23-07-2023 | 14:32

"لعبة الشطرنج"بين الأدب والواقع... استغراقٌ عميقٌ في رقعة الوهم

مزيجٌ من ذهنيةٍ مُعقدةٍ وبسيطةٍ في آن. عناصر فنية تعتمد على التخطيط الذكي. استراتيجية تتطلب رسماً دقيقاً وحساباً ويقظةً لحركةِ أحجارٍ تتقدم أو تتراجع في نظام محدد، على امتداد رقعة مكوّنة من 64 مربعاً من اللونين الأبيض والأسود. والأهمّ، حماية "ملكٍ" يقف بخمولٍ وخيلاء محاطاً بحاشيته التي تستميت في الدفاع عنه، وصولا إلى اللحظة التي يُحاصر فيها ويسقط لتنتهي اللعبة بعبارة "كش ملك". هذه هي لعبة الشطرنج. واحدة من أشهر الألعاب الذهنية عراقةً على مدى التاريخ البشري، وقد احتفل العالم بيومها العالمي في العشرين من يوليو/ تموز، كما في كل كل عام.
"لعبة الشطرنج"بين الأدب والواقع... استغراقٌ عميقٌ في رقعة الوهم
Smaller Bigger

مزيج من ذهنية مُعقدة وبسيطة في آن. عناصر فنية تعتمد على التخطيط الذكي. استراتيجية تتطلب رسماً دقيقاً وحساباً ويقظةً لحركةِ أحجار تتقدم أو تتراجع في نظام محدد، على امتداد رقعة مكوّنة من 64 مربعاً من اللونين الأبيض والأسود. والأهمّ، حماية "ملك" يقف بخمول وخيلاء محاطاً بحاشيته التي تستميت في الدفاع عنه، وصولاً إلى  اللحظة التي يُحاصر فيها ويسقط لتنتهي اللعبة بعبارة "كش ملك".

هذه هي لعبة الشطرنج. واحدة من أشهر الألعاب الذهنية عراقةً على مدى التاريخ البشري، وقد احتفل العالم بيومها العالمي في العشرين من يوليو/ تموز، كما في كل كل عام.

إنها اللعبة التي رفض المهاتما غاندي تعلمها معللاً السبب بقوله: "لم أتعلم لعبة الشطرنج لأني لم أحب أن أقتل جيشي وجنودي كي يعيش الملك". فكم من بلاد تحولت إلى "رقع شطرنج" فداءً لأيديولوجية، أو مذهب، أو حاكم أحاطه الإيمان الساذج بهالة من الوهم، لتتحول خراباً وموتاً فداءً لكل ما سبق؟

هذا الوهم يأخذ شكله المغاير و"المرضي" لدرجة الهلوسة، سواء لدى بطلي المسلسل الأميركي القصير Queen's Gambit"  The" (مناورة الملكة)، المقتبس عن رواية والتر تيفيس بالعنوان نفسه وعرضته منصة نتفليكس في أكتوبر/ تشرين الأول 2020، أو رواية "لاعب الشطرنج" للكاتب النمساوي ستيفان تسفايج (ترجمها تحية حقي).

 
 
 

شاتورانجا أو الشاترانق 

هذه اللعبة مارسها الملوك والعباقرة، شرقاً وغرباً من أباطرة الصين وبلاد فارس، إلى خلفاء بني العباس كالمعتضد وهارون الرشيد وغيرهم من القادة مثل صلاح الدين الأيوبي.

ووفقاً لما يذكره الماوردي في كتابه "الحاوي الكبير"، لعبها أيضاً كبار الصحابة من أبرزهم: الحسن بن علي، وأبو هريرة، وعبد الله بن عباس. وذكرها عدد من المؤرخين العرب على رأسهم ياقوت الحموي والأصفهاني، وشرح قواعدها أبي زيد البلخي في كاتب منفرد، ليحملها زرياب معه في ما بعد إلى الأندلس.

تركز المصادر التاريخية على  الأصل الهندي لها، تسمى "شاتورانجا" وتعني "أربعة أقسام" كونها تشير إلى أقسام قطع اللعب المؤلفة من المشاة والفرسان والفيلة والعربة، ونشأت تحديداً في القارة الهندية الشمالية في زمن حكم أسرة غوبتا (543-319)، لتنتشر عبر طريق الحرير نحو بلاد فارس، وكان يشارك فيها أربعة لاعبين. وتذكر وثيقة فارسية تعود لعام 600 أنّ سفيراً هندياً قدم إلى الملك خسرو (579-531) وأهداه رقعة شطرنج، لتشتهر فيها بعد باسم "الشاترانق".

ومن ثم انتقلت غرباً نحو جزيرة العرب وبيزنطة، ومنها إلى أوروبا وروسيا مع حلول القرن الحادي عشر كما جاء في مخطوطات ألفونسو (كتاب الألعاب)، وهي مجموعة نصوص تتحدث عن ثلاث ألعاب كانت دارجة خلال القرون الوسطى من بينها لعبة تتشابه في طريقة ممارستها وقوانينها مع لعبة "الشاتراق" الفارسية.

 

 

هلوسة الرّقعة

في المسلسل القصير "مناورة الملكة"، الحائز جوائز إيمي وغولدن غلوب لأفضل مسلسل محدود، وأفضل ممثلة لأنيا تايلور عن دور بيث هارمون، وجائزة نقابة ممثلي الشاشة عن الفئة ذاتها، نتابع قصة طفلة معجزة في الخمسينات ومنتصف الستينات من القرن الماضي، تجاوزت أزماتها العائلية ويُتمها لتصبح أفضل لاعبة شطرنج في العالم.

