13-02-2024 | 15:36

قصر الحمراء... ألبوم شعري مُصَوَّر بِنُقُوشٍ عربية باذخة الجمال

يَتَمَتَّعُ قصر الحمراء بخصوصية فريدة، فهو واحد من أشهر المعالم الأثرية في العالم وإنْ لم يغلق باب عجائب الدنيا على سبعٍ لكان هو ثامنها على حد وصف المستشرق الإسباني «إيمليو غارثيا غوميث» في كتابه «أشعار عربية على جدران الحمراء ونوافَيره» ترجمة خالد الريسوني والصادر عن مشروع كلمة في دائرة الثقافة والسياحة بأبوظبي بمقدمة للراحل الدكتور صلاح فضل (1938: 2022) إِبَّان إدارته للمعهد المصري للدراسات الإسلامية بمدريد في ثمانينات القرن الماضي، ذلك الصَّرْح الذي يُعُدُّ أول مؤسسة مصرية وعربية تَحْمِلُ اسم الدراسات الإسلامية بعد الطلاق التاريخي الذي فَصَلَ بين الإسلام وإسبانيا. فأصبح جِسْرًا علميًّا متينًا يصل بين علماء الأندلسيات وبين الباحثين العرب.
قصر الحمراء... ألبوم شعري مُصَوَّر بِنُقُوشٍ عربية باذخة الجمال
Smaller Bigger
 
يَتَمَتَّعُ قصر الحمراء بخصوصية فريدة، فهو واحد من أشهر المعالم الأثرية في العالم وإنْ لم يغلق باب عجائب الدنيا على سبعٍ لكان هو ثامنها على حد وصف المستشرق الإسباني «إيمليو غارثيا غوميث» في كتابه «أشعار عربية على جدران الحمراء ونوافَيره» ترجمة خالد الريسوني والصادر عن مشروع كلمة في دائرة الثقافة والسياحة بأبو ظبي بمقدمة للراحل الدكتور صلاح فضل (1938: 2022)  إِبَّان إدارته للمعهد المصري للدراسات الإسلامية بمدريد في ثمانينات القرن الماضي، ذلك الصَّرْح الذي يُعُدُّ أول مؤسسة مصرية وعربية تَحْمِلُ اسم الدراسات الإسلامية بعد الطلاق التاريخي الذي فَصَلَ بين الإسلام وإسبانيا. فأصبح جِسْرًا علميًّا متينًا يصل بين علماء الأندلسيات وبين الباحثين العرب.
 
مفارقة 
في عام 1952 أَدْرَكَ العالم العبقرية المعمارية لقصر الحمراء مع البيان الذي وَقَّعَه أربعة وعشرون مُهَنْدِسًا معماريًّا إسبانيًّا كشفوا فيه جوانب من الأثر المعماري التي لم تكن مَحَطَّ الانتباه من قَبْلِ، مثل فَنّه القائم على أحجام بسيطة ومنجزة في خطوط أفقية كُبْرَى مَقْطُوعة باتجاه السماء، وبساطته في استخدام المواد الفقيرة، وزخرفته الأصلية الهندسيَّة المجردة، وتصميم الحدائق الفريد والبديع. وَتَوَالَتْ بعد ذلك اكتشافات المُهْتَمِّينَ برصد جوانب متنوعة ومختلفة تُبَيِّن فَرَادَة هذا القصر وقيمته الكبيرة المعمارية، بالإضافة إلى قيمته التاريخية، خاصة أنه القصر الإسلامي الملكي الوحيد من العصور الوسطى وفي تاريخ الإسلام كله الذي وصل إلينا بالكامل.
 وَتْكَمُنُ المفارقة هنا في أن قصر الحمراء هو واحد من أكثر المعالم المعمارية هشاشة أشبه بالديكور المسرحي، يَعْتَمِدُ على القباب المقرنصة والأعمدة الرقيقة؛ لكن من أسباب بقائه وصموده حتى الآن هذه الهشاشة التي جَعَلَتْ من عمليَّةِ ترميمه سهلة على مر العصور على عكس الأبنية الضخمة التي يَصْعُبُ ترميمها حال إصابتها بأي عطب كما أن حَظِيَ بمحبة الحُكَّامِ القشتاليين، خاصة أن غرناطة جرى تسليمها لهم بطريقة سلمية لا حربية وضمَّه هؤلاء الحكَّام إلى قصورهم، وقد كان مثَار إِعْجَابِهم لهندسته المعمارية وجماله المتفرد.
 
