الفيلم الإيطالي"حنين"... قصّة الصّداقة والذّنب والفداء
استنادًا إلى رواية للكاتب أرمانو ريا، قدّم المخرج الإيطالي ماريو مارتون، ابن مدينة نابولي، فيلماً من إنتاج إيطالي - فرنسي، بعنوان الرواية نفسه "حنين".
يتوغل مارتون في مدينته نابولي بعمق، يقدّمها من خلال شخصية فيليس (الممثل بير فرانشيسكو فافينو)، وهورجل عاد إلى مسقط رأسه "حي سانيتا" في قلب مدينة نابولي، بعد 40 عامًا من العيش في الشرق الأوسط.
لكنّه لم يعد كما تركها، بل عاد اليها وقد أصبح مسلمًا، ملتزماً بالفروض وامتنع عن شرب الخمر وأجاد اللغة العربية، التي كان يمزجها مع اللهجة النابولية. ومن خلال شخصية "فيليس"، جسّد روح البحر الأبيض المتوسط ، في السمات الجسدية والثقافات الشاملة.
يضيع ابن نابولي الغائب في مدينته بين حجارة البيوت والكنائس، بلغة يشعر أنها غريبة، لكنها في الواقع لغته، يستمع فيليس من الجيران وأهالي المنطقة إلى الحال التي وصلت إليها نابولي وقد تحولت إلى مدينة إجرام ودعارة ومخدرات.
وبعد لقائه الأول بوالدته (تلعب دورها أورورا كواترو تشي)، كان يقلب في صور الطفولة والمراهقة وما وراء تلك الصور من ماض يلتهمه، حتى وقعت عيناه على صورة له وهو على متن دراجة نارية بصحبة صديق قديم، شيء ما هزّه عند رؤية هذه الصورة بالتحديد، قام بإخفائها على الفور.
استناداً إلى رواية أرمانو ريا بعنوان "حنين"، قدّم المخرج الإيطالي ماريو مارتون فيلماً بالعنوان نفسه، من إنتاج إيطالي - فرنسي (شارك في مهرجان القاهرة الدولي الأخير).
يتوغل مارتون أرمانو، ابن نابولي، في قلب مدينته ليقدّمها عبر شخصية فيليس (الممثل بير فرانشيسكو فافينو)، الرجل الذي عاد إلى مسقط رأسه "حي سانيتا" في قلب مدينة نابولي، بعد 40 عاماً من العيش في الشرق الأوسط، وقد أصبح مسلماً ملتزماً بالفروض وامتنع عن شرب الخمر وأجاد اللغة العربية، التي كان يمزجها مع اللهجة النابولية. ومن خلال شخصية فيليس، جسّد روح البحر الأبيض المتوسط، في السمات الجسدية والثقافات الشاملة.
يضيع ابن نابولي الغائب في مدينته بين حجارة البيوت والكنائس، بلغة يشعر أنها غريبة، لكنها في الواقع لغته، يستمع فيليس من الجيران وأهالي المنطقة إلى الحال التي وصلت إليها نابولي وقد تحولت إلى مدينة إجرام ودعارة ومخدرات.
وبعد لقائه الأول بوالدته (تلعب دورها أورورا كواترو تشي)، كان يقلب في صور الطفولة والمراهقة وما وراء تلك الصور من ماض يلتهمه، حتى وقعت عيناه على صورة له وهو على متن دراجة نارية بصحبة صديق قديم، شيء ما هزّه عند رؤية هذه الصورة بالتحديد، أخفاها على الفور.
رمزية العري والتطهر
يقرر الابن الضال العناية بوالدته المُسنة، التي تعيش بمفردها وتعاني أمراض الشيخوخة وقد بدا على مظهرها الإهمال التام، فيذهب فيليس للتبضع لشراء ملابس داخلية جديدة لها وقد أخذ على عاتقه مهمة الاعتناء بنظافتها الشخصية.
وفي مشهد التحضير للاستحمام، مرت لحظات بطيئة وبدا الإيقاع يقظاً ونقلته الكاميرا بدقة ترجمت مشاعر الارتباك والخجل بين الأم والابن، إحساس الابن بالبر، الذي لا يخلو أيضاً من التوجس عند استعداده للوضوء بأن يرى والدته عارية تماماً!
