في ذكراها الـ50... هل وجدت حرب أكتوبر توثيقًا يكفي لمواجهة الآلة الإعلاميّة الإسرائيليّة؟
تظل الوثائقيات أحد أهم الفنون التلفزيونية، إذ تعرض الحقائق مدعمة بالأدلة والتوثيق وتقدم جرعة معلوماتية كثيفة ومبسطة للجمهور في وقت مختصر قد لا يتجاوز الساعة، كما أنها تمثل مرجعًا مستقبليًا لأحداث تاريخية مهمة، وحفظًا للتاريخ من العبث والتشويه، فضلًا عن كونها وسيلة لتعريف الأجيال الجديدة بالتاريخ بعيدًا من التزييف المتعمد.
وانتبهت الدولة المصرية لأهمية هذا النمط التلفزيوني، وأفردت له قناة متخصصة هي "الوثائقية"، التابعة للشركة المتحدة للخدمات الإعلامية، بما يخدم سياساتها ويعزز اتجاهها لتأريخ أحداثها المهمة ومحاولة خلق سوق صناعة أفلام وثائقية في مصر، بخاصة بعد استئثار رؤوس أموال وتيارات بعينها بهذه الصناعة لسنوات مضت.
وفي الذكرى الخمسين لانتصار مصر في حرب تشرين الأول/أكتوبر1973، برزت الحاجة لتوثيق هذه الحرب بكل تفاصيلها ومعاركها وبطولاتها، توثيقًا علميًا ودقيقًا، في مواجهة الرواية الإسرائيلية القائمة على التزييف والتلاعب والتهوين من انتصار الجيش المصري، ومحاولة الترويج أن النصر كان لهم.
وهو ما عملت عليه قناة "الوثائقية"، إذ احتفت باليوبيل الذهبي لنصر تشرين الأول/أكتوبر، عبر إنتاج وعرض مجموعة من الوثائقيات التي تؤرخ لهذا الحدث العظيم، وتطرقت لجوانب عدة متعلقة بالحرب سواء داخليًا أم خارجيًا.
وضمت سلسلة من الحلقات، منها "يوميات نصر تشرين/ أكتوبر"، وسلسلة "أنا حاربت إسرائيل"، والفيلم الوثائقي "صمود السويس"، وغيرها من الأفلام.

كشف رئيس قطاع الإنتاج الوثائقي في شركة المتحدة للخدمات الإعلامية، أحمد الدريني لـ"النهار العربي" الهدف من إنتاج هذه السلسلة قائلًا: "لأن الذكرى الـ50 لحرب أكتوبر تعني مرور نصف قرن، وهو رقم غير عادي، وجدنا أن هذه مناسبة للاحتفاء ضخم بهذا النصر، وهي فرصة لاستضافة أبطال هذه الحرب من الأحياء كي يقصّوا علينا مروياتهم، خصوصًا أنها حرب مترامية الأطراف، وبعض أجزائها تبدو غامضة، وهذه طبيعة الحروب لكونها مسارح قتال متعددة بأسلحة مختلفة، في مدى زمني ممتد، كما أن الحروب عمومًا من المسائل التي تتطلب جهدًا لاستيعاب أحداثها الحقيقية، إذ أخذت هذه الحرب أطوارًا قتالية مختلفة وتوافرت فيها أسلحة متنوعة؛ وهو شيء يستحق العمل على تدوينه وإظهاره على نحو مبسط".
وأضاف الدريني: "يتطلب توثيق مرويات الحرب العمل على محور زماني وآخر مكاني، الأول يتعلق بتسلسل أحداث الحرب على مسطرة الزمن، وما حدث يوميًا. ومكاني لأنها مسارح قتال متعددة بامتداد قناة السويس، سواء الضفة الشرقية والغربية ونطاق الجيش الثاني والثالث الميداني، وتفاصيل أخرى تحتاج فك شفراتها وتبسيطها للجمهور".
وحول تفاصيل العمل على هذه السلسلة كشف لـ"النهار العربي": "بحثنا عن وجوه غير مألوفة، بخلاف تلك الوجوه القليلة المعدودة التي تظهر للحديث عن الحرب سنويًا، والبحث عن مقابلات بصرية غير نمطية للحرب خارج المشاهد المشهورة المعتادة".
معالجة زوايا جديدة للحرب
لعل ما يميز هذه السلسلة من الوثائقيات أنها قدمت معالجات لزوايا جديدة في الحرب مثل "لجنة أجرانات" والتي شكلتها إسرائيل لتقصي الحقائق بخصوص التقصير في الحرب، وتلك هي المرة الأولى التي يتم التطرق لهذا الموضوع، وأيضًا التطرق لـ"غرفة عمليات الحرب" للمرة الأولى، وشرح لحظة العبور تقنيًا، وتضافر الأسلحة وكيف مضت ساعات القتال، وكذلك اقتحام مسألة "ثغرة الدفرسوار"، التي يتفادها الجميع.
لم تُبرز هذه الوثائقيات المحور القتالي فقط، بل عالجت جوانب إنسانية عبر فيلم "أغنية النصر" حول حرب تشرين/أكتوبر والفن وكيف تعاطت معها الناس وتعاطف الوجدان الشعبي مع المسألة. كما تم توثيق صمود السويس في حصار المئة يوم لأول مرة، بشهود عيان. وعلق الدريني بقوله: "نحن نقتحم هذه الزوايا المختلفة، مستغلين أنها الذكرى الخمسين بوهجها وألقها، ونطرق الموضوعات والمساحات غير المطروقة".

