رحل أمس عن عالمنا "عميد المتشائمين في الأدب الأميركي"، الكاتب الهائل الحائز على جائزة بوليتزر، كورماك مكارثي، عن عمر يناهز 89 عاماً في منزله في ولاية نيو ميكسيكو الأميركية.
اشتهر مكارثي بنثره السوداوي، ومقاربته التي لا هوادة فيها للموت والعنف والأشخاص غير الأسوياء. حتى أنه جادل ذات مرة بأنه لا يرى أي فائدة على الإطلاق في الأدب الذي لا يُسهب في الموت.
وقال في مقابلة نادرة له: "لا توجد حياة من دون إراقة دماء. الاعتقاد بأنه من الممكن تحسين الكائنات البشرية بطريقة ما، وأن بامكان الجميع العيش في وئام، ما هو إلا فكرة خطيرة حقًاً".
لذلك ليس مستغرباً أن رواياته بدت قاتمة في نقل الحالات البشرية لا بل كانت في كثير من الأحيان مروعة إذ تضمنت مشاهداً لقطع الرؤوس والحرق المتعمد والاغتصاب وسفاح القربى والمجازر وأكل لحوم البشر.
صاحب رواية "الطريق" تمرد على كل ما هو عادي، حتى أنه كان ضد علامات الاقتباس والفواصل المنقوطة، لكن ذلك لم يمنع النقاد من الاحتفاء به كواحد من أبرز المؤلفين الأميركيين في عصره إلى جانب فيليب روث ودون ديليلو وتوماس بينشون. كما ورد اسمه كثيراً في السنوات الأخيرة على لائحة الفائزين المحتملين بجائزة نوبل في الأدب.
شهرة متأخرة
كان مكارثي يبلغ من العمر 60 عاماً تقريباً عندما جذبت روايته السادسة "كل الخيول الجميلة" اهتمام القراء في عام 1992، وحازت جائزة أفضل كتاب وطني.
وفي عام 2006، حصد جائزة البوليتزر عن روايته "الطريق"، وهي رواية مرهقة تتحدث عن كفاح الأب وابنه للبقاء على قيد الحياة في مشهدية ما بعد نهاية العالم. علماً أن الروايتين تم تحويلهما إلى أفلام سينمائية ناجحة. وكذلك الحال مع رواية "لا مكان للرجال المسنين" التي تمحورت حول تجارة المخدرات والقتل بلا رحمة.
ولد تشارلز مكارثي في 20 تموز (يوليو) عام 1933 في بروفيدنس فيرود آيلاند. قبل أن تنتقل عائلته إلى نوكسفيل حيث عمل والده كمحام. نشأ مكارثي، وهو الأكبر بين ستة أطفال، في منزل جميل يعج بالخدم محاط بغابات مورقة. وسبق وأن صرح قائلاُ :"كنا نعتبر أثرياء لأن الناس من حولنا كانوا يعيشون في أكواخ من غرفة واحدة أو غرفتين".
وسط التنشئة الكاثوليكية التي تضمنت تعليماً في مدرسة سانت ماري ومدرسة نوكسفيل الكاثوليكية الثانوية، لطالما كان مكارثي متمرداً بعض الشيء. عن تلك الفترة، قال: "شعرت في وقت مبكر أنني لن أكون مواطناً محترماً..لقد كرهت المدرسة منذ اليوم الذي وطأت قدمي فيها".
التحق مكارثي بجامعة تينيسي للعلوم والفيزياء عام 1951 ليتركها بعد عام واحد للانضمام إلى القوات الجوية، حيث خدم في ألاسكا لأربع سنوات. هناك، ولمكافحة الملل، أمضى وقته في القراءة ووقع في حب الأدب.
بانتقاله إلى شيكاغو، عمل في مستودع لقطع غيار السيارات. لكنه قرر العودة إلى تينيسي في عام 1961 ، وفيها أنهى روايته الأولى "حارس البستان" التي تتحدث عن جريمة قتل لا يعرف فيها ابن القتيل أن صديقه الجديد هو المجرم الذي قتل والده.
