25-01-2024 | 14:23

كيف يدرس النقد العربي الرّواية بمنظار "ما بعد الاستعمار"؟

كيف يَدرُس النقد العربي الرّواية بمنظار"ما بعد الاستعمار" عرفت مدونة الرواية العربية أبحاثا نقدية عديدة موزعة بين جميع البيئات العربية المنتجة، والمصرية خاصة، حيث تفتّح الجنس الروائي ونما وتراكم بكمِّ ونوع أخصب، فشُرع عندئذ في توصيفه وتصنيفه وقراءته بالتحليل والتقويم في ضوء مناهج ومقاربات نقدية مختلفة، نشأت الرواية وتطورت إجمالاً من محصّلة تكامل وتفاعل متراوح بين الاستمداد من النصوص في أبنيتها الشكلية ومضامينها وعوالمها، وهذه النصوص مقروء في ضوء تأويلات إيديولوجية وسوسيو ثقافية بنت ظروف موضوعية ومشروطة بأوضاع اجتماعية، وكذلك بتأثير مباشر من تيارات فكرية أدبية غربية منتقاة حسب ثقافات وميولات الدارسين والنقاد. عموماً توفرت لنا قراءات نقدية سادت في مرحلة الرواية العربية الموسومة بالواقعية بمناحيها المتنوعة، من الخمسينات إلى السبعينات. ثم تعرف تحولات متتالية في الفهم والتأويل والتصنيف بعد خيبات هزيمة حزيران وانعكاساتها على بنيان المجتمع ونفسيات الكتاب الذين منوا بهزيمة شخصية جامعة وانقلبت أعمالُهم إلى شظايا وشخصيات مأزومة في أعمال تكسرت فيها الواقعية المنسجمة وحدث الشرخ النفسي كلّه ابن "حساسية جديدة" بعبارة إدوار الخراط، إلى شرخ مماثل في المقاربة النقدية، وقد سقط مثال الواقع السابق ولم يزهر البديل. لذلك تقلبت بين مناهج مختلفة انطباعية وبنيوية تكوينية، ثم في المجال الجامعي المغاربي خاصة تبلورت قراءة السرد التخييلي بتمارين وتطبيقات لمناهج تفكيك وتحليل النصوص في الدرس الأدبي والنقدي الغربي، الفرنسي تحديدًا، لسانية وبنيوية، وسيميائية، بدءًا من منتصف الستينات، وكنا صداها منذ الثمانينات، إبداعًا وتنظيرًا. في هذه الثمانينات ظهرت في الولايات المتحدة بواكير مدرسة فكرية جديدة سُمّيت تعميمًا بدراسات ما بعد الاستعمار(Postcolonial studies ) موضوعها النقد الثقافي لخطاب ما بعد الحداثة، كان إدوار سعيد(1935ـ 2003) رائدها في كتابه ذائع الصيت عن (الاستشراق) (1978) استمد منطلق نقده الإبستمولوجي من مشيل فوكو ونصين رائدين لفانون وألبير ميمي. يعنينا من هذه المدرسة المتشعبة مقاربتها في المجال الأدبي أو بوصفها نظرية أدبية تضع بيد الناقد أدواتٍ ليستخدمها لتحليل كتابات كتاب المستعمرات السابقة، أي أدب ما بعد الاستعمار، هذا الذي تُعرِّفه البحثة الأديبة السورية شهلا الجيلي بدقة متناهية بأنه: "الأدبُ الذي كتبته الشعوب التي خضعت لتجربة الاستعمار في العصر الحديث، منذ مرحلة استعمارها حتى يومنا هذا أكان ذلك الأدبَ انسجم مع التأثير الاستعماري، وثقافة الاستعمار، وصار هجينًا، أم الأدب الذي رفض ثقافة المستعمر وحاربها". تعريف قدمت به كتابها "الهوية الجمالية للرواية العربية ـ رؤية ما بعد استعمارية" (في طبعته الأخيرة" مجاز" عمّان) ونعده من الأعمال الرّائدة مما صدر في حقل يُعتبر الاشتغال النقدي الأدبي العربي فيه فتيًّا والمنشور في بابه محدودًا نسوق منه كتاب "الرواية العربية وأسئلة الاستعمار" للمغربي إدريس الخضراوي(رؤية 2012). كتاب شهلا العجيلي، أستاذة الأدب العربي الحديث في الجامعة الأميركية (مادبا ـ عمان)، والروائية، أيضا، شامل ومفصّل من حيث شرحُه لمفاهيمِ ومكوّنات نظرية ما بعد الاستعمار الخطابية النقدية، وضمنها المسألة الأدبية تحدّد مداميكها بدراسة موضوع الرواية العربية في علاقتها بالتحولات