الحرب من منظور العالم
أحد أهم أعمال هذه السلسلة هي تلك المعنونة بـ"أكتوبر في عيون العالم"، إذ أجرى الإعلامي أحمد الدريني، سلسلة حوارات مع قادة وخبراء حرب من جنسيات مختلفة؛ لشرح وتحليل الحرب من منظور عالمي عسكريًّا وإستراتيجيًّا وتاريخيًّا، وتسليط الضوء على عملية الخداع الإستراتيجي المصرية، وخطة العبور، ومراحل تطور الحرب، ومقارنة غرفة العمليات المصرية بغرفة عمليات العدو، وأهم المعارك التي شهدتها الحرب، ومواقف القوى الدولية آنذاك.
وفي شأن حوارات الأجانب أوضح الدريني قائلًا: "جاءت فكرتها لأن البعض لديهم شكوك وارتياب بسبب موجة الدعاية الإسرائيلية وأنصارها في المنطقة العربية في ما يخص حرب أكتوبر، وأنها عبارة عن هجوم مصري وسوري مفاجئ، تم احتواؤه وتطويقه من قبل إسرائيل وانتصارها وهزيمة المصريين، وهذا يعد وهمًا؛ لذا استعنا بأشخاص ينتمون إلى مدارس وأطراف عسكرية متنوعة وذوي رؤى متباينة لتحليل الحرب، ولهم وزنهم وثقلهم في الميزان العسكري العالمي".
وحاور الدريني ضمن هذه السلسلة العقيد/ رالف ثيلي، رئيس الجمعية العسكرية في برلين، مدير كلية الدفاع في ألمانيا سابقًا، ومستشارًا عسكريًّا ضمن فريق نائب رئيس أركان الجيش الألماني، حيث قام معه بتحليل التكنيكات الألمانية التي استخدمت في الحرب عسكريًا.
ومن إيطاليا، مع الفريق/ جورجيو باتيستي، رئيس غرفة العمليات العسكرية في الجيش الإيطالي سابقًا، شغل خلالها مناصب عدة مهمة، وحلل معه الدريني الشق العملياتي في الحرب على المستوى الضيق.
كما يظهر المستشار العسكري الفرنسي بيير رازو، المدير الأكاديمي والبحثي لمعهد البحر الأبيض المتوسط للدراسات الإستراتيجية المتقدمة، وعمل مديرًا للبحوث ومستشارًا في وزارة الدفاع الفرنسية سابقًا، وألف كتب عسكرية مهمة ومنها عن "حرب أكتوبر 1973" وفي سبيل إنجاز كتبه، قابل أرئيل شارون وعدد من قيادات الجيش الإسرائيلي الذين حاربوا ميدانيًا. وناقشه الدريني في تحليل خط بارليف وفكرته.
ويظهر في لقاءٍ ممتد المؤرخ العسكري الأميركي جورج والتر، أحد أبرز المؤرخين العسكريين على مستوى العالم، والمؤرخ والمحاضر في كلية القادة والأركان العامة بالجيش الأميركي ومن مؤلفاته “The 1973 Arab-Israeli War: The Albatross Of Decisive Victory” الذي يصف فيه حرب أكتوبر بأنها درس عسكري لإسرائيل وأميركا على حدٍ سواء، وناقشه الدريني حول فكرة التدخل الأميركي في الحرب والجسر الجوي الأميركي ودور كيسنجر.

