29-08-2023 | 08:49

بعد العبث بمدافن أحمد شوقي وطه حسين والامام الشافعي... ما مصير التراث الجنائزي في مصر؟

على مدار تاريخ مصر لم تكن الجبّانات والمقابر بالنسبة إلى المصريين مُجرد ثرى يواري جثامين ذويهم، بل كانت داراً للبقاء وبداية حياة أبدية في عالم آخر،
بعد العبث بمدافن أحمد شوقي وطه حسين والامام الشافعي... ما مصير التراث الجنائزي في مصر؟
Smaller Bigger
 
على مدار تاريخ مصر لم تكن الجبّانات والمقابر بالنسبة إلى المصريين مُجرد ثرى يواري جثامين ذويهم، بل كانت داراً للبقاء وبداية حياة أبدية في عالم آخر، فأهرامات الجيزة ومقابر دهشور ووادي الملوك في الأقصر وغيرها، خير شاهد على ذلك. 
لم يختلف المصري القديم عن نظيره في العصور الوسيطة أو الحديثة، فارتبط المصريون في وقتنا المعاصر بأمواتهم بأشكال عدّة، بينها حرصهم على زيارة موتاهم والجلوس معهم، ويذهبون محمّلين بالأطعمة والفاكهة ويوزيعونها على المارة والفقراء والسائلين المنتشرين في محيط تلك المقابر.
 
خلال الأيام الماضية انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي صور هدم وإزالة أجزاء من جبانات في منطقة "القاهرة التاريخية"، وبينها مقابر الإمام الشافعي والسيدة نفيسة؛ فأصابت الرأي العام بالصدمة والغضب، إذ تأتي إزالتها لكونها تقع في مسار مشروع إنشاء محاور وجسور مرورية، رغم أنّ عمر هذه الجبانات يمتد الى أكثر من 1000 عام، وتحتضن بين جنباتها رُفات شخصيات تاريخية وأعلام السياسة والأدب والفن والعلوم على مرّ العصور، وتحوي كثيراً من الروائع الأثرية والمعمارية التي تُؤرّخ لعصورٍ تاريخية ممتدة، وهندسات العمائر الجنائزية المختلفة. وهي تضمّ ايضاً جداريات مكتوبة بالخط العربي بتواقيع لعظماء الخط العرب. فهذه المدافن لا تجمع مجرد عظام وشواهد قبور، لكنها جزء من هوية القاهرة وتؤرّخ لسيرتها.
 
 
 
مقبرة أمير الشعراء
في هذا السياق، نشر مهتمون بالتراث صوراً لمقبرة أمير الشعراء أحمد شوقي في السيدة نفيسة، وقد تعرّضت للتخريب والسرقة. فتواصلنا مع ابراهيم طايع، أحد المهتمين بتوثيق المقابر وشواهدها، فقال لـ "النهار العربي": " فوجئنا خلال مرورنا لتفحّص مقابر المشاهير أثناء عملية الهدم، أنّ مقبرة أمير الشعراء تعرّضت للسطو، ولاحظنا اختفاء كثير من التراكيب الرخامية المهمّة ولم يتبق سوى شاهد القبر المحفور عليه اسمه، إذ تعرّض المدفن لعملية تخريب وسرقة، حيث انتشر خلال الفترة الأخيرة لصوص يسطون على المحتويات الثمينة، مثل الأبواب والشبابيك والرخام، لبيعها".
 
يحاول طايع في مبادرة تطوعية منه، التوثيق لهذه المقابر قبل إزالتها، والبحث عن شواهد القبور التاريخية والقطع المهمّة والأثرية، ومن ثم تسليمها إلى وزراة الآثار أو الأوقاف. ومن بين ما تمّ العثور عليه شاهد قبر يتجاوز عمره الـ 1000 عام يحمل اسم "أُمامة بنت يحيى" ويعود للعصر العباسي، تمّ العثور عليه عندما حدث الهدم في مقابر الإمام الشافعي عليه.
 
 
 
تاريخ القرافة في مصر 
نشأت "القرافة" في مصر منذ دخول الإسلام، حيث دفن المسلمون الأوائل موتاهم. تعني كلمة "القرافة" مقبرة الموتى، وسُمّيت بذلك نسبة إلى أول من دُفن فيها، ويُنسب إلى قبيلة "بنو قرافة"، وتضمّ القاهرة قرافتين متجاورتين هي الكبرى والصغرى، تقع الكبرى في الفسطاط، أما الصغرى فتحت سفح المقطم، وتضمّ مقابر الإمام الشافعي وغيرها.
 