الاجتماعية الثقافية التي صنعت هويتها الجمالية منذ نشأتها في القرن التاسع عشر إلى الآن. منطلقها: "تقصِّي الخطوات الأولى للمغامرة التي أنتجت الخبرة الجمالية للرواية العربية، عبر دراسة طلائعها، في علاقتها بالنّسق الثقافي وتحوّلاته من النهضة، إلى التنوير، فالحداثة" (15). ما من شك أنه مشروع نظري تحليلي دقيق وطموح في متن درسه ومنهجه، يضع النصوص السردية العربية على محكّ منهجٍ وأدواتٍ مستجدّةٍ يُدرجها في إطار إنتاج سياقٍ وبمفاهيم خطابات ما بعد الاستعمار والأنساق الناظمة له، كأنها تقرأ للمرة الأولى بفهم وتصورات تبعدها عن شروط الجنس الأدبي (الرواية) وفي الوقت بوصفها مغامرة جمالية، هي ذاتها تحيل إلى نسقها الثقافي. في التحليل، فإن ملامح الوعي الجمالي في طلائع الرواية العربية برز من خلال نموذجين: تنويري في شكلها الهجين وهي متنازعةٌ بين قديم السّرد وحديثه والبنيات والرؤية الثاوية تحته؛ وحداثي في شكله المُحاكي للرواية الأوروبية. في الفصل الثاني من الكتاب تعالج الباحثة مفهوم "الأدب العالمي من منظار دراسات ما بعد الاستعمار" باعتبارها دراسات أسهمت في تحقيق عالمية الأدب متجاوِزةً نطاق لغته، ولأنها "تغطي الثقافات التي تأثرت بالعملية الإمبريالية كلها، من لحظة الاستعمار إلى يومنا"(57). وعلى الرغم من نُبل فكرة عالمية الأدب مقوّمةً بمثابة فكرة استعمارية مركزية أوروبيًّا واستقرت في الدراسات المقارنة، استطاعت أوروبا منذ القرن 19 أن تعمِّم بها قيَمها على العالم الثالث، وأنتجت بها مفاهيم نقدية صنفت بها الآداب بين قول استعماري عن الآخر، وآداب العالم الثالث موضوعا للدراسة، والنصوص العالمية. من هنا يرصد البحث توجهين للكتابة العالمية، من قِبل الجهة الاستعمارية تجمعها (الرؤية الأمبريالية). من سماتها: ربط فن الرواية بالعالم التاريخي؛ صناعة التراث؛ فرضُ حالة وصاية؛ التّماهي مع المستعمرين؛ وفرض معيارية واحدة. بينما تتسم نصوص ما بعد الاستعمار بسمات عدة: المحلية المرتبطة بتعيين الزمان والمكان؛ الخصوصية الثقافية باعتبارها من أشكال المقاومة والرفض لمعيارية النسق المسيطر؛ التأكيد على التعددية؛ والتنوع الثقافي لتدمير أحادية النسق الاستعماري المسيطر؛ فالحنين إلى الصفاء المستحيل، انتهاء بالتوزع بين الصفاء والهجنة كردّ فني على تجربة الاستعمار. اتجاهان عالميان لاستجلاء هذه السمات تدرس العجيلي رواية "لا أحد ينام في الإسكندرية" (1996) لإبراهيم عبد المجيد وبحسَبها يبرز فيها اتجاهان ثقافيان عالميان: "عالمية التجربة الاستعمارية وعالمية الرّد الذي تشكله الخصوصية بتيّارَيْ الصفاء والهجنة"(72) ويشخص النص/ سمات: حضور هوية المكان بين الكونية والاستعمارية؛ جدلية السّياقين التاريخي(السردية الكبرى) والتخييلي للرواية؛ أسطرة الثقافة بوصفها آلية دفاعية، وأخيرًا الهُجنة والصفاء. ينكبّ الفصل الثالث (101ـ116) على تفكيك التجربة الاستعمارية روائيًا، بناءً على أطروحتين قوامُهما أن "التجربة الاستعمارية شظّت الهوية القومية، وأنتجت التيارين الثقافيين الرئيسين في الفكر العربي، المعروفين بتيار التأصيل، وتيار التغريب" (102)؛ وأن حياتنا وروايتنا وأفكارنا عن الذات والآخر والقيم الكبرى هي نتاجاتٌ ما بعد استعمارية، مثلُها كذلك مقاومتُنا للاستعمار. للبرهنة يتم اعتماد روايتين مغربيتين: "رجال ظهر المهراز" (2007) وهموم بطة" (2009) تبرزان الخصوصية الثقافية للذات مقابل الاختلاف عن الآخر، وتجليان سماتٍ إقليمية بتكوين هويةٍ سرديةٍ للجماعة باستحضار حكايات تراثية لتفسير الراهن، وحنين إلى الصفاء المستحيل بإحياء ذاكرة محلية واستدعاء مكونات أنتربولوجية، وبحدوث توتّر مع القوة الأمبريالية من خلال إعلاء الرموز الوطنية ، الثقافية والسياسية، والتنديد بأخرى تابعة للآخر وعميلة، أضف التعامل مع فكرة الهُجنة إيجابيًا وثقافة تنويرية واعتناق التحديث دون التغريب. الرواية العربية الجديدة وبما أن طموح شهلا العجيلي كبير فقد دفعت بحثها عن الهوية الجمالية للرواية العربية من منظار رؤية ما بعد الاستعمار ليتعدى الطلائع ومراحل التكوين الروائية والتنوع فنًّا ومواضيع، أي ما يقرب من قرن، إلى زمنية الألفية الثالثة لتبحث عن المسارات الثقافية لمدونة الرواية العربية الجديدة بما طرأ عليها من تغيرات في أسباب نشأة الجنس الأدبي والبنيات التي ينبثق منها والفئات الاجتماعية التي يعبر عنها، وبالطبع في أقمشته اللغوية الأسلوبية وطرائق بنائه. ألفية ثالثة تعرف كثرةً وخصوبة في الإنتاج الروائي إلى درجة بات يتعذّر معها التصنيف النقدي لتعدّد التيارات والمقاربات وتجاورِها قديمِها وحديثِها والأحدث والمخترق للحدود في تجريبية مفتوحة. حدث بعضُه جرّاء اهتزازات البنيات الاجتماعية في الوطن العربي، وانتعاش أصوات الهويات الصغيرة، ودعوات الهوية المنفتحة، على حساب القضايا الروائية الكبرى. وتلخص العجيلي سمات الرواية العربية الألف ثالثية من زاوية منهجها في كونها: نبتة شعبٍ ما بعد استعماري ثقافته هجينة. ومنبثقة من بنية واعية لذاتها وللآخر مما سهل سقوط المحرّم، تحرر الروية من أسئلة الهويات الوطنية والقومية والعرقية الدينية واستغراقها في فكرة الوجود. تعمد الدراسة التي نقرأ لمساءلة هذه التحولات والقضايا إلى رصد ثلاثة نماذج روائية: " فستان فرح"(2012) ذات النزوع الملحمي للمصرية رباب كسّاب موضوعها ثورة 25 يناير 2011؛ و" نَصٌّ هجره أبطاله"(2013) للمصري عبد السلام دينا، ذو النفس الرومانسي والاغترابي. والرواية الثالثة:" 366"(2013) للسوداني أمير تاج السر، ذات النزوع الوجودي. في الفصل الخامس والأخير نقف على أخطر قضية تعيشها مجتمعات وثقافة وآداب ما بعد الاستعمار، موضوع الهوية بل إشكالياتُها وصراعاتُها المتعددة المتضاربة القائمة في أساس نشوء الرواية العربية منذ " حديث عيسى بن هشام" للمويلحي(1907) وصولاً إلى تفكيك القيم القديمة واعتماد مرجعيات ذاتية ومتحولة تحوّل الهوية نفسِها. ليبقى عندنا سؤالان تمنيت لو أن الباحثة طرحتهما : الأول، هل يمكن لمنظار ما بعد الاستعمار أن يستمر وكيف، لقراءة وتقويم الرواية العربية؟ وهل أدواته ومرجعياته الثقافية قادرةٌ وكافيةٌ حقّا لاستجلاء جمالياتها؟
كيف يدرس النقد العربي الرّواية بمنظار "ما بعد الاستعمار"؟
Smaller Bigger
 
عرفت مدونة الرواية العربية أبحاثاً نقدية عديدة موزعة بين جميع البيئات العربية المنتجة، والمصرية خاصة، حيث تفتّح الجنس الروائي ونما وتراكم بكمِّ ونوع أخصب، فشُرع عندئذ في توصيفه وتصنيفه وقراءته بالتحليل والتقويم في ضوء مناهج ومقاربات نقدية مختلفة، 
نشأت الرواية وتطورت إجمالًا من محصّلة تكامل وتفاعل متراوح بين الاستمداد من النصوص في أبنيتها الشكلية ومضامينها وعوالمها، وهذه النصوص مقروءة في ضوء تأويلات أيديولوجية وسوسيوثقافية بنْت ظروف موضوعية ومشروطة بأوضاع اجتماعية، وكذلك بتأثير مباشر من تيارات فكرية أدبية غربية منتقاة حسب ثقافات وميولات الدارسين والنقاد. 