الفن في الصراع العربي- الإسرائيلي
نشطت إسرائل خلال السنوات الأخيرة بإنتاج أعمال متعلقة بالصراع العربي - الصهيوني مثل فيلم "الملاك"، ومسلسل "فوضى"، وأحدثها فيلم «غولدا»، حيث طرح الإسرائيليون في هذا الفيلم أنهم حوّلوا هزيمتهم في الأيام الأولى من حرب تشرين إلى نصر، وأرغموا مصر على التفاوض.
ويدفعنا هذا الشق للمقارنة بين الأعمال الدرامية وتلك الوثائقية، وأيهما أكثر مشاهدة وتأثيرًا على الجمهور، إذ يُنظر للأعمال الوثائقية أنها لا تزال نخبوية في عالمنا العربي.
ويرى الدريني أن الأبقى هو الأنجح، فأعمال مثل "الجاسوس" و"الملاك" رديئة فنيًا، ولم يكن له ذيوع أو انتشار على المستوى الجماهيري، وحقق "غولدا" رواجًا بسبب السياق ولأن بطلته هي هيلين ميرين، فضلًا عن توقيت طرحه.
وشدد الدريني: "ليس لدي محيص سوى اللحاق بتوثيق وتلفزة وثائق تشرين/أكتوبر وجمع شتاتها من أطراف مختلفة، فهذا جهد لا بد من عمله، ولاحقًا تم العمل على إنتاج أعمال سينمائية سيجد صناعها وثائق جاهزة في هذه الأعمال الوثائقية، ولن يحتاجوا قراءة عشرات الكتب والوثائق مثلما فعلت".

وأضاف: "هذه الأعمال هي وثيقة سياسية بدرجة من الدرجات، حيث بحثنا عن أبطال الحرب المعروفين أو غير معروفين، وخضعت شهادتهم لخيط ناظم من الاستيفاء، إذ نستهدف أن نترك وثيقة للزمن ومحاولة لإعادة الفهم، خصوصًا أن من بين الذين كتبوا مذكراتهم قادة حربٍ ليسوا كلهم من المشهورين، ولم تأخذ مذكراتهم حظها من الذيوع والانتشار، وهناك أطراف كتبت ولم تنتشر وجهة نظرها أو مساحة ملاحظاتها، وتحتاج ذهنًا متفرغًا وصافيًا كي يتم مقارنة الروايات بعضها ببعض واستخلاص النتائج، وهذا جهد قمت به، بتلخيص ذلك عبر مادة علمية وتقديم خلاصة المعلومات".

كان هناك حالة من الاحتفاء بهذه الأعمال الوثائقية لأن ثمة شعورًا بتقصير في توثيق حقائق هذا الانتصار، وتعد وثيقة بصرية للأجيال، ولا ريب أن ما تقدمه هذه الوثائقيات مهم للغاية، لكنه يحتاج لتضافر جهود أخرى لتوثيق هذه الحرب، إذ لا جهة واحدة قادرة على توثيقها بمفردها.
وهناك مطالبات في مصر بإنشاء منصة رقمية تضم الوثائق المتاحة من حرب أكتوبر لمواجهة محاولات إسرائيل لتزييف الوعى، خصوصًا أن إسرائيل قامت دشنت موقعًا إلكترونيًا، لتوثيق حرب أكتوبر كاملةً.
نبض