطيئاً يشعرك بالارتياح في البداية، إلى أن يأتي وقت لا تستطيع فيه الخروج من الماضي".
هذا ما يقوله الكاتب البلغاري جورجي غوسبودينوف، الحائز جائزة البوكر الدولية لعام 2023، في معرض حديثه عن كتابه الفائز "ملجأ الوقت".
من وجهة نظره الصارمة، من المهم جداً كتابة القصص وروايتها، "فالقصص المكتوبة والمرويّة ضرورة للحفاظ على المجتمعات"، لكن ذلك لم يمنعه من أن ينشغل في كتاباته بأحداث الزمن الحاضر، إذ لا يمكنه تجاهل "خوف الأمم من الأزمات ومما يخبئه لها الزمن".
هذا بالتحديد ما أراد الإضاءة عليه في كتابه؛ حيث الحبكة الرئيسة تتمثل في أنّ جميع الدول الأوروبية خائفة من مستقبلها بينما لا تزال تختار العيش في ماضيها، تماماً كما لو أنها تعاني مرضاً نفسياً مزمناً.
طوابق الذكريات
اختار غوسبودينوف طبيباً نفسياً ليكون الشخصية الرئيسة في "ملجأ الوقت". في البداية، يفتتح الطبيب غاوستكي، عيادة للأشخاص الذين يعانون مرض الزهايمر في سويسرا، يضم كل طابق منها عقداً من الذكريات حيث بإمكان المرضى زيارة طوابق مختلفة والعيش من جديد في العقود الماضية من حياتهم. يحاول الطبيب علاج مرضاه عن طريق إعادة ابتكار مشاهد من ماضيهم.
في الرواية، يمكن للمتأثرين بالنسيان، سواء بسبب الزهايمر أو الخرف، أن يعيشوا في ماضٍ مريح. وقد حققت الفكرة نجاحاً كبيراً لدرجة أن الأشخاص الأصحاء باتوا يطالبون أيضاً بالعيش في الماضي، ما تجاوز حدود العيادة وقدرتها على استعياب المرضى. فسرعان ما تمت إعادة تشكيل البلدات والمدن وحتى البلدان بأكملها، بحيث يمكن للسكان العيش في عصر آخر.
لاحقاً، يتم إجراء استفتاء في أوروبا لاختيار العقد الذي ترغب كل دولة بالعودة إليه والعيش مجدداً في ذكرياته. وينتهي هذا الأمر بالتسبب في شكل جديد من الصراع العالمي.
عن ذلك، يوضح غوسبودينوف: "في الجزء الثاني من الكتاب، يبرز خطر الماضي إلى الواجهة. فكل دولة تريد أن تعيش في الماضي، وهنا يبدأ الناس بفقدان ذكرياتهم المتبقية".
وكان الكاتب والأستاذ الجامعي قد بدأ بتأليف كتابه الحائز جوائز والذي يبحث في الماضي والحاضر والمستقبل غير المؤكد، عندما تم انتخاب دونالد ترامب رئيساً للولايات المتحدة، وبينما كانت بريطانيا تمر باضطرابات بشأن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.
أما عن تركيزه على عامل الوقت وهو ما يظهر في العنوان، فأشار الكاتب إلى أن "الموت ليس مأساة كبيرة... المأساة الكبرى التي لا يكتب عنها كثيرون هي عملية التقدم في السن. لهذا السبب أنا في حوار مستمر مع الوقت، أعتقد أنه من خلال سردنا للأشياء، فإننا نبطئها. الوقت يتشتت إذا بدأنا بإخباره بشيء ما".
ولطالما كان غوسبودينوف مهووساً بالوقت حتى أنه كان في سن العاشرة عندما بدأ يكتب قصائد عن التقدم في السن، ليوبخه كبار العائلة بالقول إن طفلاً صغيراً مثله لا ينبغي أن يشغل عقله بأشياء كهذه، ليردّ: "لكن الأطفال مهتمون بالموت".

الأدب يخلق الذكريات
وفي مناقشة الحقائق السياسية لأوروبا، وخاصة أوروبا الشرقية، قال الكاتب المقيم في صوفيا: "لم يعد العالم بأكمله مكاناً جيداً للعيش فيه. لكننا نعيش، ونعيش في الماضي، وهو ليس أمراً جيداً"، لافتاً إلى "أن الحياة اليومية في أوروبا تغيرت مع الحرب على أوكرانيا. إذ قيل لنا بعد الحرب العالمية الثانية إن الحرب مستحيلة. ولهذا السبب كانت رؤية هذه الحرب صادمة جداً".
وأكد أنه "من المهم جداً كتابة القصص وروايتها. عليك أن تقرأ عن هذا الجزء من العالم لتعرفه. الجميع يكتب عن الاقتصاد والسياسة بشكل أوسع وأكبر، ولكن يجب أن نتحدث أكثر عن القصص والكتب والحكايات المروية المتداولة بين الناس".
أما عما نراه من نزوح لأعداد كبيرة من الناس ومعاناتهم في ظل تأثير الحرب المستمرة على أوكرانيا والحرب الإسرائيلية على غزة، فقال الكاتب "إن الأدب يخلق الذكريات والتعاطف ويمكن أن يساعد البشر على مواجهة الروايات الكاذبة والدعاية التي تخلقها السياسة"، وتابع: "إذا نجا العالم، فإن مستقبل الأدب سيكون جيداً. إن سرد القصص وسماعها هو وسيلة شفاء بحد ذاتها، لذلك من المهم جداً الاستمرار في الاستماع إلى القصص وكتابتها. والأهم من ذلك هو سماع قصص الآخرين. لسوء الحظ، السياسة مهمة ولكن حياة الناس أكثر أهمية".