 
 
ترجمات عدة
وفي هذا الكِتاب قام المستشرق الإسباني إيمليو غارثيا جوميث (1905: 1995) بجمع وترجمة الأشعار المَنْقُوشة على جدران قصر الحمراء، دون النُّقُوشِ النثْرية سواء أكانت تاريخية أو آيات قرآنية أو مدائح. كما أنه لم يَجْمَع الأبيات الشعرية المنقوشة على المَنْقُولَات. 
وجاءت دراسته مهتمة بالجانب الأدبي لا علاقة لها بالخط العربي ولا بفن النقوش وعلم الآثار. ولم تكن ترجمة جوميث هي الأولى لأشعار قصر الحمراء، حيث يشير إلى مجموعة من التَّرْجَمات السابقة لها، فقد قام مجلس غرناطة منذ وقت مبكر بالتَّكْلِيف بنسخ الكتابات بالحروف القشتالية ووضع ترجمات لها؛ لكن أغلب هذه الترجمات فُقِدَتْ وَبَقِي منها العمل الذي أنجزه ألونسو ديل كاستيو المُورِيسكي الغرناطي بين عامي 1555: 1564م. 
وفي القرنين التاسع عشر والعشرين قُدِّمَتْ لها مجموعة من الترجمات مثلما فعل بابلو لوثانو في كِتَابِهِ «الآثار العربية في إسبانيا» تَرْجَمَ فيه نقوش الحمراء إلى الإسبانية، وكذلك ترجمه لافوينته و أ.ر نيكل ويُعَلِّقُ غارثيا جوميث على مجموعة من الأخطاء والتصحيفات التي لَحِقَتْ بهذه الترجمات، ومن ذلك على سبيل المثال تَرْجَمَتهم للبيت «فيوم علينا ويوم لنا/ ويوم نُساء ويوم نُسَرُّ»، فترجم الشطر الثانية «أحيانًا نِساء وأحيانًا نُسور» وهي ترجمات تكشف عن مدى سوء فَهْم المترجمين للنصِّ الذي ينقلونه إلى لغتهم. وأغلب هذه الأخطاء وسوء النقل نابع من عدم دِرَايَتهم بالعربية ونحوها وعروض الشعر العربي، كما أن أغلب هذه الترجمات كانت تقريبية، وأحيانًا تَقَعُ الأخطاء بسبب فقدان بعض كلمات النقوش، وكثير منها لم يراعِ السياق الذي كُتِبَتْ فيه النصوص.
 
جداريات
وتاريخ نقوش قصر الحمراء، سواء في حد ذاتها أو بسبب الزمن والترميمات التي لَحِقَتْ بها مُعَقَّدة جدًا ومملوءة بالألغاز، خاصة بالنسبة إلى المستشرقين الإسبان الذين فَقَدُوا عَلَاقَتَهم باللغة العربية التي كُتِبَتْ بها هذه الجداريات التي تَمْتَدُّ أواصرها إلى الحضارات الشرقية القديمة التي خرجت من محيطها الحضارة العربية مثل الحضارات المصرية القديمة، والآشورية والأكادية والبابلية والفينيقية، وربما يكون اهتمام المسلمين في الأندلس بالجداريات نابعًا من خَلْفِيَةِ دينية تَرَى أن الإسلام يَحْظُرُ التمثيل التشكيلي للكائنات الحية فَأَحَلَّ الخط مَحَلّ هذه الفنون على جدران القصور والمساجد؛ وإن كان هذا لا يمنع وجود صور لكائنات حيّة على حوائط الحمراء، مثل اللوحة الشهيرة لغرفة ملوك هذا القصر؛ لكن كان جُلّ الاهتمام الفني في الحمراء يَنْصَبُّ على فن الخط العربي الذي يحتوي على تَنْوِيعَات يَنْدُرُ وجودها في أي لغة أخرى، ما يجعله فن قائم بحد ذاته وليس مجرد وسيلة لنقل المعرفة والتدوين فقط، وَيَتَمَتَعُ كل خطٍّ بدلالاته التي تكشف عن شفرات المضمون الذي تَصُوغَه، وهي ما زالت حتى الآن بحاجة إلى دراسات مُوسَّعَة من الباحثين من أجل كَشْفِ أبعادها الجمالية ورؤيتها للعالم. 
وهو ما يلفت إليه إيميليو غارثيا بأن النقوش الشعرية في غرناطة «ظاهرة فريدة وأصبحت من معالم زينة قصر الحمراء وديكوره، يَشْعُرُ الناظرُ إليها بجمالها دون أن يفكر في ما تعبر عنه». ويَفْتَرِضُ غارثيا أن هذه النقوش بسبب طريقة كِتَابَتِها والتوريقات والزّخْرَفات لم تكن مفهومة لدى العامة في زمن كتابتها بل من النُّخْبَةِ المثقفة فقط، يَحْمِيَّهَا جمال الولع الشرقي بالمتاهات والخفايا والأحاجي والألغاز.
 
