03-01-2024 | 17:25

​ هل العربيّ قادرٌ على التعبير عن مآسيه... لغوياً؟!

​ في العام 1883، هاجم المستشرق «وليم ولكوكس»، مهندس الري الإنكليزي في مصر اللغة العربية الفصحى وتساءل في محاضرة له بعنوان «لماذا لا توجد قوة اختراع لدى المصريين الآن». ودعا حينها إلى استخدام العامية المصرية في الكتابة، ومحاربة الفصحى، فلاقتْ دعوته هو وغيره من المستشرقين هجمة شرسة من المصريين؛ حِفَاظًا على الفصحى باعتبارها لغة دينية، وقومية، «وكان الأساس النفسي لمعارضة الدعوة إلى العامية هو الشك في نية المنادين بها، في وقت أصبح الاستعمار هو المسيطر على مقدرات الحياة في مصر» حسبما تذكر الدكتورة نفوسة زكريا في كتابها «تاريخ الدعوة إلى العامية».
​
هل العربيّ قادرٌ على التعبير عن مآسيه... لغوياً؟!
Smaller Bigger

 

في عام 1883، هاجم المستشرق «وليم ويلكوكس»، مهندس الري الإنكليزي في مصر اللغة العربية الفصحى وتساءل في محاضرة له بعنوان «لماذا لا قوة اختراع لدى المصريين الآن». ودعا حينها إلى استخدام العامية المصرية في الكتابة، ومحاربة الفصحى، فلاقتْ دعوته هو وغيره من المستشرقين هجمة شرسة من المصريين؛ حِفَاظًا على الفصحى باعتبارها لغة دينية، وقومية، «وكان الأساس النفسي لمعارضة الدعوة إلى العامية هو الشك في نية المنادين بها، في وقت أصبح الاستعمار هو المسيطر على مقدرات الحياة في مصر» حسبما تذكر الدكتورة نفوسة زكريا في كتابها «تاريخ الدعوة إلى العامية».

وبعد أكثر من قرن من الزمان على هذه الدعوة، نجد أن هذا المستشرق قد مسَّ مسألة عويصة وأزمة كبيرة ما زالت تعانيها اللغة العربية حتى الآن، تتعلق بفقد ما أطلق عليه «قوة الاختراع».

لقد وضع يده على صلب المشكلة وأحسن تشخيص الداء وفشل في توصيف الدواء، إذ جعل حل عجز اللغة العربية في التعبير عن حال الناس والواقع باستبدال الفصحى بالعامية، وشايعه في ذلك الألماني كارل فولرس سنة 1890 في كتاب له بعنوان «اللهجة العربية الحديثة»، أشار فيه إلى أن أعظم اختلاف بين اللهجة المصرية الحديثة، والإيطالية الحديثة، هي وجود الأدب الإيطالي، أما اللهجة المصرية فلم يكن لها شاعر مثل «دانتي» وأنها لم تستخدم في أغراض أدبية مهمة.

كلاهما شخَّصا الداء، وفشلا في توصيف الدواء، فبعد هذه الدعوات بدأت اللغة العربية الفصحى في التخلص من أساليبها القديمة، وظهرت مدرسة الإحياء والبعث، ولعبت الصحافة دورًا كبيرًا في هذا، إلى أن حصدت العربية جائزة نوبل في الآداب، وكانت قادرة على خلق أدب رفيع حديث يجاري مقتضيات العصر.

 

ويليام ويلكوكس

 
 

قوة الاختراع

ما زالت اللغة حتى الآن تفتقد «قوة الاختراع»، فهي عاجزة عن خلق تسميات تعبر عن الأحداث التي تمرّ بها المنطقة العربية وتعايشها الآن، تُطلقُ عليها مصطلحات أسيرة إما لماضٍ لا يصلح لمجاراة الواقع أو فريسة للاستعمار اللغوي والفكري للغرب غير قادرة على التعبير عن ذاتها وأهدافها وراؤها ورؤيتها للعالم، حتى المشاعر التي تجيش في صدور أبنائها غير قادرة على إخراجها إلى النور ليحدث نوع من التضامن.

