أحدثهم علي المقري... فرسان الوسام الفرنسي وتأثيرهم الأدبي
يعكس وسام الفنون والآداب برتبة فارس، الذي تمنحه وزارة الثقافة في الجمهورية الفرنسية للمبدعين المتميزين في المجالات الأدبية والفنية، احتراماً وتقديراً كبيرين لهؤلاء النابهين، الذين يسهمون في تعزيز الآداب والفنون في بلادهم وفي فرنسا وعلى مستوى العالم أجمع، وفق بروتوكول منح الوسام المرموق.
وقد استحق هذه الجائزة الشرفية الفرنسية الرفيعة، منذ انطلاقها في أيار (مايو) 1957، عدد غير هيّن من الكُتّاب والفنانين العرب، من أصحاب المنجزات الرصينة الراسخة، التي تجمع بين الأصالة والتعبير عن الهوية المحلية من جهة، والقدرة على ملامسة الجوهر الإنساني المشترك، وآمال البشر وآلامهم، من جهة أخرى.
ومع نيل الروائي اليمني المقيم في فرنسا علي المقري وسام فارس للفنون والآداب، وتقلده الوسام قبل فترة وجيزة خلال لقائه مع وزيرة الثقافة الفرنسية ريما عبد الملك، يتجدد الحديث عن الحصاد العربي لهذا الوسام الذي يحمل اسْم رئيس الجمهورية الفرنسية، والحيثيات المتنوعة (الفنية وغيرها) لهذا الحصاد العربي المتفوق، الذي اقترن بأسماء مبدعين كثيرين، منهم نجيب محفوظ ومحمود درويش وعبد العزيز المقالح وجمال الغيطاني ومحمد سلماوي وعلاء الأسواني ومي التلمساني في الأدب، وفيروز وماجدة الرومي ومارسيل خليفة والمايسترو هشام جبر في الفن، وغيرهم.

عموميات وخصوصيات
مع كل إعلان عن فوز مبدع عربي بوسام الفنون والآداب الفرنسي برتبة فارس، تسرد الجهة المانحة والمحللون والمراقبون مجموعة من المعايير والاعتبارات والملابسات، المسمّاة بحيثيات هذا الفوز.
وهي في مجملها تبرز ملامح خصوصية كل مبدع فائز، وتكشف سمات تفرّده، وترسم بدقة خرائط بصمته الذاتية، وتوضح الإضافة النوعية التي قدّمها في المشهد الإبداعي، إلى آخر هذه القياسات الجمالية والفنية المجرّدة، المألوفة عند إعلان سائر الجوائز الدولية الكبرى.
وعلى الرغم من كون كل مبدع عربي متوّج هو حالة فردية لها مواصفاتها التي تميزها في التتويج عن مواصفات الحالات الأخرى وظروف تتويجها، فإنّ هناك في الوقت نفسه مظلة من العموميات التي ينتظم تحت خطوطها العريضة معظم "الفرسان" الحاصلين على الوسام الفرنسي.
ولا يعني ذلك بطبيعة الحال وجود أي تنميط أو شروط أو آراء مسبقة أو خليفات جاهزة تؤثر بأي شكل من الأشكال على جدية الاختيار وعمق أدواته ونزاهة توجهه، وإنما هي مؤشرات تبلور فلسفة هذا الاحتفاء الفرنسي البارز، وطبيعة نظرة الجائزة إلى الإبداع والدور المنتظر منه، إلى جانب بعض الأمور الأخرى الإجرائية.
ومن تلك المؤشرات مثلاً، أن يكون الإبداع المكلل بوسام بلد الأنوار إبداعاً تنويريّاً طليعيّاً بالضرورة، جريئاً ومقتحماً وحرّاً وشجاعاً ومتسامحاً، يتحمّس للتطوير والتغيير والانفلات، ويدعو إلى المقاومة ورفض الصيغ الثقافية والسياسية والمجتمعية القديمة والمعطيات الفاسدة المفروضة، ويناهض التعصب والمفاهيم الجامدة البالية، ويثور على الديكتاتوريات والتابوهات السلطوية بوجوهها المتعددة، إلى آخر هذه اللمحات الإشعاعية والنضالية التقدمية، والمتسقة مع مبادئ المدنية الحديثة.
أما الأمور الإجرائية، البديهية عادة، فمنها مثلاً ضرورة حضور المبدع الفائز وتحققه في الثقافة الفرنسية والفضاء الفرنكفوني، بالوجود المباشر أو بالترجمة الوافية، ليتاح الاطلاع على منجزه وتقييمه بموضوعية.
وفي ضوء الخصوصيات الجمالية الفردية (الحالة الشخصية الاستثنائية)، والعموميات من المؤشرات والإجراءات العامة، يصير من الممكن مقاربة فوز علي المقري الأخير، وكذلك استعادة تفاصيل فوز بعض المبدعين العرب بوسام فارس الفرنسي في سنوات سابقة.