 

ألبوم مصور
ومن أهم المَعَالِم خصوصية في الحمراء هي جدارياته تلك التي حَوَّلَتْه إلى ما يشبه الألبوم الشعري أو ديوانًا شعريًّا مصورًا كَتَبَ على جدرانه لعقود شعراء مختلفون هم ابن جياب (1274: 1349) وابن الخطيب (1313: 1374) وابن زمرك (1333: 1393)، جمعوا بين الوزارة وممارسة الأدب. 
وتَمتَعَتْ سير هؤلاء الثلاثة بأحداث درامية مثيرة. وتَبَايَنَتْ فيها سمات هؤلاء الشعراء الوزراء أو الوزراء الشعراء. أولهم ابن جياب الذي ولد 1274 وتوفي 1349، وعاصر فيها ستة ملوك، ومع تغير الأسر الحاكمة وتقلبات السياسة العنيفة في هذه الفترة إلا أنه لم يصبه أذى وكان مُقَدَّرًا من الجميع، ومات على سريره، وهو أمر صعب الحدوث في هذه الفترة من تاريخ غرناطة النصرية التي قُتل عدد من ملوكها في مآسٍ مروعة؛ ما يبرز ما لدى ابن جياب من عبقرية سياسية فذة مَكَّنَتْهُ من مراوغة هذه الشدائد، وما يتحلى به من مرونة نادرة وقدرة على التحمل. وهو ما يُحِيلُنَا في هذا الجانب من الدهاء إلى شخصية جوزيف فوشية (1759: 1820) كما رسمها ستيفان زفايغ (1881: 1942) في سيرته عنه أثناء الثورة الفرنسية والتحولات السياسية العنيفة التي مرت بها فرنسا واستطاع النجاة منها. 
أما الشاعر الثاني الذي تَزَيَّنَتْ بأشعاره جدران الحمراء هو لسان الدين بن الخطيب العالم الكبير صاحب الأصول العربية المولود في عام 1313 وخلف أستاذه ابن جياب في الوزارة غير أَنه قُتِلَ على يد تلميذه خنقًا في السجن ونُبِشَ قبره وأُحْرِقَتْ جُثَّتَه عام 1375، فقد كان شديد الاعتداد بنفسه وبعلمه، كَتَبَ أَكثر من 60 عملًا في كل المعارف الدينيَّة والإنسانيَّة والطبيَّة والتأريخ الذي يُعَدُّ واحدًا من مصادر قوته فقد كان آخر مُمَثِّلٍ عظيم لجنس الكتابة التاريخية في الأندلس. لكنه في الجانب السياسي لم يكن بحنكة أستاذه ابن جياب.
وثالث الشعراء الذي نُوقِشَتْ أشعارهم على قصر الحمراء هو ابن زمرك المولود في غرناطة عام 1333م  وخَلَفَ ابن الخطيب في الوزارة بعد هروب الأخير إلى مدينة فاس المغربية، وَعِمِلَ ابن زمرك بقوة على تسليم مُعَلِّمه الهارب وما إن ظَفَرَ به قَتَلَهُ خَنْقًا في السجن؛ لكنه في عام 1393 قُتِلَ ابن زمرك نفسه من أتباع السلطان الجديد لغرناطة الذين هَجَمُوا على بَيْتِه وقتلوه وهو يقرأ القرآن مع أبنائه وخدمه، قاموا بقتلهم جميعًا انتقامًا منه على قتله لابن الخطيب.
 