وهذا ما يعمق من المأساة المشتركة ويجعل كل فرد يعيشها بمفرده لغياب المصطلح التداولي المعبر عنها والدال عليها، يجعل المأساة فردية رغم جماعيتها، ويفقد اللغة واحدة من أهم خصائصها والأسباب التي أدت إلى نشأتها، ألا هو التواصل والتعبير عما هو مشترك وصياغة نوع من التضامن اللغوي الذي يؤدي إلى تضامن نفسي واجتماعي، يوحد المجتمع في الأزمات ويجعله قادرًا على مواجهة مشكلاته.

 

 

 

مفهوما "التحرّش" و"التنمّر"

لا أقول إن غياب «قوة الاختراع» ذلك بسبب في طبيعة اللغة العربية الفصحى كما ذهب المستشرقون في القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، فيحضرني هنا نموذجان فاعلان استطاعت اللغة فيهما تحقيق «قوة الاختراع»، وهما مفهوما «التحرش والتنمر» أصبحت لهما دلالات واضحة على ظواهر موجودة كان يعانيها الناس دون قدرة على الإحالة المباشرة إليها، حتى جاء هذان التعبيران وأحالا إليها بوضوح دون لبس أو تشويش دلالي مع مفاهيم أخرى، وهو ما نحتاج إلى تعميمه لأن هذا هي معضلة لغتنا الكبرى أنها غير قادرة عن التعبير عنا بالمعنى الذي أشرت إليه في الأعلى. ما يخلق مشكلات أهمها:

- عدم القدرة على صياغة مشكلاتنا والتحديات التي تواجهنا.

- غياب السردية الخاصة بنا التي تعبر عن رؤيتنا للعالم.

- البحث عما يعبر عنا ونفتقده في لغتنا من مصطلحات في اللغات الأجنبية.

- ويولد ما سبق التبعية الفكرية للغات والثقافات الأجنبية.

- الاهتمام بموضوعات مطروحة علينا من الخارج على حساب موضوعات داخلية لها الأولوية؛ لكن عجزنا عن التعبير عنها في واقعنا اللغوي فغابت عن واقعنا الاجتماعي.

قبل وجود مفهوم التنمر كان يطلق على هذه الظاهرة «المشاغبة، الاستقواء، العنف المدرسي، المضايقة، الإغاظة...»... وهي كلها وإن كانت تعبيرات تدل على جزء على ما يعرف الآن بالتنمر كانت مفاهيم غير جامعة وغير مانعة، إلا أنه مع بداية ظهور هذا المصطلح في الأبحاث العلمية الأكاديمية منذ 2012 تقريبًا، وبدء تداوله على نطاق واسع إعلاميَّا منذ 2018. وهو عبر عن مشكلة موجودة في المجتمع يعانيها كثر لكن لا يستطيعون إيجاد المفهوم الذي يجسدها ويوحد الناس ضدها.

ما يميز هذا المفهوم أن له أصلًا عربيًّا ورد في أبيات الشعراء العرب مثل قول الشاعر الجاهلي محرز بن المكعبر الضبي  «إذا جئت سعدا والربابَ وجدتني / تَنَمَّرُ حولي في المحَلِّ أسودُها»، ومن معاني كلمة تنمر: يثور، ويغضب، ويتشبه بأخلاق النمر، وتنمر الشخص: أشبه النمر في طبعه شراسة وشدة.

 

 

حركات نسوية

ويلاحظ أن المصطلحين «التحرش، التنمر» كان وراءهما قوتان فاعلتان في ظهوره وترسيخه الأول يتعلق بالحركات النسوية المدافعة عن حقوق المرأة، والثاني المنظمات الدولية المعنية بحقوق الطفل.

ما يشير إلى أنه قد يظهر المصطلح والمفهوم المعبر عن أزماتنا الحقيقية، لكنه يغيب ما لم تكن هناك قوة أو منظمة تدافع عنه وتعمل على حضوره في وسائل الإعلام.