عموماً توفرت لنا قراءات نقدية سادت في مرحلة الرواية العربية الموسومة بالواقعية بمناحيها المتنوعة، من الخمسينات إلى السبعينات. 
ثم تعرف تحولات متتالية في الفهم والتأويل والتصنيف بعد خيبات هزيمة حزيران وانعكاساتها على بنيان المجتمع ونفسيات الكتاب الذين مُنوا بهزيمة شخصية جامعة، وانقلبت أعمالُهم إلى شظايا وشخصيات مأزومة في أعمال تكسرت فيها الواقعية المنسجمة، وحدث الشرخ النفسي كلّه ابن "حساسية جديدة" بعبارة إدوار الخراط، إلى شرخ مماثل في المقاربة النقدية، وقد سقط مثال الواقع السابق ولم يزهر البديل. 
لذلك تقلبت بين مناهج مختلفة انطباعية وبنيوية تكوينية، ثم في المجال الجامعي المغاربي خاصة تبلورت قراءة السرد التخييلي بتمارين وتطبيقات لمناهج تفكيك وتحليل النصوص في الدرس الأدبي والنقدي الغربي، الفرنسي تحديدًا، لسانية وبنيوية، وسيميائية، بدءًا من منتصف الستينات، وكنا صداها منذ الثمانينات، إبداعًا وتنظيرًا.    
في هذه الثمانينات ظهرت في الولايات المتحدة بواكير مدرسة فكرية جديدة سُمّيت تعميمًا بدراسات ما بعد الاستعمار(Postcolonial studies ) موضوعها النقد الثقافي لخطاب ما بعد الحداثة، كان إدوار سعيد (1935ـ 2003) رائدها في كتابه الذائع الصيت عن (الاستشراق) (1978) استمد منطلق نقده الإبستمولوجي من مشيل فوكو ونصين رائدين لفانون وألبير ميمي. يعنينا من هذه المدرسة المتشعبة مقاربتها في المجال الأدبي أو بوصفها نظرية أدبية تضع بيد الناقد أدواتٍ ليستخدمها لتحليل كتابات كتاب المستعمرات السابقة، أي أدب ما بعد الاستعمار، هذا الذي تُعرِّفه البحثة الأديبة السورية شهلا الجيلي بدقة متناهية بأنه: "الأدبُ الذي كتبته الشعوب التي خضعت لتجربة الاستعمار في العصر الحديث، منذ مرحلة استعمارها حتى يومنا هذا، أكان ذلك الأدبَ انسجم مع التأثير الاستعماري، وثقافة الاستعمار، وصار هجينًا، أم الأدب الذي رفض ثقافة المستعمر وحاربها". 
تعريف قدمت به كتابها "الهوية الجمالية للرواية العربية ـ رؤية ما بعد استعمارية" (في طبعته الأخيرة "مجاز" عمّان) ونعده من الأعمال الرّائدة مما صدر في حقل يُعتبر الاشتغال النقدي الأدبي العربي فيه فتيًّا والمنشور في بابه محدودًا نسوق منه كتاب "الرواية العربية وأسئلة الاستعمار" للمغربي إدريس الخضراوي (رؤية 2012).
 
 
 
كتاب شهلا العجيلي، أستاذة الأدب العربي الحديث في الجامعة الأميركية (مادبا ـ عمان)، والروائية، أيضًا، شامل ومفصّل من حيث شرحُه لمفاهيمِ ومكوّنات نظرية ما بعد الاستعمار الخطابية النقدية، وضمنها المسألة الأدبية تحدّد مداميكها بدراسة موضوع الرواية العربية في علاقتها بالتحولات الاجتماعية الثقافية التي صنعت هويتها الجمالية منذ نشأتها في القرن التاسع عشر إلى الآن. 
