علي الحجّار لـ"النهار العربي": مشروعي "مئة سنة غنا" هدفه إحياء التراث الغنائي المصري
يجمع الفنان علي الحجار بين قوة الصوت وأصالة الطرب، استطاع الحفاظ على مكانته على مدار نحو 50 عاماً هي عمره الفني، لم يتوار أو يتراجع حضوره، كما ظلّ قادراً على المنافسة والوصول إلى الأجيال الشابة رغم اختلاف الأذواق، وهو ما يتجلى خلال حفلاته المتتابعة، إذ تجذب كل الأجيال الذين يتفاعلون معه ويحفظون أغنياته، ليثبت أن الطرب الأصيل ليس نخبوياً بل يتذوقه الجمهور في كل زمان، وبينها حفلته الأخيرة التي نظمتها نقابة الصحافيين المصرية لإحياء مئوية فنان الشعب سيد درويش، والتي حاورته "النهار العربي" على هامشها.
سيد درويش خلصنا من الطريقة التركية في الغناء
ثمة ارتباط بين علي الحجار والتراث الغنائي، إذ لا تخلو حفلاته من غنائها وبينها أعمال درويش، ويكشف لـ"النهار العربي" بداية علاقته بدرويش قائلاً: "بدأت التعرف عليه عبر والدي الموسيقار إبراهيم الحجار، الذي حفظني جزءاً كبيراً جداً من التراث الموسيقي خلال طفولتي، كما يدخل درويش ضمن اهتمامي في مشروع إحياء التراث الغنائي، نظراً لأنه استطاع تخليصنا من الطريقة التركية في الغناء التي تضم مفردات تركية، لأن العثمانيين حكمونا نحو 450 عاماً، حيث انحصر الغناء لعلية القوم، لكن درويش صنع غناءً مصرياً خالصاً، وقدمه للجمهور، فضلاً عن كونه فناناً شاملاً، إذ قام بتأليف الأدوار الغنائية و33 أوبريت مسرحياً، وهو إنجاز كبير لشخص عاش عمره القصير.
مشروع مئة سنة غُنا
لا يهتم الحجار بدرويش وحده، بل لديه مشروع لإحياء التراث الغنائي، إذ حفظ جزءاً كبيراً من التراث الموسيقي خلال طفولته، وفي الثمانينات من القرن الماضي، قام «علي» بغناء "داري العيون" لمحمد فوزي بتوزيع جديد للموسيقار ميشيل المصري، ثمّ أعاد غناء "جفنه علم الغزل" للموسيقار محمد عبد الوهاب، بتوزيع مودي الإمام، فاعتقد الجمهور أنها حديثة، ثم أعاد مع ياسر عبد الرحمن توزيع "أهو ده اللي صار" لسيد درويش 1992، فحقق نجاحاً لافتاً أيضاً، فطرأت على ذهنه فكرة مشروع "مئة سنة غُنا"، إذ اكتشف أن هذه الأغنيات تنجح عقب عمل توزيع جديد لها وتصل إلى الشباب.
وكشف الحجار لـ"النهار العربي" تفاصيل هذا المشروع قائلاً: "يعتبر دراسة لتاريخ الغناء المصري منذ القرن التاسع عشر من محمد عثمان وعبده الحامولي وسيد درويش وصولاً إلى بليغ حمدي؛ لهذا يتطلب جهداً مؤسسياً وليس فردياً، إذ يضم أغاني من القرن التاسع عشر، لذا تقدمت به لوزير الثقافة السابق فاروق حسني عام 2002، وأرسلني حسني لصندوق التنمية الثقافية لكنهم تملصوا، لكن التقيت وزيرة الثقافة المصرية نيفين الكيلاني خلال الفترة الماضية، وأكدت أن مشروع "مئة سنة غُنا" سيتم البدء فيه قريباً.
وأضاف الحجار: "المشروع قائم على إعادة توزيع الأغنيات القديمة غير المستسغاة للجمهور في تسجيلاتها القديمة، فأقوم بإعطائها إلى موزع ذي رؤية موسيقية وقادر على تقديمها بشكل معاصر، بحيث تصير مناسبة لعصرنا فتستوعبها الأجيال الحالية.
