01-02-2024 | 19:31

تنتصر للدّماء وللجَمال... القصيدة الفلسطينية في معترك التفجير والتجديد

تبدو عبارة الشاعر الفلسطيني مهيب البرغوثي "حين تنتهي الحربُ، سيكون وقتٌ للغناء" بمثابة عنوان دال على طبيعة القصيدة الفلسطينية، التي تبقى دائماً حالة شعرية خاصة، بمنطلقاتها وركائزها ومضمونها وظواهرها الجمالية.
تنتصر للدّماء وللجَمال... القصيدة الفلسطينية في معترك التفجير والتجديد
Smaller Bigger

تبدو عبارة الشاعر الفلسطيني مهيب البرغوثي "حين تنتهي الحربُ، سيكون وقتٌ للغناء" بمثابة عنوان دال إلى طبيعة القصيدة الفلسطينية، التي تبقى دائماً حالة شعرية خاصة، بمنطلقاتها وركائزها ومضمونها وظواهرها الجمالية.

ولا تنفصل القصيدة الفلسطينية بالتأكيد عن ذلك الحراك الحيوي الذي أحدثته القصيدة العربية المعاصرة في منجزها الأخير والراهن، لا سيما الموجات المتتالية من أجيال قصيدة النثر ومُصوّري المشاهد اليومية والتفاصيل واللقطات الحياتية والإنسانية الدقيقة.

ولكن النص الشعري الفلسطيني، مع ذلك، يحتفظ في الآن ذاته بملامحه المتفردة وبصماته النوعية المميزة، وخلاياه التفاعلية الضوئية، التي تشحنه بطابعه الاشتعالي، وتكسبه أيضاً توهجه الجمالي الأخّاذ.

 

 

مساران أساسيان

هناك مساران أساسيان يمكن تحديدهما بوضوح، تنطلق فيهما معاً هذه القصيدة الفلسطينية الناضجة في مراحلها الزمنية المتلاحقة، منذ منتصف القرن الماضي، وصولاً إلى أحدث تمثلاتها في النصوص الفلسطينية الجديدة، المنشورة منذ فترة وجيزة؛ بعد شن الحرب الأخيرة على غزة في أكتوبر/تشرين الأول 2023.

يُفضي المسار الأول إلى انتصار القصيدة للإبداع والأبجديات التعبيرية والجماليات المجردة، بمعنى الحرص المتواصل على خوض معترك التجديد الأسلوبي، ومواكبة حلقات التطور المستمرة في مسيرة الكتابة الشعرية العربية والعالمية على السواء.

أما المسار الثاني، فإنه يُفضي إلى تحقيق شروط أخرى لا غنى عنها للقصيدة الفلسطينية، وهي تلك الشروط التي تقرن هذه القصيدة بالقضية والأرض والهوية والحرب والصراع والمقاومة والتمسك بالحقوق والتشبث بالأمل حتى آخر قطرة دم.

ويعني ذلك، قدرة القصيدة الدائمة على خوض معترك التمرد والتثوير والتفجير الحقيقي، بالبارود، توازياً مع آليات التمرد والتثوير والتفجير المجازية التي يتيحها المسار الأول على الصعيد الفني.

وإذا كانت قصيدة النثر العربية، في عمومها، تلقى أحياناً بعض الاتهامات، من قبيل أنها مغلقة على ذاتها، ومستغرقة في عزلتها، وموغلة في جسدانيتها، ولا تنشغل بالهم الجمعي والشأن العام والمشترك الإنساني، فإن قصيدة النثر الفلسطينية قد تمكنت ببساطة من النجاة من هذه الانتقادات جميعاً، على نحو تلقائي.

وقد تأتى لها ذلك، لأن المسار الثاني يمنحها، على طول الخط، روحها النضالية الخلاقة، ويلصقها بالجرح الفلسطيني المفتوح النازف، الذي هو قضية العرب المركزية الكبرى منذ ستة وسبعين عاماً، والشغل الشاغل لجهود الأمتين العربية والإسلامية في سائر أرجاء المعمورة.

 

 

مقوّمات مغايرة

وبالرجوع إلى قصيدة الشاعر الفلسطيني مهيب البرغوثي النثرية الجديدة "حين تنتهي الحرب"، المنشورة في عدد خاص بعنوان "اسمها فلسطين" من مجلة "إبداع" المصرية (ديسمبر/ كانون الأول 2023)، يتبدى جلياً ذلك الاختلاف البيّن بين الشاعر الفلسطيني (والإنسان الفلسطيني عموماً) وغيره من البشر، وهو اختلاف يجعل كل شيء حتى البكاء مستعصياً على الفلسطيني في ظل أزمته المصيرية "حين تنتهي هذه الحرب اللعينة، سيكون لي وقت للبكاء، وانتظار رحيلكِ".

وبدورها، فإن الشاعرة الفلسطينية مايا أبو الحيّات في قصيدتها النثرية الجديدة "الدماء الناشفة في عروقنا لا تجعلنا نسمع ما تسمعون" تكاد تبلور هذه المقوّمات المغايرة للنص الفلسطيني، التي هي أضلاع حياة مغايرة ومختلفة بالكامل، بكل تداعياتها المأساوية وكوابيسها السوداء "القيود في أعناقنا، لا تجعلنا نشعر بما تشعرون. لقد انتشلنا أطفالنا، من أسفل العمارات، وحاولنا تركيب رؤوسهم لتصبح الجثث كاملة. الرماد في عيوننا لا يجعلنا نرى ما ترون".