منطلقها: "تقصِّي الخطوات الأولى للمغامرة التي أنتجت الخبرة الجمالية للرواية العربية، عبر دراسة طلائعها، في علاقتها بالنّسق الثقافي وتحوّلاته من النهضة، إلى التنوير، فالحداثة" (15). 
ما من شك أنه مشروع نظري تحليلي دقيق وطموح في متن درسه ومنهجه، يضع النصوص السردية العربية على محكّ منهجٍ وأدواتٍ مستجدّةٍ يُدرجها في إطار إنتاج سياقٍ وبمفاهيم خطابات ما بعد الاستعمار والأنساق الناظمة له، كأنها تقرأ للمرة الأولى بفهم وتصورات تبعدها من شروط الجنس الأدبي (الرواية) وفي الوقت بوصفها مغامرة جمالية، هي ذاتها تحيل إلى نسقها الثقافي. في التحليل، فإن ملامح الوعي الجمالي في طلائع الرواية العربية برز من خلال نموذجين: تنويري في شكلها الهجين وهي متنازعةٌ بين قديم السّرد وحديثه والبنيات والرؤية الثاوية تحته؛ وحداثي في شكله المُحاكي للرواية الأوروبية.     
في الفصل الثاني من الكتاب تعالج الباحثة مفهوم "الأدب العالمي من منظار دراسات ما بعد الاستعمار" باعتبارها دراسات أسهمت في تحقيق عالمية الأدب متجاوِزةً نطاق لغته، ولأنها "تغطي الثقافات التي تأثرت بالعملية الإمبريالية كلها، من لحظة الاستعمار إلى يومنا"(57). وعلى الرغم من نُبل فكرة عالمية الأدب مقوّمةً بمثابة فكرة استعمارية مركزية أوروبيًّا واستقرت في الدراسات المقارنة، استطاعت أوروبا منذ القرن 19 أن تعمِّم بها قيَمها على العالم الثالث، وأنتجت بها مفاهيم نقدية صنفت بها الآداب بين قول استعماري عن الآخر، وآداب العالم الثالث موضوعًا للدراسة، والنصوص العالمية. 
من هنا يرصد البحث توجهين للكتابة العالمية، من قِبل الجهة الاستعمارية تجمعها (الرؤية الإمبريالية). من سماتها: ربط فن الرواية بالعالم التاريخي؛ صناعة التراث؛ فرضُ حالة وصاية؛ التّماهي مع المستعمرين؛ وفرض معيارية واحدة. 
بينما تتسم نصوص ما بعد الاستعمار بسمات عدة: المحلية المرتبطة بتعيين الزمان والمكان؛ الخصوصية الثقافية باعتبارها من أشكال المقاومة والرفض لمعيارية النسق المسيطر؛ التأكيد على التعددية؛ والتنوع الثقافي لتدمير أحادية النسق الاستعماري المسيطر؛ فالحنين إلى الصفاء المستحيل، انتهاءً بالتوزع بين الصفاء والهجنة كردّ فني على تجربة الاستعمار.
 
 
اتجاهان عالميان
 لاستجلاء هذه السمات تدرس العجيلي رواية "لا أحد ينام في الإسكندرية" (1996) لإبراهيم عبد المجيد، وبحسَبها يبرز فيها اتجاهان ثقافيان عالميان: "عالمية التجربة الاستعمارية وعالمية الرّد الذي تشكله الخصوصية بتيّارَيْ الصفاء والهجنة" (72) ويشخص النص/ سمات: حضور هوية المكان بين الكونية والاستعمارية؛ جدلية السّياقين التاريخي (السردية الكبرى) والتخييلي للرواية؛ أسطرة الثقافة بوصفها آلية دفاعية، وأخيرًا الهُجنة والصفاء.
 ينكبّ الفصل الثالث (101ـ116) على تفكيك التجربة الاستعمارية روائيًا، بناءً على أطروحتين قوامُهما أن "التجربة الاستعمارية شظّت الهوية القومية، وأنتجت التيارين الثقافيين الرئيسين في الفكر العربي، المعروفين بتيار التأصيل، وتيار التغريب" (102)؛ وأن حياتنا وروايتنا وأفكارنا عن الذات والآخر والقيم الكبرى هي نتاجاتٌ ما بعد استعمارية، مثلُها كذلك مقاومتُنا للاستعمار. 
