من كان ليتوقع أنّ فريدا كاهلو، هذه الرسّامة المذهلة للّوحات ذاتية عبقرية، كادت أن تكون طبيبة، لولا تدخّل القدر، وإن بشكل مأسوي.
في شبابها، درست كاهلو علم الأحياء والتشريح، في واحدة من أفضل المدارس في مدينة مكسيكو، في دفعة مكونة من 35 فتاة فقط بين 2000 طالب.
كانت مُصرَّة على النجاح مهما تطلّب الأمر من جهد، لكنها تعرّضت لحادث عنيف في الحافلة التي كانت تقلّها إلى منزلها، ما أدّى إلى إصابتها بشكل بليغ وعرقلة صحتها إلى الأبد؛ وبالتالي دفعها إلى مسار جديد لم تكن تخطّط له مطلقاً.
خلال حياتها القصيرة والصاخبة في آن، أنتجت الفنانة المكسيكية ما بين 150 إلى 200 لوحة، في معظمها صور ذاتية لها، وصور للعائلة والأصدقاء، ورسومات حيّة كثيرة. مزجت لوحاتها التصويرية والشخصية بشكل مكثف بين الفولكلور المكسيكي والرمزية. اجتمعا معاً لتوضيح تجربتها الحياتية بمختلف مراحلها. وهي غالبًا ما كانت تجمع بين عناصر ثنائية كالليل والنهار، والمذكر والمؤنث، والتواجد في مكانين في وقت واحد، أو نسخ مزدوجة من كاهلو نفسها.
كل ذلك جعلها أيقونة الثقافة الشعبية المكسيكية.
ولدت ماجدالينا كارمن فريدا كاهلو في عام 1907 في ضاحية كويواكان في مكسيكو في منزل أزرق بناه والدها وأطلق عليه اسم كازا أزول. وقد قامت لاحقًا بتعديل سنة ميلادها من 1907 إلى 1910 لتتزامن مع بداية الثورة المكسيكية التي كانت عزيزة عليها.
كان والدها، غييرمو كاهلو، مصورًا فوتوغرافيًا، ورثت عنه حب التصوير ولكن بالريشة والألوان. وعندما كانت كاهلو في السادسة من عمرها، أصيبت بشلل الأطفال، ما جعل ساقها اليمنى أصغر بشكل دائم من اليسرى. من هنا جاء اختيارها للتنانير الطويلة، التي ستصبح جزءًا من زي كاهلو الذي يميزها أينما حلّت، ووسيلة لصرف الانتباه عن قدمها.
خلال دراستها العلوم، التقت الفتاة المندفعة بمجموعة من فناني الجداريات من الطلاب الشيوعيين، كان من بينهم دييغو ريفيرا الذي ستلتقيه بعد سنوات. وفي العام 1925، تعرّضت لذلك الحادث الذي غيّر مسار حياتها، فأصيبت بكسور في العمود الفقري وبإصابات داخلية خطيرة أخرى أدخلتها المستشفى لمدة شهر.
بدأت كاهلو الرسم خلال فترة تعافيها الطويلة في السرير. مستعينة بالمرآة التي قامت والدتها بتثبيتها على الجانب السفلي من سريرها، واختارت نفسها موضوعاً لرسوماتها.
بعد سنوات قليلة من تعافيها، التقت كاهلو ريفيرا مرّة أخرى من خلال صديقتها المصورة تينا مودوتي. كان ريفيرا أكبر من كاهلو بعشرين عامًا، وكان في ذلك الوقت فنانًا معروفًا. تزوجا في عام 1929.
أمضى كاهلو وريفيرا السنوات الأولى من زواجهما في الولايات المتحدة حيث عاشت "صحوتها الإبداعية". بعد وقت قصير من وصولها إلى سان فرانسيسكو، التقت بالمصورة دوروثيا لانغ، التي شاركتها الاستوديو الخاص بها، وقدّمت كاهلو لشخص أصبح صديقًا مقرّبًا لها طوال حياتها هو الدكتور ليو إلويسر الذي قام بتشخيص إصاباتها بعناية وظلّ أحد أصدقائها الأكثر ثقة حتى وفاتها.