تبدأ حكاية بيث مع اللعبة في دار الأيتام بعد وفاة والدتها، بعيداً من والدها الذي هجرهما، وهي في سن التاسعة. تلعب الحبوب المهدئة التي تُمنح للفتيات في الدار دوراً في خلق هلوسات ارتبطت لدى بيث بتخيّل رقعة شطرنج، ما أدى لاحقاً إلى إدمانها.

بسبب تلك الخيالات والتصورات التي تعززها المهدئات تصاب بـ"هوس الشطرنج" والتفوق بها كأنثى، رغم أن "اللعبة ذكورية"، بطريقة تشبه إلى حد ما الخلايا الرمادية التي تحفز هيركيول بوارو بطل قصص البوليسية لأغاثا كريستي في حل ألغاز الجرائم.

المهدئات التي تحصل عليها بيث منذ الصغر كانت في أول الأمر بمثابة محاولة نكران ووسلية لكي تتناسى واقعها، لكنها وبعد مشاهدة أحد العمال في الدار يلعب الشطرنج، تتحفز لديها القدرة على التخيل وإنعاش الصورة المرتبطة بلعبة الشطرنج وتتحول إلى محفز قاتل شيئاً فشيئاً.

يرتبط لديها اللعب بتناول تلك الحبوب، وهو ما يزينه لها وهمها أو عقلها الباطن، وتصور الخطط التي يمكن أن تفوز منها على خصومها. لكنها سرعان ما تكتشف هوة الوهم الذي سقطت به. لكنها فقط تقرر التخلص من تلك الحبوب قبل مباراتها مع خصمها الروسي، وبالفعل من خلال مراجعة الخطط، وبمساعدة صديقيها هاري بيلتيك وبيني واتس تتمكن من تحقيق الفوز وتتحرر من قيود ماضيها المعذّب. 

بعد سنوات يتم تبني بيث من عائلة ليكسينغتون، وتسعى ربيبتها إلى دعمها في المشاركة في مسابقات الشطرنج التي تحقق فيها بيث نجاحاً وشهرة واسعة. ولكن من أجل الاستفادة من العوائد المالية التي تحققها بيث، ينتهي بها المطاف إلى إدمان الكحول والمخدرات.

 

 

أنا اللاعب، وأنا الخصم 

في روايته الأشهر "لاعب الشطرنج" أو "اللعبة الملكية" التي صدرت سنة 1941، يشرح لنا الكاتب النمساوي المرموق ستيفان تسفايغ صدمته وخيبة أمله من العالم، كرسالة وداعية للحياة لأنه انتحر بعدها.

يقدم في هذا العمل سرداً تفصيلياً رائعاً يجمع بين "الهوس السابق"، ومحاولة النجاة من خلال محاولة البطل في سجنه تصور "وجود مواز" يعاكس واقعه المأساوي الذي انتهى به في زنزانة نازية بيضاء، حتى أن من كان يقدم له الطعام لا يتكلم معه حرفاً، أمام هذا البياض القاتل والصمت المطبق، أراد أن يتحرر منه بكتاب، بأي أداة تسلية. ليقع بعد مغامرة كادت أن تكون مميتة، الحصول على كتاب لتعلم لعبة الشطرنج. وجده أول الأمر غير نافع، ليصاب بالكآبة ويقرر تجزية وقته بقراءته.

 ومن ثم، يحاول التغلب على بياض سجنه، بتعلم اللعبة، تجربة الخطط والحركات والاستغراق في تصور رقعة وهمية موجودة برأسه. لكنه لا يتوقف عند هذا الحد من إدمان الوهم و"قسوة العقل" الذي كان ينجو خلاله من اليأس والوحدة.

 
 

هكذا يبدأ بقسم نفسه نصفين، لاعب وخصم في آن واحد. ليتلبس كل توترات الشخصيتين وسعادتهما وضمورهما وغضبهما في ذاتٍ واحدة تقوده إلى الجنون في آخر المطاف.

الرواية التي صنفت على قصرها (80 صفحة) تحت ما يُسمى بـ"أدب الحرب"، والتي اعتبرت على عكس توقعات كاتبها المنتحر كأحد أنضج الروايات في الأدب الأوروبي، تضع قارئها بطرافتها وسخريتها المُرة أمام استمرارية عبث الوجود الإنساني القائم على طبقات من جنود وقلاع وفرسان "خشبية" تموت في سبيل آخرين، كأدوار منوطة بهم منذ الأزل. تحمل رمزيتها المرتبطة بالحرب التي تُدار على رقعة الأرض يومياً، ولكن أشد دموية وبشاعة، إنسان يتكالب على "النصر" حتى لو كان مجرد وهم.

الأكثر قراءة

العالم العربي 4/2/2026 12:41:00 AM
عشرات طائرات "A-10 Thunderbolt II" في طريقها إلى الشرق الأوسط… "Warthog" تعود إلى الواجهة
ايران 4/2/2026 3:29:00 PM
يُوصف الجسر بأنه "أطول جسر في الشرق الأوسط" وأحد أكثر الجسور تعقيداً من الناحية الهندسية في المنطقة.
اسرائيليات 4/2/2026 6:02:00 PM
ظاهرة لافتة في تل أبيب تمثّلت في تحليق كثيف لأسراب الغربان، بالتزامن مع استمرار الحرب والهجمات الصاروخية