استعلاء الفنانين على الجمهور... ما وراء هذه الظاهرة؟
خلال تصريح تلفزيوني،هاجم الفنان محمد فراج الجمهور الذي انتقد أداء الفنانة داليا شوقي (شقيقة زوجته) فيمسلسل "سفاح الجيزة، قائلًا: "لا أحد من الذين وجهوا "الانتقاد" يفهم في "الشغلانة" - يقصد الفن - كلهم من خارج "الشغلانة"، وحسابات وهمية، تحس أنهم حصلوا على فلوس،الناس دي حتفضل تتكلم ليوم الدين، المهم أن القافلة تسير".
أثارت تصريحات محمد فراج الغضب والاستهجان على مواقعالتواصل الاجتماعي، رغم إصداره توضيحًا على صفحته على "فايسبوك" لاحقًا، محاولًااسترضاء الغاضبين، لكن فشلت مساعيه، خصوصًا أنه لم يقدم اعتذارًا عما بدر منه منتجاوز لكنه برر أنه هاجم المتجاوزين.
جاء التصريح على هامش حفل العرض الأول لفيلمهالجديد "فوي.فوي..فوي"، ليصرف الأنظار عن العمل الذي اختير لتمثيل مصرفي ترشيحات الأوسكار، وفي الليلة ذاتها أثار فراج مشكلة أخرى، أسفرت عن غضب الصحافيين،وذلك خلال الندوة التي أعقب عرض فيلمه، إذ وجّه أحد الصحافيين سؤالًا، فجاء الردمن مخرج العمل عمر هلال وبطله فراج بطريقة رآها الصحافيين انفعالية ومتعالية، ماأثار غضبهم، وسرت دعوات لمقاطعة أخبار الفنانين الذين يتعاملون بعدم احترام وتقديرمع الإعلاميين أثناء تأدية عملهم.
قد تكون المقابلات الصحافية والتلفزيونية كاشفةللطبيعة الشخصية للشخصيات العامة، واتسم رد فراج بالانفعالية والاستعلائية، وعززصورة ذهنية سلبية عنه لدى الجمهور، كما ترتب عليه تحويل الأنظار عن فيلمه الجديدلتنتقل إلى مسلسل "سفاح الجيزة" وشقيقة زوجته، التي لا يمكن نكران حقه في دعمها لكن يكون دعمًا متوازنًا ومنضبط الكلمات يقبل خلالهالانتقادات الموضوعية، ولا يكيل الاتهامات للجمهور بأنه مدفوع الأجر.
تواضع الكبار وعجرفة الصغار
أحالتني هذه الوقائع إلى حوار سابق أجريته مع المخرجداوود عبد السيد منذ بضع سنوات، حين سألتهعن فيلمه "البحث عن سيد مرزوق" الذي لم ينجح جماهيريًا، ويجد المشاهدصعوبة في فهمه عند عرضه، وقتها لم يُلق المخرج الكبير باللوم على الجمهور، بل رأىأنه وقع في خطأ ما خلال إخراجه الفیلم.
وقال فيحديثه لـ"النهار العربي" بكل تواضع: "بالفعل وقعت في خطأ ما، لأنني أؤمنبضرورة أن تصل السینما للجمھور، ومن غیر المقبول صناعة فیلم تكون نتیجته مقاعد خاویة،ومن ثم في حالة فشل الفیلم تجاریًا، تعني أنه لا بد أن صانعھا قد ارتكب خطأً ما. ولكنیبقى الفیلم من وجھة نظري عملًا مھمًا بین أعمالي، ولست نادمًا على صناعته، كان ینبغيصناعته بطریقة أخرى تجعله أكثر جاذبیة، للمتفرج، فالعيب ليس على المتفرج ولكن صانعالعمل".
تنطبق صفة احترام الجمهور على أجيال سابقةبأكملها، كان الفنان فيها يتصف بالثقافة والوعي وسعة الصدر للانتقاد، لا يتعالىعلى جمهوره مقابل جيل يفتقد هذه القدرة، ولا يدرك أهمية احترام الجمهور، وحتميةخضوع من يمتهن الفن للنقد والتقييم.
فنانو الغيتوات
إذ يبدو أنه ليس مجرد خطأ عابر بل حالة يعيشهاكثير من الفنانيين، وهي الانعزال عن الجمهور، بل ينظرون إليهم نظرة طبقيةواستعلائية، على عكس الأجيال السابقة من الفنانين.
بعض فناني الجيل الحالي، أصبح يعيش في "غيتوات"خاصة بهم، مكتفين بأصدقائهم وعائلاتهم ومجاملة بعضهم بعضًا في الحفلات التي تجمعهمأو على منصات التواصل الاجتماعي، غير عابئين بآراء النقاد أو الجمهور وكأنهم يصنعون الأعمال لأنفسهم.
الكاتب عبدالرحيم كمال ينتقد الظاهرة
المحسوبية في الوسط الفني
كما لفت تصريح فراج الانتباه إلى ظاهرة المجاملاتفي الوسط الفني وإسناد الأدوار للمقربين والعمل ضمن شلة "مجموعاتمصالح"؛ فيكون الاختيار بناءً على العلاقات الشخصية وليس الموهبة، كما سلطالضوء على ظاهرة التوريث في الفن لأبناء الفنانين المشهورين وأقاربهم رغم موهبتهمالمحدودة، ما يمنح الفرص التمثيلية لغير مستحقيها، حارمًا منها الموهوبين الباحثينعن فرصة.