 

قيمة الأشعار الأدبية
يرى إيمليو غارثيا في مقدمة كِتَابِه أن نقوش قصر الحمراء لا تَتَمَتَّعُ بقيمة شعرية عالية، فقيمة هذه النقوش الأعلى من وجهة نظره في شكلها الجمالي بعيدًا من المضمون الذي تعبر عنه، مشيرًا إلى أن الشعر العربي الأندلسي البديع كان يَحْتَضِرُ في هذه الفترة مُتْعَبًا من تَوَالِي القرون، وقد صار عبارة عن نفاخة تطفو في الهواء ربما بلا أي جهة؛ لكنه بَقِي مملوءًا بالحساسية، زاخرًا ومتوترًا بالصور والعطور والموسيقى.
 وقد أحصى غارثيا في كتابه و31 مقطوعة شعرية، في نحو 205 أبيات على قصر الحمراء مُعْظَمِهَا أشعار دُنْيَوِية منقوشة على الرخام والجصِّ والخشب يصل أَطْوَلُهَا إلى 24 بيتًا، والمتوسط بين 4: 8 أبيات وأقلَّهَا بيت واحد. وقام بترتب هذه القصائد على حسب الأماكن الموجودة فيها، من قصائد مكتوبة على المِشوَر وقاعة قمارش، وقصائد فناء الأسود، وقصائد الأبراج وجنة العريف. وأغلب هذه النصوص كُتِبَتْ بالفصحى وقليل منها مزج بين العامية والفصحى. 
وَتَعَدَّدَتْ أساليب الشعراء البلاغية في هذه المقطوعات بعضها يتحدث فيها الشاعر بطريقة غير مباشرة ويصف بموضوعية المكان الذي يقع فيه النقش. وأخرى يَمْدَحُ فيها الشاعرُ الملكَ الذي بَنَى هذه الأماكن، وثالثة يَجْعَلُ فيها الشاعر الحديث على لسان الشيء الموصوف، حيث يقوم بأنسنة الجماد الذي يُخَاطِبُ الناطر إليه مُفْتَخِرًا بجماله وجودة صنعته. وتشتمل نهاية هذه الأبيات عادة على مَدْحٍ للملك، ويَنْصَبُّ المديح على السُّلالة النَّصْرِية لسعد بن عبادة (ت:635) أحد الأنصار وصحابة الرسول.
إيميليو غارثيا غوميث (1905: 1995) واحد من أكبر المُسْتَعْرِبِينَ الإسبان، دَرَسَ في مدريد بقسم اللغة العربية، وَحَصَلَ على منح لدراسة المخطوطات في مصر وسوريا والعراق، وأَكْمَلَ أبحاثه في جامعتي القاهرة وبغداد، شَغَلَ مَنْصِبَ كرسي العربية بجامعة غرناطة حتى عام 1935م، تَرْجَمَ العديد من الأعمال العربية المعاصرة إلى الإسبانية مثل «الأيام» لطه حسين (1889: 1973)، «يوميات نائب في الأرياف» لتوفيق الحكيم (1898: 1987)، ومن التُّرَاثِ «طَوْقُ الحَمَامَةِ» لابن حزم (994: 1064م) وحصل على أكثر من سبع عشرة جائزة.
 

الأكثر قراءة

اقتصاد وأعمال 4/3/2026 6:20:00 AM
"النهار" تلقي الضوء على تفاصيل المشروعات السورية الخمسة لربط الخليج بالبحر المتوسط وأوروبا، وأهميتها والتكلفة الاستثمارية لها، والتحديات التي تواجه هذه المشروعات، والعائد الاقتصادي لهذه المشروعات سواء على الاقتصاد السوري أو على اقتصادات الخليج
النهار تتحقق 4/4/2026 11:36:00 AM
تظهر الصورة رجلاً معصوب العينين، مقيداً بكرسي يشبه قفصاً، في غرفة رفع فيها العلم الايراني.
اسرائيليات 4/2/2026 6:02:00 PM
ظاهرة لافتة في تل أبيب تمثّلت في تحليق كثيف لأسراب الغربان، بالتزامن مع استمرار الحرب والهجمات الصاروخية
اسرائيليات 4/3/2026 9:21:00 AM
الجيش الإسرائيلي: مخطط لإطلاق صاروخ مضاد للدروع نحو أراضي دولة إسرائيل