وأوضح: "منذ عام 2002، كنت أذاكر سيد درويش وزكريا أحمد ورياض السنباطي وعبد الوهاب ومحمد الموجي وكمال الطويل وبليغ حمدي، وأضفت لهم عمار الشريعي وعمر خيرت وياسر عبد الرحمن الذين عملت معه كثيراً".
علي الحجار ومحمد الموجي
يذكر أنه نشب خلاف بسبب هذا المشروع خلال الفترة الماضية بين الحجار والفنان مدحت صالح، إذ اتهم صالح باقتباس مشروعه "مئة سنة غنا" بالتفاصيل نفسها، وتقديمه تحت عنوان "الأساتذة".
ولمّح الحجار: "الفكرة قائمة على تحديث التراث، فهو ملك للجميع وأي شخص يمكنه غناؤه، لكن المهم تقديم رؤية موسيقية مختلفة وإلا سيكون على حاله دون تغيير".
مسيرة غنائية مع الكبار
لعل ما يميز علي الحجار بين أبناء جيله أنه عمل مع الكبار، سواء من المؤلفين، ومنهم صلاح جاهين وعبد الرحمن الأبنودي وعبد الرحيم منصور وسيد حجاب، أو كبار الموسيقيين وبينهم بليغ حمدي وعمار الشريعي وسيد مكاوي وعمر خيرت وياسر عبد الرحمن وآخرون.
يتحدث عن أساتذته والخبرات التي نهلها منهم قائلاً: "أتذكر خلال تسجيل أغنية "أنا مش أعمى"، ضمن مسلسل "الأيام"، أردت استعراض الإمكانات والزخارف والحليات التي تعلمتها من أبي أمام سيد حجاب وعمار الشريعي، فقاموا بوقف التسجيل وقالوا لي إن التطريب والزخارف ليس لها ضرورة في الغناء الدرامي، فلا بد أن تُشخص وتمثل بصوتك معنى الكلام الذي ستقوله لأنه نابع من موقف درامي ينبغي وصوله للناس، فتعلمت منهم أن حلاوة الصوت ليست شرطاً، والغناء ليس صوتاً جميلاً فقط ولا بد أن يضع المطرب في اعتباره تشخيص المعنى في المقام الأول".
كما يرى أن هؤلاء الكبار بجانب والده هم من صنعوه فنياً، إذ يقول "منحني أبي أسراراً لم يحصل عليها أحد آخر، فهو من صنعني فنياً، بجانب آخرين منهم بليغ حمدي وعمار الشريعي وأحمد الحجار الذي أعتبره أخي الكبير رغم أنه يصغرني بعام لأنه امتلك الحكمة والبركة".
حول أقرب أغنياته له كشف الحجار لـ"النهار العربي" قائلاً: "ثمة أكثر من أغنية لها علاقة بي إنسانياً مثل "يا لولا دقت إيديكي" من أغاني في مسلسل "النديم" لعبد الرحمن الأبنودي، و"رُباعيات صلاح جاهين"، وأول أغنية قدمني بها الموسيقار بليغ حمدي "على أد ما حبينا" والتي ما زال الجمهور يطلبها في كل حفلاتي بعد 47 عاماً من غنائها".
أغنيات تتر المسلسلات
جاءت بداية شهرة الحجار عبر غناء تتر المسلسلات، وشكلت علامة بارزة في مسيرته، وأولها مسلسل "الأيام"، يتذكر الحجار أن الفنان أحمد زكي طلب منه سماع أغنيات مشاهد المسلسل لكونها صامتة بلا حوار، وكأن ضميره الذي يتحدث، وامتلك زكي أذناً موسيقية ساعدته في إظهار مشاعره وأداء المشاهد بعبقرية بناءً على غناء الحجار.
ويتحدث عن أغنية مسلسل بوابة الحلواني "اللي بنى مصر"، من ألحان بليغ حمدي، ويعتبرها ذات صبغة فلكلورية تراثية، صنعها حمدي بشكل بهجة وإيقاع جعلها مطلوبة في حفلاته حتى اليوم.