يحظى الموتى بمكانة جليلة لدى المصريين، والموت بالنسبة إليهم هو بداية الخلود؛ لذا كانت هذه الجبّانات قبلةً للأحياء والفقراء والمشرّدين وأيضاً الصوفيين، يعيشون فيها حيث الهدوء، وبنوا فيها المساجد والكتاتيب والاستراحات والأسواق، ومن ثم تُعتبر "القرافة" بكل محتواها كتلة واحدة بما تضمّه من مبانٍ وشوارع وأشجار، تركيبة متكاملة لا يصلح قطعها بطريق، ومعظم الأحواش في تلك "القرافات" مرّ عليها أكثر من 100 عام، أي أنّها تُعتبر أثرية، حتى لو لم يتمّ تسجيلها، وهي الحجة التي تسوّقها الحكومة بالقول إنّها غير أثرية تبريراً لإزالتها.
 
من بين ما تمّ هدمه مدفن عتقاء الأمير إبراهيم حلمي نجل الخديوي إسماعيل، وخطّاط الحرم النبوي وكسوة الكعبة عبدالله الزهدي، وهناك المهدّد بالإزالة مثل مدفن علي باشا فهمي، رغم إدراجه ضمن التنسيق الحضاري باعتباره طرازاً مميزاً في العمارة الجنائزية، ومدفن محمود سامي البارودي، الشاعر والسياسي المصري وأحد قادة ثورة عرابي، ومقبرة الشيخ محمد رفعت، وعلي مبارك، المؤرّخ وأحد رواد التعليم ونهضة مصر الحديثة. 
ومقبرة عائلة ذو الفقار حيث مدفن الملكة فريدة التي نُقل رقاتها لمقبرة الرفاعي، والفنان صلاح ذو الفقار ومحمود وعز الدين ذو الفقار، وأيضاً البرنس يوسف كمال، والذي تُعتبر مقبرته رائعة معمارية، وحالياً يتمّ تفكيك تركيباتها تمهيداً لإزالتها، وكمال هو أحد أمراء الأسرة العلوية ورحّالة جغرافي، وعُرف بدعمه للعلم والفنون، وأسهم في تأسيس الجامعة المصرية الأهلية، ومؤسس كلية الفنون الجميلة والإنفاق على بعثاتها وفنانيها، وتأسيس الأكاديمية المصرية للفنون في روما.
 
ويرى طايع أنّ "القرافة" هي إحدى المصادر لاستقاء التاريخ عبر شواهد القبور، حيث توضح الشخصيات المهمّة والتواريخ الدقيقة مثل الميلاد والوفاة، فحتى الكتب التاريخية قد تضمّ معلومات خاطئة، أما الشواهد فتُنبئ بالحقيقة، وعند هدم أو إزالة هذه القبور وشواهدها، سنفقد مصدراً مهمّاً للتوثيق.
 
 
 
التخريب العمدي للقاهرة التاريخية 
 "القاهرة التاريخية"، اسم يُطلق على المناطق التاريخية للقاهرة الإسلامية قبل التوسع الحديث للمدينة خلال القرنين التاسع عشر والعشرين، (تشتمل منطقة الجمالية والدرب الأحمر والغورية والمعز لدين الله وغيرها)، وهي بما تضمّه من "قرافات" مسجّلة في "اليونيسكو" كمنطقة تراث عالمي، إذ تحتوي هذه الجبانات آثاراً وتراثاً معمارياً مميزاً، وبعضها ليس مسجّلاً بالضرورة كآثار لدى الدولة، لكنها تُعتبر أثراً نظراً للمدة الزمنية التي مرّت عليها وبالطراز المعماري المميز والشخصيات البارزة  التي تضمّها.
 