تداخلت هنا فكرة العري الرمزية بعري ماضيه الذي تداعى إلى ذهنه وهو ما يسعى إلى تطهيره أيضاً. لقد نظر فيليس إلى المرآة أثناء أداء الوضوء ثلاث مرات، في كل مرة كانت تلك الإيماءات الهادئة تعلن عن هشاشة جميلة في قصة عودة وذكريات، عند مسح وجهه بالماء كأنما كان يقزم قدرات الخيال المتضاربة لديه بين جسد أمه ولغز الطفولة القديم، أما الأم التي تحاملت على نفسها وتعرت بالكامل بعد امتناع، شعرت بعد الاستحمام والتطيب والتعطر بولادة جديدة واسترخاء تام انتهى بعده دورها سريعاً!
محدودية الزمن في دور الأم مدروسة لكونها الرابط بين الماضي والحاضر، وبعد مشهد موتها عادت كل الروابط القديمة وهنا ظهرت تضاريس الحنين مثل الندوب التي لا يمكن الشفاء منها، كان يمكن لـ"فيليس" مغادرة مصر مرة أخرى، حيث ينتظره شريكه الطبيب وتنتظره زوجته، تقوم بالدور الممثلة المغربية صوفيا السعيدي، التي تتحدث اللهجة المصرية بلكنة ركيكة! وتلك أحد أخطاء الفيلم المزعجة والمتكررة في العديد من الأفلام الغربية التي تهمل جانب الدقة في الحضور العربي.
بين سراديب الموت
لماذا لا يغادر فيليس إذاً؟ يتكشف لنا الأمر عندما يتنفس فيليس الأمكنة ثم يحاول جمع إحداثيات التعايش وراء كل زاوية مظلمة، بحثاً عن أرضه وجذوره، هذا التسلسل الزمني الذي يأخذ كفايته ربما كان ضرورياً لمعرفة كيف يتحرك البطل بثقة مهزوزة، لغة الجسد المحرجة لشخص ما في مكان لم يعد يعرفه جيداً ولا يتقن آلياته.
على سبيل المثل، في أحد المشاهد الخارجية، يقف فيليس في وضح النهار وراء تجمع غفير لسماع خطاب الكاهن (هو ذاته الذي ترأس قداس جنازة والدته).
يتحدى الكاهن في خطابه عصابات نابولي بإنقاذ الأولاد من الشارع من خلال ممارسة الرياضة والموسيقى ويناشد الأهالي منفعلاً لنبذ العنف، فينهي النداء بتشبيهات تداعب العاطفة الجماعية: "علينا أن نكون كالشمس التي تسقط في القمامة لكنها لا تتسخ بل تشرق من جديد"، هنا يمضي فيليس متجاوزاً الشعارات التي تُظهر "نابولي" مثل استعارة لمفترق طرق! وكل ما يشغل باله هو تفكك الصداقة بينه وبين صديق المراهقة أوريست.
لماذا؟ وما الذي يدفعه لاتخاذ هذه الخطوة؟
يخبرنا الفلاش باك أنه خلال عملية سطو ليلية في شقة، يقوم أوريست، صديق المراهقة (توماسو راجنو)، بقتل مالك الشقة الذي استيقظ فجأة وقام بقطع عضوه الذكري بوحشية، كان "فيليس" معه أثناء الواقعة، ومنذ ذلك الحين لم ير صديقه مرة أخرى، لقد فرّ إلى الخارج هرباً من أي مسؤولية أو عقاب.
الأول هو الشخص الذي "أنقذ" نفسه، وصنع حياته المهنية وبنى أسرة، والثاني بقي في نابولي، وحده وحشاً يحرّكه العنف والبطش.
الخطيئة والغفران
يشعر الآن أنه عليه أن يشرح كل شيء لشريكه القديم في عمليات السطو والسرقات، شعور ينطوي على الرغبة في نيل الغفران، مشاعره المتداخلة تقلقه، خوفه، الحاجة إلى إنقاذ نفسه مما لم يشعر بالذنب تجاهه، وقبل كل شيء عدم إنكاره أبداً، لكن من الخطر الآن، وبعد تحذيرات الكنيسة له مراراً بالابتعاد والعودة إلى مصر وتحذيرات مشفرة من قبل "أوريست" نفسه، كحرق دراجته وتدمير مسكنه الجديد مع كل تلك المؤشرات، هناك قوة من الحنين لا تستطيع الفرار من العواقب القصوى، تجاهل "فيليس" كل التحذيرات وتحوّل الخوف ببطء إلى ثقة بالنفس وإيجابية مفرطة.