وتأتي قوة الاختراع هنا في إثراء كلمات قديمة وجعلها مواكبة لمقتضيات العصر الحديث. توصل المعنى المراد دون تشويش بحمولات تاريخية واجتماعية تفسد المعنى المراد إيصاله، وجعلت لهذه الظواهر السلبية أسماء محددة تعبر عنها، ما يسهل مواجهة هذه الظواهر الحديث عنها في العلن، ويفضي كل شخص بما لديه من مشاعر وتجارب مر بها.

وبعيدًا من هذين النموذجين الفريدين نجد اللغة العربية تعاني غياب قوة اختراع المصطلح، فمثلًا ما زلنا نطلق كلمة كارثة على أي كارثة تحدث لنا، ما يفقد هذه الكوارث خصوصيتها، خاصة في ما يتعلق بالحروب والمجازر التي ترتكب في حق المنطقة العربية، فعلى سبيل المثال يجري وصف ما يحدث في غزة بالكارثة الإنسانية، الإبادة الجماعية، المجازر ...إلخ عبارات ومصطلحات عامة لا تستطيع أن تعبر عن عمق المآسي التي يعانيها القطاع، لا تعطي أي خصوصية للحدث. ونصف ما يقوم به الكيان الصهيوني بأنه نظام نازي وفاشي دون أن يكون لدينا قوة اختراع في خلق مصطلحات تعبر عن وحشية هذا الكيان، فجرائمه فاقت ما ارتكبته النازية والفاشية ويستحق أن يكون هناك مصطلح يعبر عن بربرية الكيان الصهيوني ويحيل إلى أفعاله مباشرة دون تشويش في القصد بعيدًا من الألفاظ التي تحمل حمولات تاريخية وثقافية قد لا تتوافق مع ما يجري على الأرض.

 

النكسة والهزيمة

ومن الأمور اللافتة في هذا الصدد عندما هُزمت الجيوش العربية في 1967 هزيمة مذلة أمام الكيان الصهيوني اختارت الصحافة وقتها أن تخفف من وطأة الهزيمة بأن تطلق عليها مسمى «النكسة»، وهي أقل ضراوة لغويًّا ووقعًا في النفس من كلمة الهزيمة، إلا أنه حدث العكس، إذ اكتسبت كلمة النكسة دلالة أعمق في النفوس من كلمة الهزيمة، وأصبحت أشد وطأة منها، واكتسبت شحنات عاطفية شديدة الخزي والشعور بالفداحة والعار مما لو كان أطلق عليها الكلمة الدارجة والمعتادة في هذا السياق هزيمة. فالتعبير الجديد عبر عن حالة جديدة وجعلها تعبر عن واقع جديد وعن هزيمة لا يمكن نسيانها وما زلنا نعيش في ظلال صدمتها حتى الآن.

هذا هو المطلوب من اللغة أن تعبر عن كل حدث فريد بكلمة فريدة وجديدة تحيل إليه مباشرة دون تشويش دلالي.

فمن علامات قوة اللغة الإنكليزية الآن هي قوة الاختراع تلك وقدرتها على صك المفاهيم التي نستوردها في الغالب فتكون منبتة الصلة عن تاريخنا الثقافي.

ومن الأمثلة على سهولة الإنكليزية في صك المصطلحات نجد مصطلح «المكارثية» الذي يعبر‏ عن سلوك من يقوم بتوجيه الاتهامات بالتآمر والخيانة دون الاهتمام بالأدلة.

ينسب هذا الاتجاه إلى عضو بمجلس الشيوخ الأميركي اسمه جوزيف مكارثي، الذي أدى إلى حبس البعض بتهمة أنهم شيوعيون يعملون لمصلحة الاتحاد السوفياتي. بينما في العربية ليست لدينا ما يقابل أو يعبر عن هذه الحالة فنضطر إلى استخدام المصطلح الأجنبي الغريب عنا. ومثال ذلك أيضًا «متلازمة استكهولم» لديهم سرعة في صك المفاهيم ومن ثم إخضاعها إلى التحليل ومحاربتها أو دعمها حسب رؤيتهم الثقافية. وسهولة الاختراع اللغوي لديهم واحد من أسبابها القوة الإعلامية التي تمتلكها هذه الدول والمؤسسات التي تعمل على فرض هذه القضايا حسب توجهاتها.