للبرهنة يتم اعتماد روايتين مغربيتين: "رجال ظهر المهراز" (2007) وهموم بطة" (2009) تبرزان الخصوصية الثقافية للذات مقابل الاختلاف عن الآخر، وتجليان سماتٍ إقليمية بتكوين هويةٍ سرديةٍ للجماعة باستحضار حكايات تراثية لتفسير الراهن، وحنين إلى الصفاء المستحيل بإحياء ذاكرة محلية واستدعاء مكونات أنتربولوجية، وبحدوث توتّر مع القوة الإمبريالية من خلال إعلاء الرموز الوطنية، الثقافية والسياسية، والتنديد بأخرى تابعة للآخر وعميلة، أضف التعامل مع فكرة الهُجنة إيجابيًا وثقافة تنويرية واعتناق التحديث دون التغريب.
 
الرواية العربية الجديدة
وبما أن طموح شهلا العجيلي كبير فقد دفعت بحثها عن الهوية الجمالية للرواية العربية من منظار رؤية ما بعد الاستعمار ليتعدى الطلائع ومراحل التكوين الروائية والتنوع فنًّا ومواضيع، أي ما يقرب من قرن، إلى زمنية الألفية الثالثة لتبحث عن المسارات الثقافية لمدونة الرواية العربية الجديدة، بما طرأ عليها من تغيرات في أسباب نشأة الجنس الأدبي والبنيات التي ينبثق منها والفئات الاجتماعية التي يعبر عنها، وبالطبع في أقمشته اللغوية الأسلوبية وطرائق بنائه. ألفية ثالثة تعرف كثرةً وخصوبة في الإنتاج الروائي إلى درجة بات يتعذّر معها التصنيف النقدي لتعدّد التيارات والمقاربات وتجاورِها قديمِها وحديثِها والأحدث والمخترق للحدود في تجريبية مفتوحة. 
حدث بعضُه جرّاء اهتزازات البنيات الاجتماعية في الوطن العربي، وانتعاش أصوات الهويات الصغيرة، ودعوات الهوية المنفتحة، على حساب القضايا الروائية الكبرى. وتلخص العجيلي سمات الرواية العربية الألف ثالثية من زاوية منهجها في كونها: نبتة شعبٍ ما بعد استعماري ثقافته هجينة. ومنبثقة من بنية واعية لذاتها وللآخر، ما سهل سقوط المحرّم، تحرر الروية من أسئلة الهويات الوطنية والقومية والعرقية الدينية واستغراقها في فكرة الوجود. 
تعمد الدراسة التي نقرأ لمساءلة هذه التحولات والقضايا إلى رصد ثلاثة نماذج روائية: "فستان فرح" (2012) ذات النزوع الملحمي للمصرية رباب كسّاب موضوعها ثورة 25 يناير 2011؛ و"نَصٌّ هجره أبطاله" (2013) للمصري عبد السلام دينا، ذي النفس الرومانسي والاغترابي. والرواية الثالثة: "366" (2013) للسوداني أمير تاج السر، ذات النزوع الوجودي.
في الفصل الخامس والأخير نقف على أخطر قضية تعيشها مجتمعات وثقافة وآداب ما بعد الاستعمار، موضوع الهوية بل إشكالياتُها وصراعاتُها المتعددة المتضاربة القائمة في أساس نشوء الرواية العربية منذ "حديث عيسى بن هشام" للمويلحي (1907) وصولًا إلى تفكيك القيم القديمة واعتماد مرجعيات ذاتية ومتحولة تحوّل الهوية نفسِها. ليبقى عندنا سؤالان تمنيت لو أن الباحثة طرحتهما: الأول، هل يمكن لمنظار ما بعد الاستعمار أن يستمر وكيف، لقراءة وتقويم الرواية العربية؟ وهل أدواته ومرجعياته الثقافية قادرةٌ وكافيةٌ حقًّا لاستجلاء جمالياتها؟ 
 

الأكثر قراءة

العالم العربي 4/2/2026 12:41:00 AM
عشرات طائرات "A-10 Thunderbolt II" في طريقها إلى الشرق الأوسط… "Warthog" تعود إلى الواجهة
ايران 4/2/2026 3:29:00 PM
يُوصف الجسر بأنه "أطول جسر في الشرق الأوسط" وأحد أكثر الجسور تعقيداً من الناحية الهندسية في المنطقة.
اسرائيليات 4/2/2026 6:02:00 PM
ظاهرة لافتة في تل أبيب تمثّلت في تحليق كثيف لأسراب الغربان، بالتزامن مع استمرار الحرب والهجمات الصاروخية