آنذاك، أرسل مخطوطة الرواية إلى دار نشر "راندوم هاوس" لأنه كان الناشر الوحيد الذي سمع عنه على ما قاله، إذ كان الدار آخر ناشري ويليام فولكنر، ومن المعروف عن مكارثي اعجابه الكبير بفولكنر، حتى أنه لطالما اتهم في بداياته باقتباس أسلوبه.
وقد جرى تكريم مكارثي بجائزة مؤسسة وليام فولكنر عن روايته الأولى، إلا أن "حارس البستان" باعت بضعة آلاف من النسخ. وفيما فشلت روايات مكارثي التالية "الظلام الخارجي" عام 1968 ، "طفل الرب" عام 1973 و"ساتري" عام 1979، في جذب انتباه الناس إلا أنها لفتت انتباه الكاتب شاول بيلو، الحائز على جائزة نوبل للآداب ، الذي أشاد بـ "استخدام مكارثي الغني للغة".
بعد حصوله على زمالة ماك آرثر في عام 1981 ، بناءً على توصية بيلو، سافر مكارثي إلى تكساس ونيو مكسيكو وأجزاء أخرى من الجنوب الغربي الأميركي. في تلك الأمكنة وجد صوته الأكثر ثباتًا وتميزًا، واستلهم منها موضوعات لكتاباته التالية.
منحته أموال ماك آرثر الوقت لكتابة "خط الدم"، الذي يرى العديد من النقاد أنه أفضل كتاب له. وهو كتاب سريالي معادٍ للغرب ومغمور بالدماء حول عصابة من صيادي فروة الرأس والخارجين عن القانون في تكساس والمكسيك.
كتب مكارثي أكثر من 12 رواية تراوحت في شعبيتها، لكن السمة المشتركة بينها جميعاً أنها عكست تبني مكارثي للسوداودية والتشاؤم والتركيز على إظهار بشاعة الارتكابات البشرية في أميركا، وذلك في وجه الأدب الذي كان يروج للتفاؤل ويحتفي بـ"الحلم الأميركي". ولم يتوقف عن الكتابة قط، رغم رفضه للظهور الاعلامي وايثاره الابتعاد عن الأضواء.
نُشر آخر كتابين لمكارثي وهما "الراكب" و"ستيلا ماريس" في نهاية العام الماضي. وفيما تدور رواية "ستيلا ماريس" حول مستشفى للأمراض النفسية في ويسكونسن، بحيث تقوم البطلة أليسيا ويسترن، (20 عاماً) بادخال نفسها للفحص فيها لأنها كانت تهلوس؛ تتمحور رواية "الراكب" حول سائق سيارة سباق يرى أشياء لا يجب أن يراها، وهو يشبه مكارثي إلى حد ما في قلة الكلام وطفولته في نوكسفيل وولعه بنيو أورلينز وحياتها الليلية.
يذكر أنه قبل رحيله، باع كورماك مكارثي أرشيفاته، المتمثلة بـ 98 صندوقً من الرسائل والمسودات والملاحظات والأعمال غير المنشورة، إلى جامعة ولاية تكساس في عام 2008 مقابل مليوني دولار. وفي عام 2009، باع الآلة الكاتبة التي كتب عليها كل رواياته في مزاد علني بمبلغ 255 ألف دولار، ليشتري في اليوم التالي واحدة عوضاً عنها بعشرين دولار ويواصل كتابة أعماله.
إثر رحيله، أصدر دار "راندوم هاوس" بياناً ينعي فيه مكارثي ورد فيه أن الكاتب رحل "لأسباب طبيعية". عبارة لا ترد عادة في نعي كبار السن، لكن ربما تعمد الدار قولها للتأكيد أن نهاية مكارثي لم تكن سوداوية أو قاتمة كما حال الكثير من الشخصيات في رواياته.
نبض