 

لغة وأزمات

وتنبع خطورة غياب «قوة الاختراع» اللغوي لدينا في أننا في العالم العربي نعاني مئات المشكلات والظواهر السلبية لكن لا نجد اللفظ الذي يعبر عن كل ظاهرة أو كارثة نمر بها ونضطر استخدام مفاهيم غربية ونُكَيِّفها على ما يجري لدينا دون وعي.

ومن جانب آخر، إن هذه المفاهيم التي يهتم بها الغرب ويصك لها ما يعبر عنها من مصطلحات تكون حول قضايا تشغله، وليس بالضرورة ما يشغلهم وفي سلم أولويتهم يشغلنا بالقدر ذاته، أو أن تكون هذه ظاهرة تستحق النقاش لدينا، ما يخلق مشكلة غير موجودة عندنا فنخلق بذلك مشكلة من لا شيء ونبحث عن حلول لها، ويترتب على ذلك غياب قضايانا الجوهرية التي يجب أن نشغل بها. وتطفو على السطح مسائل قد تكون هامشية وغير ملحة على حساب مسائل جديرة بهذا الاهتمام.

نحن بحاجة إلى قوة الاختراع تلك وتسمية قضايانا تسميةً لا تقبل اللبس، تسمية نابعة من رؤيتنا للعالم وليست مفروضة علينا فرضًا، فغياب التسمية/ المصطلح/ المفهوم للظواهر التي نعانيها يعني غياب الظاهرة نفسها وعدم مناقشتها وتحليلها والتفكير في حلول لها، رغم أن هذه الظواهر تكون مؤثرة على الجميع كل لكن فرديًا، كل مسجون في مشكلته غير قادر على التعبير عنها باللفظ المناسب يظنها تخصه وحدة، يكتوي من نارها كل في جبه الخاص. فيبحث بعض الأفراد عما ينقصهم، وعلى ما لا يستطيعون التعبير عنه في لغتهم الأصلية في لغات أخرى.

وفي الأخير يجب أن لا ننسى حقيقة مهمة أن الواقع يتشكل عبر اللغة، فإذا غابت اللغة المعبرة عنه غاب هذا الواقع رغم وجوده، سواء المادي أو الفكري، وإذا أردتُ أن أضرب مثلًا لذلك فلنا أن نتخيل مدينة بها شوارع لكن هذه الشوارع لا تحمل أسماء تشير إليها، وقتها رغم الوجود الشوارع المادي إلا أنها ستكون موجودة في الوعي اللغوي وغير قادرين عن التعبير عن خصوصية كل شارع وأي شارع يوصل إلى أين. وكثير من مشكلاتنا التي نعانيها كهذا المثال موجودة كوجود الشوارع المادي في تلك المدينة، لكنها غائبة في الواقع بسبب عدم وجود قوة الاختراع اللغوي التي تستطيع أن تعبر عنها.

الأكثر قراءة

اقتصاد وأعمال 4/15/2026 2:20:00 PM
تمثّل الاستراتيجية الجديدة "تحوّلًا من مرحلة النمو والتوسع إلى مرحلة تعظيم الأثر الاقتصادي ورفع كفاءة الاستثمارات".
الخليج العربي 4/15/2026 10:00:00 PM
شددت على ضرورة "التزام حكومة جمهورية العراق بوقف ومنع كل الأعمال العدائية الصادرة من أراضيها"...
المشرق-العربي 4/16/2026 10:53:00 AM
تم خلال العملية ضبط ومصادرة أسلحة حربية وذخائر وجعب عسكرية كانت بحوزة أفراد الخلية
شمال إفريقيا 4/16/2026 10:47:00 AM
تصاعد الدور المصري في مفاوضات إيران يطرح احتمال تحوّل القاهرة من وسيط تقليدي إلى شريك فعلي في صياغة التسوية.