وتحدث غوسبودينوف، المولود في يامبول في بلغاريا، في عام 1968، كيف أن ذكريات طفولته، وسنوات تكوينه من سن الثالثة إلى الثانية عشرة، قادته إلى أن يصبح كاتباً.
"في هذا العمر ينشأ الشعور بالتعاطف مع الآخرين، في هذا العمر تسمع قصصاً عن أشياء مختلفة، عن الكلاب والقطط والزهور والأشجار وما إلى ذلك. وهذا مستوى مختلف من التواصل مع العالم. بعد ذلك عندما تكبر تنسى هذا النوع من التواصل، أو هذه اللغة. لذلك أخبر طلابي عن أهمية أن يبقي الكاتب الطفل حيّا بداخله وأن يستمع إلى قصص الآخرين. فعندما يمر المجتمع والسياسة بمرحلة انتقالية، تزداد المسؤولية على عاتق الكاتب. كل قصصي تدور حول الأشخاص الذين هم على الجانب الأضعف من الحدث. هناك مؤرخون يروون قصص الفائزين لكن الكاتب يكتب قصص المهزومين كذلك".

وبالفعل، غالباً ما يسلط غوسبودينوف الضوء في رواياته على المستضعفين. ورغم أنه لم يعرف ككاتب عالمي قبل فوز روايته بالبوكر، إلا أنه كرس اسمه محلياً كأحد أهم الكتاب البلغاريين منذ صدور روايته الأولى بعنوان "رواية طبيعية" وفيها يتكشف حياة كاتب شاب في بلغاريا ما بعد الشيوعية.
حتى أن روايته التالية "فيزياء الحزن" نفدت من المكتبات يوم صدورها. وهي رواية تتحدث عن كيفية انتشار الحزن في أوروبا والعالم، وكيف تؤثر الحرب على الناس. وجاءت كرد من الكاتب على مقالة نشرت في "الإيكونومست" يصف بلغاريا بأنها "المكان الأكثر حزناً في العالم". إذ اعتبر غوسبودينوف أنه "إذا تحدثت عن الحزن، يصبح الأمر أكثر إشراقاً ولو قليلاً".
وراوي "فيزياء الحزن" هو رجل في منتصف العمر يدعى أيضاً جورجي غوسبودينوف، لكنه ليس المؤلف، وقد وُلد بما يوصف بـ"متلازمة الوسواس التعاطفي الجسدي"، وهي محنة تسمح له بالتعبير عن نفسه ليرسخ نفسه في عقول الآخرين وذكرياتهم.
ويوظف الكاتب في هذه الرواية تقنية ماكرة تطرح نقطة فلسفية حول الخط الرفيع بين الذاكرة والخيال، معتبراً أن "ما لم يُحكَ، يشبه تماماً ما لم يحدث، ويملك كل الاحتمالات والاختلافات التي لا حصر لها حول كيفية حدوثه أو الحديث عنه".
أما في كتابه "قصة مهرّب"، فينظر غوسبودينوف في كيفية اشتراك المهربين والكتاب والمترجمين، على اختلاف مهناتهم، في نقل كل ما قد يكون مرغوباً أو ذا قيمة أو مفقوداً أو مكبوتاً أو محظوراً.
عن رواياته الثلاث، يقول غوسبودينوف: "رواياتي الثلاث غريبة، غير متسلسلة… ليست كالقطار الذي ينطلق من النقطة أ ليصل إلى النقطة ب". ويضيف: "في رواياتي الكثير من الأزقة. وفي بعض الأحيان، أتوقف في أحد تلك الأزقة وأبدأ بالحديث مع القارئ!".
يذكر أنه إلى جانب جائزة البوكر الدولية، فازت الترجمة الإيطالية لرواية "ملجأ الوقت" بجائزة "ستريجا الأوروبية" للأدب في إيطاليا. وكانت هذه المرة الأولى التي تُمنح فيها هذه الجائزة المرموقة لكاتب من أوروبا الشرقية.
الأكثر قراءة
لبنان
6/7/2026 8:05:00 PM
الجيش الإسرائيلي يزعم: "تضم الشبكة عدة أنفاق شيدت لاستيعاب مئات المسلحين في الوقت ذاته، وتحتوي على غرف مكوث معدّة للإقامة والقتال لفترات طويلة"...
لبنان
6/6/2026 11:21:00 PM
أهالي بلدة مغدوشة تلقوا اتصالات من الجيش الإسرائيلي تضمنت تحذيراً من وجود عناصر لـ"حزب الله" بين النازحين
حول العالم
6/6/2026 10:49:00 PM
عامل كندي أصبح مليونيراً بين لحظة وأخرى بعدما تلقى اتصالاً أثناء عمله أبلغه بفوزه بجائزة يانصيب تتجاوز 2.4 مليون دولار كندي
فن ومشاهير
6/4/2026 10:40:00 AM
بالتزامن مع عرض الحلقة الأخيرة، شارك أبطال مسلسل "ليل" الجمهور لحظات الوداع وكواليس الأشهر التسعة التي أمضوها في التصوير.
نبض