تحريك المياه
أحدث من فازوا بالوسام الفرنسي من "الفرسان" العرب، مُفجّري الكلمات ومُحرّكي المياه الآسنة، هو الروائي اليمني علي المقري (56 عاماً)، وذلك "تكريماً لعطائه الأدبي في مجال الكتابة السردية والقصصية"، وفق بيان الجائزة.
وهو يقيم في فرنسا منذ عام 2014، مع احتدام الصراع الدموي في اليمن، وقد تُرجمت رواياته إلى الفرنسية والإنكليزية والإيطالية والكردية والفارسية ولغات مختلفة، ما وضع أعماله في متن ثقافات خارجية متنوعة.
خاض المقري في أعماله قضايا إشكالية ومثيرة للجدل، انحاز فيها إلى التحرر والتعددية ومقاومة الانغلاق الفكري، وحورب كثيراً من التيارات المتطرفة والتقليدية والمحافظة، إلى درجة اتهام البعض له بالتكفير، وممارسة الضغوط ضده. وقد مُنعت روايته "حُرْمة"، التي يتطرق فيها إلى تابوهات السياسة والدين والجنس والموروثات الجاثمة على الصدور والوضعية البائسة للمرأة في مجتمع ذكوري.
وعالج في رواية "طعم أسود.. رائحة سوداء" الأزمات الناجمة عن التمييز العنصري في اليمن، وتناول أوضاع اليهود في بلاده ومعاناتهم من الاضطهاد والتهجير في رواية "اليهودي الحالي"، من خلال علاقة عاطفية بين رجل مسلم وامرأة يهودية.
وفي رواية "بخور عدني" يتقصى علي المقري المعنى الحقيقي للوطن من خلال تقديم صورة التعايش السلمي بين المسلمين واليهود والمسيحيين وسائر الأديان والطوائف. كما يتعاطى بجسارة في روايته "بلاد القائد" مع سيطرة الديكتاتوريات على مقاليد الأمور في اليمن والكثير من الدول العربية، محللاً سيكولوجية الممارسات القمعية الاستبدادية، وداعياً إلى المقاومة الشعبية في "بلاد الثورة"، من أجل التخلص من هذه الانتهاكات الجسيمة المتكررة، التي باتت خبزاً يوميّاً للمواطنين المغلوبين على أمرهم.
سجلات التمرّد
وتحفل سجلات التمرّد في الإبداع العربي بأسماء كثيرة صنعت حضورها في المشهد الفرنسي، واستحقت نيل وسام فارس. ومن هؤلاء، الكاتبة المصرية مي التلمساني التي تقلّدت الوسام منذ قرابة عام، وهي تجيد الفرنسية كتابة وترجمة، وحاصلة على الجنسية الكندية، وتعمل بتدريس فنون السينما والدراسات العربية في جامعة أوتاوا.
تتحرك مي التلمساني (58 عاماً) في أعمالها من منظور كوني، وتتخذ قضية المرأة منطلقاً لإثارة إشكالات حقوقية والانفتاح على مقاصد إنسانية تتعلق بالعدالة والحرية وتغيير الأوضاع المستقرة في العالم العربي، على سائر الأصعدة. وتنفذ في روايتها "دنيا زاد"، على وجه الخصوص، إلى أعماق الهموم النسوية، مترصدة آليات تحالف القوى الرجعية في صيغة مؤسسية ضد تمكين المرأة.
وفي سياق التمرد والانفلات أيضاً، إلى جانب التحقق الواسع في المشهد الفرنسي، يمكن النظر إلى منح الكاتب والروائي والناشط السياسي المصري علاء الأسواني وسام الفنون والآداب برتبة فارس.
ينحاز الأسواني في مجمل كتاباته إلى التغيير وتحقيق أهداف ثورات الربيع العربي، منتقداً الديكتاتوريات السياسية والرجعيات الدينية على السواء. ويتطرق في رواياته إلى فضاءات بالغة الحساسية، محطّماً سائر التابوهات الدينية والسياسية والجنسية، كما في روايته "عمارة يعقوبيان" على سبيل المثل، التي يتعرض فيها للمثلية الجنسية والعديد من القضايا المجتمعية والسياسية والدينية الشائكة.

ولعله من الممكن، في السياق ذاته، الالتفات إلى فوز عشرات الأسماء الأخرى من المبدعين العرب بوسام الفنون والآداب الفرنسي برتبة فارس، في ضوء هذه الأفكار والتوجهات والممارسات التحررية والطليعية. وعلى رأس القائمة يأتي نجيب محفوظ، الحائز جائزة نوبل في الآداب.
ولم ينل محفوظ وسام فارس الفرنسي إلا في منتصف التسعينات، بعد فوزه بجائزة نوبل بنحو سبع سنوات. وأشار محفوظ عقب تكريمه إلى أن الثقافة الفرنسية أثرت في تكوينه بشكل كبير، كما أثرت في الحياة الثقافية المعاصرة في مصر.
وقد جاء التكريم الفرنسي لمحفوظ بعد ترجمة رواياته إلى الفرنسية على نطاق واسع. كما أن هذا التكريم جاء في أعقاب محاولة اغتيال محفوظ الآثمة بطعنات غادرة في عنقه بيد أحد المتطرفين، الأمر الذي يعكس فلسفة الوسام، ويؤكد اهتمام الجانب الفرنسي بالانتصار لرموز الاستنارة والتقدم في مواجهة الرجعية والتسلط والتخلف والغوغائية بكل صورها وتمثلاتها.
نبض