فالحنين بالنسبة ِإلى فيليس يعني الانتماء والمأوى ومرحلة ختامية لحياة عاشها على أكمل وجه، وبالنسبة إلى "أوريست" يعني الموت!
المواجهة
إذاً أراد فيليس مقابلة "أوريست" الزعيم القاسي للحي بأي ثمن، مع التنويه هنا أن نقطة الفيلم مبنية بالكامل على التقاء هذا التضاد، لكنّ المواجهة بينهما ظهرت بطريقة كليشيه تشبه الأسلوب العربي القديم في الإخراج. فمن حيث التكوين نرى الشخصية الأولى ذات شعر داكن وابتسامة سمحة، وهو كما ذكرنا الشخص الذي "أنقذ" نفسه، وصنع حياته المهنية والأسرية، والثاني ذو شعر وشارب أبيضين، مقطب الجبين قاسي الملامح، بقي في نابولي، وحده، مثل شبح، يحركه العنف والدم.
ينعكس هذا التضاد أيضاً على منطقة سانيتا، بين النهار والليل، والتي تم تكوينها كقوة جذابة لكل من البطل والكاميرا التي تقدم لنا تكراراً لمحات عن المدينة، بصورة بانورامية على المباني ثم محاولة إنقاذ ما يمكن إنقاذه لاحقاً.
بالعودة إلى مشهد المواجهة الفاتر، دار بينهما حوار مقتضب أنهاه الزعيم أوريست برسالة تحذيرية أخيرة: (أحياناً تكون الذكريات القديمة كالأشباح، سنلعب لعبة: تدخل مملكتي وأدخل مملكتك ونرى من سيجد مخرجاً!)
انتهت اللعبة بمقتل فيليس على يد أوريست في أحد أزقة نابولي، ولكي يقتل معه أثر الحنين انتزع من معطف صديقه صورتهما القديمة كآخر دليل إلى صداقتهما التي تحولت إلى دماء على الإسفلت.
رغم بعض الهنّات في حبكته، يضعنا الفيلم إزاء نقل شخصية داخل مشهد انتقل فيه الحنين من الذاكرة، إلى الوعي.
كل شيء يُلغى ويضيع باسم البقاء، الذي لا يزال حتى يومنا هذا يعيد الإنسان إلى ضراوته الأصلية، إنها نهاية دائرة المشاعر.
عرض فيلم "حنين" للمرة الأولى في الشرق الأوسط ضمن عروض الأفلام الخاصة بقسم بانوراما الدولي لمهرجان القاهرة السينمائي في الدورة ال 44 خارج المسابقة الرسمية السينمائي وكان العرض الأول في المسابقة الرسمية لمهرجان كان ، وفاز بعدها بـ4 جوائز من بينها أفضل مخرج و أفضل ممثل و أفضل نص مقتبس . كما فاز لاحقاَ بالجائزة الكبرى في مهرجان الرباط السينمائي و مثل إيطاليا في مسابقة الأوسكار عام ٢٠٢٣
الأكثر قراءة
الخليج العربي
5/29/2026 12:33:00 AM
شهد الحفل حضور عدد من كبار الشخصيات الإسلامية، وضيوف خادم الحرمين الشريفين، إضافة إلى رؤساء الوفود وممثلي مكاتب شؤون الحجاج.
لبنان
5/28/2026 5:35:00 PM
يسبق يوم العيد عشر ليال، تسمى عند الموحدين الدروز ليالي العشر، يقوم فيها المشايخ والشيخات بالتوجه نحو المجالس الدينية والمقامات وأداء الصلاة كل ليلة. وكثيرون لا يعرفون أن الموحدين الدروز يصومون خلال هذه الفترة.
فن ومشاهير
5/27/2026 4:12:00 PM
وشهدت الأشهر الماضية تداول أنباء متكرّرة عن زواجهما، إلا أنّ الإعلان الرسمي عن ارتباطهما تأجّل حتى الآن.
موضة وجمال
5/26/2026 10:26:00 AM
يبدو أنّ اللون الأزرق بات يحتلّ مساحةً أساسية في اختيارات الملكة رانيا وقد برز ذلك جليّاً خلال إطلالاتها الأخيرة.
نبض