أوقفت هيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي نيوز" العربية، ستة من مراسليها عن العمل، ومنعتهم من الظهور في أي بث تلفزيوني، بسبب وضعهم علامات إعجاب أو نشرهم منشورات مؤيّدة لفلسطين على وسائل التواصل الاجتماعي!
وفيما لم تقم إدارة "بي بي سي" بالكشف عن هويات المراسلين، أعلنت في بيان مقتضب أنّها بصدد فتح تحقيق موسّع للتأكّد من أنّ ما قاموا به لا يشكّل مساساً بالإرشادات التحريرية التي تتبعها.
تنديداً بهذه الخطوة، قال الصحافي المستقل آلان ماكلويد: "بينما يفقد الفلسطينيون حياتهم، تفقد وسائل الإعلام الغربية آخر بقايا صدقيتها"، لافتاً إلى أنّ توقيف المراسلين عن العمل يشكّل انتهاكاً صارخاً لحرّية التعبير وإبداء الرأي، لا بل ببساطة يضرب صدقية الاعلام.
من جهتها، اعتبرت أحلام محتسب، أستاذة الدراسات الإعلامية في جامعة ولاية كاليفورنيا، أنّ"هناك حملةً إعلامية سخيفة جداً لرفض وإخفاء أي تعاطف مع الفلسطينيين. ويبدو جليّاً أنّ رواية الضحية الإسرائيلية الأحادية الجانب تحظى بموافقة المؤسسات الإعلامية الكبرى والحكومات نفسها".
الحدّ من التغطية
يأتي تعليق عمل صحفيي هيئة الإذاعة البريطانية، بعد حظر برامج ثلاثة مذيعين مسلمين عن موجات الأثير من قِبل قناة "إم إس إن بي سي"، وصدور أمر مباشر من "أكسل سبرينغر" يطلب فيه ومن دون خجل أو اعتبار للقيم الصحفية، بأن يحدّ موظفوه من تغطية الوفيات الفلسطينية في النشرات الإخبارية أو الأخبار التي تتحدث عن استهداف الجيش الإسرائيلي للصحافيين والمدنيين الفلسطينيين وقتلهم.
كما طُلب من الموظفين عدم نشر عناوين يمكن أن "يُساء فهمها" على أنّها مؤيّدة للفلسطينيين بأي شكل من الأشكال. وهو ما أثار انتقادات جمّة من قِبل حقوقيين استنكروا سياسة التحيّز والكيل بمكيالين، لاسيما في ما يتعلق بضرورة حماية المدنيين ونقل الواقع كما هو من دون تزييف للحقائق، وإن كان فيه ما يدين الارتكابات الوحشية الإسرائيلية في غزة، لاسيما قتل الأطفال وقصف المستشفيات.

فتح تحقيق
رداً على الأخبار التي طاولتها، أعلنت هيئة الإذاعة البريطانية أنّها فتحت تحقيقاً مع المراسلين الستة المقيمين في مصر ولبنان، في ما يخصّ علاقتهم بمنشورات على وسائل التواصل الاجتماعي "يبدو أنّها تدعم أنشطة "حماس" ضدّ إسرائيل"، على ما جاء في بيانها، مشيرةً إلى أنّها أوقفتهم موقتاً ريثما تنتهي التحقيقات، ولم يتمّ طردهم بشكل رسمي.
وتابع البيان: "نحن نحقّق بشكل عاجل في هذا الأمر، إذ نتعامل مع الإدّعاءات المتعلقة بانتهاكات إرشاداتنا التحريرية ومعايير وسائل التواصل الاجتماعي بمنتهى الجدّية، وإذا وجدنا انتهاكات فسنتحرك ونتخذ خطوات، بما في ذلك اتخاذ إجراءات تأديبية".
وقد تمّت إزالة جميع المنشورات التي شاركها المراسلون بناءً على طلب الهيئة، وبالتالي لم يتضح محتواها للعلن، ولكن تقارير إعلامية أشارت إلى أنّ أحد المراسلين أُعجب برسالة يبدو أنّها تصف عناصر "حماس" بأنّهم "يقاتلون من أجل الحرّية".
علماً أنّه مع اندلاع النزاع، أوقفت الشرطة الإسرائيلية أحد أعضاء فريق "بي بي سي نيوز" باللغة العربية في تل أبيب، واعتدت عليه على الرغم من وجوده في سيارة تحمل علامة إعلامية.
ولم تقم هيئة الإذاعة البريطانية بشجب هذه الخطوة بشكل حاد آنذاك، بل اكتفت ببيان ضبابي يقول: "يجب أن يتمكن الصحافيون من تغطية الصراع في إسرائيل وغزة بحرّية".