وامتد الاستهجان الجماهيري إلى العائلة بكاملها،وبينهم الفنانة بسنت شوقي التي نعتها الجمهور بأنها ممثلة غير موهوبة تستمد وجودهاوشهرتها على الساحة من كونها زوجة لمحمد فراج فقط، فضلًا عن كونها ابنة لاعب الأهلي السابق شوقي عبد الشافي، وعمها اللاعبالشهير السابق عبد العزيز عبد الشافي.
وعلقت الفنانة داليا شوقي على الانتقادات التي تعرضتلها بسبب انفعالاتها التي وُصفت بالمستفزة في أحد مشاهد "سفاح الجيزة" قائلة إن:"الهجوم غريب وأشعر أنه - متعمد - وأنا فخورة بعملي والأشخاص المهمين فيحياتي وفي صناعة الفن أشادوا بي، ودا عندي بالدنيا".
ويبدو من حديثها أنها لا تعبأ بآراء الجمهوروتكتفي بآراء المحيطين بها، سواء من عائلتها أو أصدقائها في الوسط الفني.
ثم امتد الهجوم ضد الفنانة منال الفطاطري، وهي والدةبسنت وداليا شوقي التي قامت بتكفير الجمهور على صفحتها على "إنستغرام" وكالت لهمالإهانات قائلة: "إِلى معْشر قُرَيْش... إلىَ عَبَدَة الأصنام، داليا شوقي ممثلةموهوبة إنسانه تَنبض مشاعر وأحاسيس وتَفيض أدوات".
وتابعت "المشهد اللي فِئة من الناس بتتكلم عليهده فيه ناس كتير قوي قوي ماكنوش عايزينه يِخْلَص من كتر صِدْقُه وحَلاوته وتفاعلهموإحساسهم بها وبه، براڤوو داليا... أبدَعتى جامد. شكراً وشاپوه ليكي وياللا هَل منمَزيد ومبروك نجاح المسلسل ونجاحك حبيبتي".

هذا الأمر لم يثر غضب الجمهور بل امتد إلى صناعالأعمال الفنية وبينهم الكاتب والسيناريستعبد الرحيم كمال الذي كتب على حسابه الشخصي على "فايسبوك| قائلًا إن "ظاهرة أن الفنانين وأهالي الفنانين وقرايبهمونسايبهم يشتموا الجمهور ويشتموا النقاد ظاهرة عجيبة جدا..وتُرسخ لمفهوم جديد فني بيميزعصرنا وهو مفهوم (البزرميط)".
سقطات متكررة
جاء تصريح فراج وأفراد أسرته صادمًا، ويثيرالتساؤل إذا كان الجمهور ليس من حقهانتقاد الفنان وإبداء رأيه في الأعمال الفنية التي يشاهدها، إذًا من يحق له التقييم؟ فالجمهور هو صانع النجوم، ومحمد فراج نفسه هو صنيعة محبة الجمهور وإشادته بأدائهعلى مدار مشواره الفني، فراج الذي امتدح الجمهور أدواره وأشاد بتمثيله أصبح يعتبرالانتقاد مأجورًا ومدفوع الثمن، هل يعتبر حينها أن الإشادة مدفوعة الأجر أيضًا؟
ينظر الجمهور إلى فراج أنه أحد المنتمين إلى فئة الفنانينالموهوبين المكافحين الذين بدأوا عبر المسرح الشبابي وورش التمثيل، وأسندت إليه الأدوارالصغيرة، حتى بلغ الشهرة تدريجيًا عبر موهبته وليس الواسطة ولا المحسوبية ولاوالوراثة.
في المقابل، لم يُبدِ النجم الصاعد امتنانًا لهذاالجمهور، بل وجه الإهانة ومارس الاستعلاء الواضح، ولم تكن تلك هي الشكوى الأولى أو الأخيرةمن فراج، فمنذ فترة نشرت إحدى الصحافيات تشتكي من سوء معاملته معها خلال اتصالتلفوني طلبت خلاله إجراء حوار صحافي معه.
وعي الفنان
أصبح عدم قبول الفنانين للنقد بمثابة ظاهرة،متغافلين أنه يتحتم على الفنان أن يتحلى بقدر من الوعي وتقبل لوجهات النظر المختلفةوهي إحدى علامات النضج، بجانب ألا يتسم بالتعالي، خصوصًا أن الجمهور لم يرتكب خطأً بلأبدى رأيه في أحد المشاهد ذات الأداء المصطنع، وهذا النقد قد يكون أحيانًا مؤشرًا علىتفاعل الجمهور، ما يساهم في انتشار العمل الفني، فالجمهور هو صانع النجوم وهو أيضًاالقادر على إزاحتهم من الساحة.
لكن يبدو أن البعض ينظرون إلى الجمهور على أنهمجرد أداة يستخدمونها كيفما أرادوا، فإذا أشاد الجمهور امتدحوه وإذا انتقدهم وجهواإليه اللعنات، متغافلين أنه مهما بلغت موهبة الفنان ونجوميته، فسيظل بحاجة للتوجيهوالتقويم، وهو ما يتأتى عبر النقد، فلا أحد يبلغ الكمال.
نبض