سيرة جديدة لأورويل تُبرز شغفه بالديموقراطية والنساء!
بوصف أصدقائه المقرّبين وكُتّاب السِير الذاتية الذين واكبوا تفاصيل حياته، كافح الروائي البريطاني جورج أورويل طويلاً كي يصبح صوته مسموعاً؛ سواء فعلياً من خلال برامجه التي كانت تُذاع عبر الراديو، أو مجازياً عبر كتاباته المتنوعة في الصحف ومن ثم في فنّ الرواية.
ومع أنّه عمل كصحافي إذاعيّ لدى هيئة الإذاعة البريطانية خلال الحرب العالمية الثانية لأكثر من عامين، وغالباً ما كان برنامجه يُذاع على الهواء مباشرة، لم يتمّ العثور قط على أي تسجيل صوتي له. ولو أنّ بعضهم وصف صوته بأنّه أجشّاً بنبرة لندنية تقليدية.
أما في عالم الأدب، فلا شك أنّه كان أحد أعظم الأصوات في القرن العشرين. مع اختلاف واضح في صوته الأدبي بين رواياته الأولى ورواياته الأشهر كـ "مزرعة الحيوانات" و"1984". حتى أنّ صوته كمراسل يتحدث عن الخنادق والجنود وعمّال المناجم، لا يشبه صوت كاتب العمود في صحيفة "التريبيون"، ومن ثم الروائي المعروف.
الآن، بعد 120 عاماً من ولادته، كيف يمكننا فهم تناقضات أورويل وأصواته المختلفة؟
في محاولة إضافية، لكشف جوانب خفية من حياة أورويل وشخصيته، أصدر الكاتب دي جي تايلور سيرة غيرية ثانية تتمحور حول الكاتب البريطاني بعنوان "الحياة الجديدة"، لتكون بمثابة امتداد غني لكتابه الأول "الحياة" عام 2003، وقد برّر تايلور حاجته إلى الكتابة عن أورويل من جديد، بوجود الكثير من المعطيات والرسائل المكتشفة حديثاً، التي من شأنها شرح شخصية أورويل وأفكاره وخلفية كتاباته بشكل أفضل، منها بعض الرسائل حول اهتمامه بالجدل الديني، فضلاً عن العديد من الرسائل الغرامية التي تُظهر علاقاته المتعدّدة رغم زواجه.
علماً أنّ أورويل أصرّ في وصيته على عدم كتابة سيرة ذاتية عنه بعد وفاته. لذا إن كان شبحه سيطارد شخصاً ما، فمن المحتمل أن يكون دي جي تايلور هو المستهدف الأول!
يتألف الكتاب الجديد من ثمانية فصول بمحتوى مختلف، استطاع تايلور من خلاله أن يقرّب القرّاء من حقيقة أورويل، في رحلة كرونولوجية واسعة النطاق، تمتد من طفولته في الثايمز إلى سنواته الأخيرة في جزيرة جورا الاسكتلندية. على طول الطريق، نتعامل مع روايات دقيقة عن الفترات الرئيسية من حياة أورويل.
روايته الأولى
وُلد الرجل الذي سيصبح جورج أورويل باسم إريك بلير في الهند، حيث كان والده ريتشارد بلير مسؤولًا في الخدمة المدنية الهندية لإدارة تجارة الأفيون المربحة. نشأ إريك في جنوب إنكلترا، والتحق بالمدارس الخاصة، حتى أنّه حاز على منحة دراسية في كلية إيتون، لكنه كان طالباً متوسط المستوى في الكلية.
عند مغادرته إيتون، توجّه إلى بورما كضابط شرطة، وهناك قضى سنوات خمس أفضت إلى كتابته روايته الأولى "أيام بورما"، وإلى سلسلة من المقالات، رسم فيها أورويل صورة حادّة للقمع الاستعماري وعواقبه على البشرية.
تمّ تسريح إريك بلير من الخدمة بعد خمس سنوات بسبب نوبة حمى الضنك الخطيرة، وعند عودته إلى إنكلترا نقل الخبر إلى أسرته بأنّه لن يعود إلى تولّي مهام عسكرية وأنّه مصمّم على أن يصبح كاتباً.
أمّا قراره الثاني، فكان في التخلّص من زخارف الطبقة الثرية التي ينتمي إليها والاختلاط بحياة العمال، وفي التخلّي عن مناصب تمنحه السلطة والقوة ليتمكن من إيصال صوت المستضعفين.