وعلى الرغم من دعوة "بي بي سي" إلى سلامة الصحافيين على الأرض، هناك مخاوف متزايدة بشأن سلامة صحافيي "بي بي سي" الستة الموقوفين عن العمل، بعد أن قامت صحيفة "التلغراف"، وهي صحيفة بريطانية يمينية، بالتشهير بهم وتوجيه شتى الاتهامات لهم.
وتواجه الهيئة البريطانية أيضاً انتقادات بسبب تغطيتها للحرب الإسرائيلية على فلسطين، والتي يقول المدافعون عن حقوق الإنسان إنّها تجرّد الفلسطينيين من إنسانيتهم باستمرار، وساهمت في نهاية المطاف في خلق موافقة عامة على الاحتلال الإسرائيلي.
يُذكر أنّه قبيل أيام قليلة، قام أعضاء من منظمة العمل الفلسطيني بإلقاء طلاء أحمر على مقرّ هيئة الإذاعة البريطانية احتجاجاً على تغطيتها للإبادة الجماعية للفلسطينيين، واتهموا إحدى مذيعاتها بأنّ "يديها ملطختان بالدماء".
وقالت المنظمة على موقع "X": "تركت منظمة العمل الفلسطيني رسالة بين عشية وضحاها لـ "بي بي سي" وهي: "إنّ نشر أكاذيب الاحتلال وتصنيع الموافقة على جرائم الحرب الإسرائيلية يعني أنّ أيديكم ملطخة بالدماء الفلسطينية"، وأرفقت التغريدة بوسم #ShutBBCDown.
وكان مقرّ هيئة الإذاعة البريطانية نقطة انطلاق لإحدى أكبر مسيرات التضامن مع الفلسطينيين في بريطانيا. لكن هيئة الإذاعة صوّرت وبشكل ساخر مسيرة لندن وغيرها من الاحتجاجات المؤيّدة لفلسطين في جميع أنحاء البلاد، على أنّها "راليات لدعم حماس". وبعد تلقّي شكاوى عدة، اضطرت إلى الاعتذار.
وقالت مريم موشيري، كبيرة المذيعين في "بي بي سي نيوز"، على وسائل التواصل الاجتماعي: "تحدثنا عن تظاهرات في جميع أنحاء بريطانيا، أعرب خلالها الناس عن دعمهم لـ "حماس". نحن نتقبّل أنّ الخبر تمّت صياغته بشكل سيئ وكان وصفًا مضلّلاً للتظاهرات".

كما دان المستمعون هيئة الإذاعة البريطانية لنشرها دعاية مؤيّدة لإسرائيل. وقال أحد مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي رداً على اعتذار مشيري: "لقد تقدّمت بشكوى رسمية إلى "بي بي سي نيوز" بسبب التحريف والبروباغندا، وأقترح على الآخرين أن يفعلوا الشيء نفسه. إنّ القول بأنّ أولئك الذين يدعمون إنهاء الحصار عن غزة هم من أنصار "حماس" هو أمر غير مقبول على الإطلاق".
وقد أشار العديد من المدافعين عن حقوق الإنسان إلى أنّ تركيز وسائل الإعلام المؤسساتية الكبرى على ما إذا كان المناصرون الفلسطينيون يدينون "حماس" بدلاً من التركيز على مطالبهم بوضع حدّ للاستعمار الاستيطاني الإسرائيلي العنيف، هو "تحرّك استراتيجي يهدف إلى نزع الشرعية عن النضال الأوسع من أجل الحرّية في فلسطين".
وفي الوقت نفسه، قامت القوات الإسرائيلية باستهداف وقتل الصحافيين بمعدل غير مسبوق. وقتلت ما لا يقلّ عن 21 صحافياً منذ بدء الحرب في 7 تشرين الأول (اكتوبر)، وفقاً للجنة حماية الصحفيين.
وفي هذا الإطار، قال شريف منصور، منسق برنامج الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في لجنة حماية الصحافيين: "تشدّد لجنة حماية الصحفيين على أنّ الصحافيين هم مدنيون يقومون بعمل مهم في أوقات الأزمات،
ويجب ألاّ يتمّ استهدافهم من قِبل الأطراف المتحاربة". وتابع: "إنّ الصحافيين في جميع أنحاء المنطقة يقدّمون تضحيات كبيرة لتغطية هذا الصراع المفجع. ويجب على جميع الأطراف اتخاذ الخطوات اللازمة لضمان سلامتهم".
نبض