لا أحد يعلم على وجه الدقّة الأماكن المستهدف إزالتها، إذ لا تتوافر بيانات رسمية توضح مسارات الطرق الجديدة، حيث يتفاجأ الناس بعلامات الإزالة بين عشية وضحاها، لكن مسارات الطرق حتى الآن جاءت في جميع "القرافات" سواء الأباجية تحت سفح جبل المقطم، أو السيدة نفيسة، والإمام الشافعي و"قرافة" السيوطي في منطقة السيدة عائشة، وهناك علامات وُضعت بالفعل على "قرافة المجاورين" تمهيداً للإزالة، لتوسعة طريق صلاح سالم.
 
رغم التنديد بهذا التخريب العمدي، لكن حتى الآن لم يسفر ذلك عن تراجع أعمال الإزالة، رغم تشكيل لجنة من قِبل رئيس الجمهورية أوصت بعدم الهدم وتقديم حلول بديلة، لكن من دون جدوى.
 
يقول عبد العظيم فهمي مؤسس مبادرة سيرة القاهرة التاريخية لـ "النهار العربي": "طاول الهدم بنايات مهمّة وتراثية ليست مسجّلة ضمن الآثار، لكن وجودها وأهميتها لا يمكن نكرانهما، فثمة منشآت مرّ عليها أكثر من 100 عام، بُنيت على الطراز المملوكي، ويعود بناؤها لنهاية القرن التاسع عشر، فضلاً عن أنّ هذه المباني تضمّ تحفاً فنية على  مستوى العمارة والزخارف والنقوش وفنون الخط العربي". 
 
ويحذّر فهمي من خطورة التشبث بإزالة هذه المقابر قائلا: "سنخسر هذه الكنوز المعمارية والتراثية. فالحفاظ على التراث أهم من كوبري أو طريق".
 
 
 
التراث الجنائزي بين الهدم والسرقة 
يُعتبر التراث الجنائزي في العصر الوسيط والعصور الإسلامية والحديثة (فترة حكم محمد علي وما بعده) مهدّداً بسبب ما يحدث له. فبالتوازي مع أعمال الهدم والإزالة تصاعدت أعمال السرقة بشكل كبير، وهي كارثة أخرى لا تقلّ عن كارثة الإزالة التي خلقت حالة الفوضى، فتعرّضت مقابر الكثير من المشاهير إلى العبث والسرقة والتخريب.
 
وحذّر فهمي: "تحدث أكبر عملية سرقة للقرافة من التُرابية (العاملين في المدافن) وأتباعهم وبعض اللصوص، إذ يبادرون بسرقة القطع المعمارية المهمّة والتركيبات الرخامية والفنية والبراويز واللوحات الفنية القديمة ذات القيمة المرتفعة، والأبواب الخشبية العتيقة تمّت سرقتها بالفعل.
ويرى فهمي، أنّه كان يوجد بدائل كثيرة، وبينها إعادة ترميم المهدّم والحفاظ على المتبقي، وكان يمكن عمل مسارات في "القرافة"، وفتح الأحواش كمزارات تدريجاً.
 
يُشار إلى أنّ أعمال الهدم في مقابر الإمام الشافعي والسيدة نفيسة ليست الأولى، فمنذ نحو ثلاثة أعوام هُدم جزء من جبانة المماليك من أجل شق طريق "محور الفردوس"، وطاول العبث مقابر المشاهير وبينهم مدفن طه حسين آنذاك، وغير معلوم الخطة الحكومية، والجبانات الأخرى مستهدفة، إذ تغيب الشفافية، وهي مشكلة تواجه الصحافيين والباحثين والمتخصّصين، فلا أحد يمتلك المعلومة ولا يعرف خطواتهم المستقبلية في عملية الهدم، وثمة خوف أن يمتد العبث لمزيد من المواقع التراثية والجنائزية  في القاهرة، تحت حجة التطوير، متغافلين أنّها تعبّر عن هوية ثقافية ووطنية لمدينة القاهرة.
 

الأكثر قراءة

المشرق-العربي 4/14/2026 4:20:00 AM
لـ"إسهاماتهم في خدمة القضية الفلسطينية وصون الذاكرة الوطنية والثقافية"...
شمال إفريقيا 4/13/2026 12:00:00 PM
مصر تحت صدمة وفاة البلوغر بسنت سليمان بعد بث مباشر مأساوي من شرفة منزلها
كتاب النهار 4/14/2026 2:23:00 PM
اتفاق السلام مع إسرائيل ليس مطروحاً الآن قبل تحقيق مجموعة من الشروط اللبنانية التي سيطرحها الوفد المفاوض