نُشر كتابه الأول على شكل مذكرات بعنوان "متشرّداً في باريس ولندن" في عام 1933 تحت اسمه المستعار الجديد، جورج أورويل. وقد حظي كتابه باهتمام جيد في حينها.
كتب الكثير من الروايات والمراجعات والتحليلات السياسية ومقالات السخرية، فضلاً عن الشعر. وكانت أكثر سنواته نشاطًا في خضم معارك سياسية عميقة وجدلية. وكان التزامه السياسي والاجتماعي مصدر الهام لكتاباته على ما يشرحه تايلور في هذه السيرة. وقد عُرف عن أورويل أنّه لا يتراجع عن القتال من أجل أي قضية يؤمن بها.
حياته الشخصية
بالاعتماد على مواد غير منشورة، يعرج تايلور في سيرته الذاتية على تعقيدات الحياة الشخصية لأورويل، منها علاقته الصعبة بوالده الذي أراد لابنه مهنةً مختلفة، وعلاقات الحب المتعدّدة، وبحثه المستمر عن الإيمان الروحاني في عالم فَقَد فيه الإيمان الديني التقليدي سيطرته، على ما كان يقول. وقد يُفاجأ بعض القراء بمعرفة اهتمام أورويل المستمر والعميق بالقضايا الدينية والجدلية المقامة حولها.
وفقاً للكتاب الجديد، لم يكن أورويل على يقين ديني، لكنه كان يبحث عن أخلاقيات علمانية من شأنها أن تحدّ من الاستبداد وتنهي إساءة استخدام السلطة غير المحدودة. ومن السهل تلمّس ذلك عبر كتاباته.
ككاتب، كان أورويل يبحث باستمرار عن الحقيقة والوضوح. وبصفته ناشطًاً سياسياً، دخل إلى عالم الأحزاب السياسية. ودفعه قراره بالذهاب إلى إسبانيا وقت الحرب الأهلية الإسبانية إلى إدراك أنّ الحرب كانت أكثر تعقيداً مما كان يظن. في الأصل كان يعتقد أنّه سينضمّ إلى اللواء الدولي عند وصوله إلى برشلونة، ولكنه قرّر الانضمام إلى مجموعة أصغر من اليساريين المستقلّين. وفي تحية لكاتالونيا قدّم لنا أورويل في كتاباته ومقالاته اللاحقة وصفاً مخيفاً لقسوة الستالينيين ومعسكرهم.
بعد أن أُصيب في رقبته برصاص قنّاص ونجا بأعجوبة، عاد إلى إنكلترا. وعندما وقّع مولوتوف وريبنتروب على اتفاق عام 1939، الذي يقسّم أوروبا الشرقية بين الاتحاد السوفياتي وألمانيا النازية، خلص أورويل إلى أنّ الديموقراطية بحاجة إلى التعبير عن صوتها. ومن هنا جاء الهجاء اللاذع عبر كتابه "مزرعة الحيوانات" ومن ثم تصويره للواقع المرعب في كتابه "1984".
صحياً، عانى أورويل لسنوات عديدة من مرض السل. وبحسب دي جي تايلور، كان يسابق الزمن لإنهاء مخطوطة رواية "1984" التي اعتبرها أهم كتاباته.
وإذا كان إنهاء الرواية هو أولويته، فقد كان همّه الثاني هو العثور على زوجة بديلة. علاقته الجيدة بزوجته إيلين لم تمنعه من ملاحقة نساء أخريات على مرّ السنوات. ويبدو أنّ قائمة النساء اللواتي حاول جذبهن عبر مراسلتهن، طويلة. إذ برزت في مذكراته رسائل لكل من جاكينثا وبريندا واليانور ودوروثي وسيليا وغيرهن.
ويقول تايلور في كتابه، إنّه بعد وفاة زوجة أورويل، أصبحت رسائله الغرامية أكثر جدّية، حتى أنّه كتب لسيدة تدعى آن :" أسألك حقاً إن كنتِ ترغبين في أن تكوني أرملة رجل أدبي".
الأكثر قراءة
أهالي بلدة مغدوشة تلقوا اتصالات من الجيش الإسرائيلي تضمنت تحذيراً من وجود عناصر لـ"حزب الله" بين النازحين
نبض