ويتحدث عن أسباب نجاحه في غناء تترات المسلسلات بقوله: "كنت أجلس مع الشاعر أو المخرج لأنه قرأ السيناريو ليحكي لي الموقف الذي سأغنيه، فالمطرب عندما يفهم شكل المشهد سيستشعره ويشعر نفسه مكان الممثل".

مهنتي هي هوايتي
يبلغ علي الحجار من العمر 69 عاماً، قضى نحو 50 عاماً منها في الغناء، مليئة بالأعمال التي أحببها وأخلص إليها منذ التحاقه بفرقة "التخت العربي للموسيقى العربية" عام 1973 أثناء دراسته في كلية الفنون الجميلة، وهو أيضاً صاحب إنتاج فني غزير يتجاوز نحو 3000 أغنية.
يقول الحجار لـ"النهار العربي": "أكرمني الله أن مهنتي هي هوايتي، وهذا أمر لا يناله أي شخص، كما أن دراستي للفن التشكيلي جعلتني أرى الموسيقى، وأعتبر أن ثمة ارتباطاً بين الفن التشكيلي والموسيقى، فارتباط الخط واللون يشكل تناغماً في الفن التشكيلي، وهو التناغم نفسه بين الألحان والكلمات في الغناء".
عائلة تتوارث الموهبة
ينتمي علي الحجار لأسرة موسيقية يتوارث أفرادها الفن فوالده الموسيقار الراحل إبراهيم الحجار، وشقيقه الفنان الراحل أحمد الحجار، كما أن نجله أحمد الموهبة ويمتهن الغناء أيضاً.
وقال الحجار: "أعتبر والدي معهداً موسيقياً يمشي على الأرض، تتلمذ عليه كثير من الفنانين مثل لطيفة التونسية وعمرو دياب وأنغام ونادية مصطفى ومدحت صالح وأساتذة كثيرين في معهد الموسيقى".
يتحدث عن نجله أحمد مؤكداً أنه يمتلك الموهبة ودارس للفن وليس مجرد وراثة مهنة قائلاً: "درس ابني خمس سنوات في معهد الموسيقى في مصر، ثم أربعاً أخرى في جامعة بيركلي في أميركا وهي من الجامعات المهمة في دراسة الموسيقى، كما أنه يشدو بأربع لغات وهي والإنكليزية والعربية التركية والإيطالية، ويحفظ كل أغاني سيد درويش وعبد الوهاب ومحمد فوزي وفريد الأطرش، واستطاع أن يصنع لنفسه شخصية مستقلة جعلتني فخوراً بأن لي ابناً من بين سبعة أبناء أصبح مطرباً".
وأضاف: "أشعر أن ابني أحمد امتداد لأبي وأخي أحمد الحجار، ورغم أنه يحفظ كل أغنياتي منذ الصغر لكنه لم يدخل في دائرة الانبهار بي، بل انبهر بأبي وشقيقي".

التمثيل والمسرح الغنائي
لم يلمع علي الحجار غنائياً فقط، بل تميز تمثيلياً في الأعمال التلفزيونية والسينمائية أمام كبار الممثلين، وبينهم محمود المليجي ومحمود مرسي ونور الشريف ومحمود ياسين، وله رصيد من الأعمال المسرحية الغنائية يبلغ نحو 33 مسرحية.
وتحدث الحجار لـ"النهار العربي" عن علاقته بالمسرح الغنائي قائلاً: "أفادني في التشخيص، إذ تخرج من التمثيل إلى الأغنية، فالأغنية يكتبها الشاعر بديلاً للكلام والمشاهد؛ فتكتمل التركيبة كأننا نمثل".
من المعروف أن المسرحية يستمر عرضها طويلاً قد تمتد لشهور وسنوات، لكن الحجار لم يمل ذلك شارحاً أسبابه بقوله: "هناك جمهور مختلف يومياً، وتغيير الجمهور يمنحني معنى وإحساساً آخر للجملة نفسها التي أقولها، سواء في التمثيل أو الغناء المسرحي، فتعلمت أن الفنان بدون جمهور لا قيمة له، أضاف المسرح لي الكثير في التشخيص واحترام الجمهور، وأن الفكرة ليست في العرض والطلب لكن الجمهور هو صاحب الأولوية في اهتمام الفنان بأدائه ونوعية ما يقدمه".
نبض