 
 

ومن جهته، يمضي الشاعر الفلسطيني خالد جمعة في قصيدته "لم يأتِ أحد"، التي تضمّنها كتاب "ما قالته غزة"، الصادر عن دار "ميريت" للنشر في القاهرة في ديسمبر/كانون الأول 2023، صوب إبراز سمات الاختلاف في تراب غزة ذاتها، التي لا تعرف الاستسلام "غزة تعتني بحديقتها. لا يجوز أن يأتي العاشق، ويرى العشب مهروساً تحت أقدام الغرباء، أو يرى وردة تذوي على غصنها".

 

 

الوعي والتحولات

إن وعي القصيدة الفلسطينية بخصوصية بطوليتها ومحورية قضيتها الأم، يأتي غير متعارض مع سعيها اللاهث إلى الإمساك بالتحولات الجذرية، التي طرأت على القصيدة العربية الجديدة، على مدار الأجيال المتعاقبة.

ففي وقت سابق، في الفترات التي شهدت عنفوان قصيدة الشعر العربي التفعيلي، وسيادة المنبريات والخطابيات والإنشاديات المقترنة باللهجة الحماسية والقضايا المجتمعية الكبرى مثل القومية العربية والتصدي للقوى الاستعمارية وما إلى ذلك، طوّعت القصيدة الفلسطينية هذه المعطيات الجماهيرية لنشر ثقافة المقاومة والدعوات التحررية وفضح السياسات والممارسات الصهيونية بأعلى نبرة صوت ممكنة.

وشيئاً فشيئاً بدأت القصيدة الفلسطينية في الانسلاخ من تجارب روّادها ورموزها من المؤسسين والأفذاذ، وعلى رأسهم محمود درويش "نيرون مات، ولم تمت روما، بعينيها تقاتل/ وحبوب سنبلة تجفّ، ستملأ الوادي سنابل"، وسميح القاسم "يصيح كل حجر مغتصب، تصرخ كل ساحة من غضب، يضج كل عصب، الموت لا الركوع"، ومريد البرغوثي "أنتِ جميلة كوطن محرّر، وأنا متعب كوطن محتل"، وغيرهم ممن احتفظت القصيدة في نصوصهم بالكثير من حمولاتها التراثية وحصيلتها البيانية، على الرغم مما اعتراها من تطوير في الرؤى والأفكار والتنويعات اللغوية والإيقاعية.

 

 

معالجات جريئة

ومع الموجات الأحدث من قصيدة التفعيلة، ثم قصيدة النثر بتشكلاتها وتياراتها الحالية، انخرطت القصيدة الفلسطينية الجديدة في معالجات جريئة ومقتحمة ومنفلتة، تتوخى إحداث حالة التمرد والثورية والتفجير على مستوى البنية الخاصة بالقصيدة ذاتها، بكل مفرداتها وعناصرها المكوّنة.

ويعني ذلك أن قصيدة التحرر الفلسطينية الجديدة هي تلك التي تحقق التحرر فعليًّا، من داخلها، وليست التي تكتفي بالدعوة إلى الحرية بكلماتها التي قد تكون مقيّدة ورتيبة ومحاصرة بالمعطيات الماضوية والأخيلة المكرورة.

وتراهن مثل هذه النماذج المبتكرة من النصوص الشعرية الفلسطينية على المباغتة والإدهاش، وتحطيم الأنساق والأطر، ونسف أفق التوقعات لدى المتلقي، واستحداث رؤى صادمة، وصيغ تعبيرية وتصويرية غير مألوفة، وابتداع موتيفات بصرية وموسيقية غير رتيبة.

يحفل السجل الفلسطيني بعشراء الأسماء الفاعلة في هذا المضمار التجديدي التثويري، من غير أن تنصرف القصيدة عن حسها النضالي وجوهرها كقصيدة حرب ومقاومة بطبيعة الحال. ومن هؤلاء الشعراء المتحققين والمؤثرين: زكريا محمد، غساق زقطان، فخري رطروط، وليد خازندار، علي العامري، المتوكل طه، فاتنة الغرة، بشير شلش، ابتسام أبو سعدة، وغيرهم.

 
 

ومن أحدث هذه التجسدات لقصيدة النثر الفلسطينية، يستعرض الشاعر جواد العقاد، الذي يعيش في غزة، في قصيدته "هل شحذْتِ حقدَكِ جيّداً؟"، ما يمكن أن يكون إجابات عن جدوى الكتابة في هذا الزمن، الذي يقدّس العنف والقتل، ولا يؤمن بالقلم ولا بالكلمة.

ومما يقوله جواد العقاد بشأن قيمة قصيدته التي يظنها فاعلة "كلما شعرتُ بغارة، أمسكُ قلمي وأكتبها. أصنعُ صورة شعرية، لها: دمٌ يفيض نحو السماء، وسوادٌ يقتحم الأرض، بياضٌ كثيفٌ تُفتّح له السماءُ أبوابها. يخيّل لي أن الكتابة تردّ الموت. حين أكتب، أشعر كأنني احتضنتُ أطفال غزة كلهم".

الأكثر قراءة

اقتصاد وأعمال 4/15/2026 2:20:00 PM
تمثّل الاستراتيجية الجديدة "تحوّلًا من مرحلة النمو والتوسع إلى مرحلة تعظيم الأثر الاقتصادي ورفع كفاءة الاستثمارات".
الخليج العربي 4/15/2026 10:00:00 PM
شددت على ضرورة "التزام حكومة جمهورية العراق بوقف ومنع كل الأعمال العدائية الصادرة من أراضيها"...
المشرق-العربي 4/16/2026 10:53:00 AM
تم خلال العملية ضبط ومصادرة أسلحة حربية وذخائر وجعب عسكرية كانت بحوزة أفراد الخلية
شمال إفريقيا 4/16/2026 10:47:00 AM
تصاعد الدور المصري في مفاوضات إيران يطرح احتمال تحوّل القاهرة من وسيط تقليدي إلى شريك فعلي في صياغة التسوية.