ظلّت الرسامة الصاعدة تعيش في ظل شهرة زوجها حتى العام 1938، عندما بدأ عملها يحظى بالتقدير. فقامت بأول عملية بيع لها على الإطلاق في ذلك الصيف، عندما زار ممثل هوليوود وجامع الأعمال الفنية إدوارد ج.روبنسون استوديو ريفيرا واشترى أربع لوحات لكاهلو.
وبعد بضعة أشهر، أقامت كاهلو أول معرض فردي لها، وهو واحد من معرضين فرديين فقط تمّ تنظيمهما خلال حياتها، حيث عرضت 25 لوحة في معرض جوليان ليفي في نيويورك، اجتذب حشدًا من الصف الأول، بما في ذلك ألفريد ستيغليتز، وأمين المتحف ألفريد بار، ومؤرخ الفن ماير شابيرو، وجورجيا أوكيفي.
من أبرز الأعمال التي عُرضت لها لوحة زيتية لخمس ثمار بيتاهاياس متعفنة تتكئ على صخور بركانية ونبات صبار.
لاحقاً، سافرت لوحة البيتاهاياس و17 لوحة أخرى مباشرة من نيويورك إلى باريس، حيث شاركت كاهلو في عام 1939 في عرض جماعي للفن المكسيكي في معرض بيير كولي. ومن بين الأعمال الشهيرة في المعرض كانت لوحة "الإطار" (1938)، وهي صورة شخصية لها متوجة بزهور صفراء. وقد حصلت الدولة الفرنسية على هذا العمل، وهو الآن جزء من مجموعة مركز بومبيدو، بينما توجد لوحات أخرى لها في متحف نيويورك للفن الحديث، ومتحف الفن الحديث في مكسيكو ، والمتحف الوطني للمرأة في الفنون.
عندما عادت كاهلو من فرنسا إلى المكسيك بعد أشهر عدة في الخارج، وجدت أنّ ريفيرا كان متورطًا في علاقة عاطفية مع امرأة أخرى، فعادت إلى كازا أزول.
عام 1939، اتفقا على الطلاق، ما أدّى إلى ظهور واحدة من أكبر لوحاتها القماشية بعنوان" فريداس" وهي صورة ذاتية مزدوجة لفريدا الأوروبية وفريدا المكسيكية، بحيث يرتبط القلبان بشريان بينما تمسكهما بأيديها. لكن عندما تدهورت صحة كاهلو بعد الطلاق، تواصل ريفيرا مع طبيبها إلويسر، الذي اقترح أن يتصالحا كرفاق. فتزوجا مرة أخرى.
بقيت كاهلو في مكسيكو. وعُرضت أعمالها في معارض جماعية في المكسيك والولايات المتحدة في أربعينات القرن العشرين، بما في ذلك "صور القرن العشرين" في متحف الفن الحديث عام 1942 و"معرض لـ 31 امرأة". كما قامت بالتدريس في مدرسة الرسم والنحت في مكسيكو سيتي، المعروفة باسم "لا إزميرالدا".
أُقيم المعرض الفردي الثاني لكاهلو خلال حياتها في صيف عام 1953 في مكسيكو سيتي.
وكانت في حالة صحية سيئة بالفعل في ذلك الوقت، لذا تمّ نقلها إلى ليلة الافتتاح على نقّالة ثم وُضعت في سريرها ذي الأعمدة الأربعة، والذي تمّ إحضاره إلى المعرض.
توفيت كاهلو في كازا أزول عن عمر يناهز 47 عامًا في عام 1954، إما بسبب الانسداد الرئوي أو ربما بسبب الانتحار. وتمّ وضع نعشها في القاعة المستديرة لقصر الفنون في مكسيكو سيتي، حيث أعرب المشيّعون البارزون مثل الرئيس السابق لازارو كارديناس عن احترامهم لها.
وكانت آخر لوحاتها عبارة عن لوحة من البطيخ كتبت عليها عبارة Viva la Vida "تحيا الحياة"، وهي الآن معروضة بشكل دائم في كازا أزول، الذي أصبح متحفًا بعد أربع سنوات فقط من وفاتها.
نبض