بعد أزمة "نتفلكس"... هل يمكن الحديث عن أصوليّة مصريّة جديدة؟
لم تكن حالة الغضب التي اشتعلت في مصر بعد إعلان نتفليكس عن إنتاجها لفيلم وثائقي عن الملكة كليوباترا- تجسدها ممثلة ذات بشرة إفريقية سوداء- أمرًا جديداً بل هو حلقة من ضمن حلقات الأصولية المصرية الحديثة والتي تشكلت بعد ثورة 25 يناير وارتفعت وتيرتها في العقد الحالي لتبدأ بقصة منع مسلسل «الملك» الذي يتناول قصة أحمس، الملك المصري، والمأخوذة أحداثه عن رواية «كفاح طيبة» لنجيب محفوظ، بعدما كان مقررًا عرضه في الموسم الرمضاني لعام 2021.
ولكن ما إن عُرِض البرومو الترويجي قامت الدنيا ولم تقعد بعدما رآه بعضهم بأنه يشوه الحضارة المصرية، وتم الاعتراض على اختيار بطل المسلسل (عمرو يوسف) المعروف بملامحه غير المصرية والذي ظهر بلحية على غير عادة الملوك المصريين في تلك الفترة، ما اعتُبر بمثابة خطأ تاريخي يُضاف إلى أخطاء أخرى وُصفت بالفجة وأدت في النهاية إلى منع المسلسل.
تلك الحادثة نتذكرها على ضوء ما حدث مع فيلم نتفليكس "كليوبترا" بعد كتابة شكاوى تطالب بمنعه لأنّ بطلته ذات بشرة سوداء، ما يعدّ تشويهًا للتاريخ والحضارة المصرية.
وأمام ما يحدث، لا بدّ أن نتساءل ما إذا أصبحت تهمة تشويه التاريخ المصري سيفًا مشهرًا في وجه الفن؟ والمسألة لا تتوقف عند شخصيات مصر القديمة بل تمتد إلى أعمال فنية أخرى تم وأدها قبل تصويرها مثلما حدث مع مسلسل «سيف الله المسلول» مثلاً على اعتبار أن خالد بن الوليد ليس شخصية مصرية، ما يكشف عن خصائص أو ملامح أصولية مصرية جديدة تفرض وصايتها على الفن والجماهير.
لم تكن حالة الغضب التي اشتعلت في مصر بعد إعلان نتفليكس عن إنتاجها لفيلم وثائقي عن الملكة كليوباترا - تجسدها ممثلة ذات بشرة أفريقية سوداء - أمراً جديداً بل هو حلقة من ضمن حلقات الأصولية المصرية الحديثة، والتي تشكلت بعد ثورة 25 يناير وارتفعت وتيرتها في العقد الحالي، لتبدأ بقصة منع مسلسل «الملك» الذي يتناول قصة أحمس، الملك المصري، والمأخوذة حوادثه عن رواية «كفاح طيبة» لنجيب محفوظ، بعدما كان مقرراً عرضه في الموسم الرمضاني لعام 2021.
ولكن ما إن عُرِض البرومو الترويجي حتى قامت الدنيا ولم تقعد، بعدما رآه بعضهم بأنه يشوّه الحضارة المصرية، وتم الاعتراض على اختيار بطل المسلسل (عمرو يوسف) المعروف بملامحه غير المصرية والذي ظهر بلحية على غير عادة الملوك المصريين في تلك الفترة، ما اعتُبر بمثابة خطأ تاريخي يُضاف إلى أخطاء أخرى وُصفت بالفجة وأدت في النهاية إلى منع المسلسل.
تلك الحادثة نتذكرها على ضوء ما حدث مع فيلم نتفليكس "كليوبترا" بعد كتابة شكاوى تطالب بمنعه، لأنّ بطلته ذات بشرة سوداء، ما يعدّ تشويهاً للتاريخ والحضارة المصرية.
وأمام ما يحدث، لا بدّ أن نتساءل ما إذا أصبحت تهمة تشويه التاريخ المصري سيفاً مشهراً في وجه الفن؟ والمسألة لا تتوقف عند شخصيات مصر القديمة، بل تمتد إلى أعمال فنية أخرى تم وأدها قبل تصويرها، مثلما حدث مع مسلسل «سيف الله المسلول» مثلاً، على اعتبار أن خالد بن الوليد ليس شخصية مصرية، ما يكشف عن خصائص أو ملامح أصولية مصرية جديدة تفرض وصايتها على الفن والجماهير.

يرتبط مفهوم الأصولية عادة بالأفكار المتطرفة التي تعتمد على عقائد دينية، وشاع استخدامه لأول مرة في أوائل القرن العشرين لوصف البروتستانت الإنجيليين في أميركا والذين شددوا على مثالية الإنجيل، وأكدوا ضرورة النظر إليه كوثيقة نصية تاريخية ملزمة، ثم أخذ المفهوم يتسع حتى وصل إلى ما هو عليه الآن، فيعرفه قاموس أكسفورد بـ«أنه الالتزام الصارم بالمعتقدات أو المذاهب التقليدية المنغلقة».
وفي قاموس الأميركان هيريتج بـ«التمسك الصارم بأي مجموعة من الأفكار والمبادئ الأساسية» أي أن المفهوم لم يعد مقتصراً على العقائد الدينية وحدها، بل يشمل أي أفكار متطرفة من الممكن أن تؤدي إلى العنف وحالات من التطهير العرقي والنبذ والاضطهاد والعنصرية.
ورصد علماء الاجتماع مجموعة من السمات التي تشترك فيها الجماعات الأصولية، وينطبق كثير منها على ما نطلق عليه الأصولية المصرية الجديدة الآخذة في التشكل والنمو بصورة قد تؤدي إلى نتائج خطيرة ما لم يتم الالتفات إليها وترشيدها، حتى لا تسير مصر على النموذج الهندي المتعلق بحركة «الهندوتفا» التي تعود أصولها إلى عام 1969، التي أصَّل لها كتاب يحمل الاسم ذاته، تأليف «في دي سافاركار».
اجترار الماضي
وتتشابه الأصولية المصرية الجديدة مع أصولية الهندوتفا وبقية الأصوليات على فكرة استعادة الماضي الحد الذي دعا البعض إلى إعادة تعليم اللغة المصرية القديمة في المدارس وإعادة إحيائها مرة أخرى، وتكون هي لسان أهل مصر، باعتبار أن عودة مصر إلى ماضيها القديم هو ما سيعيد إليها حضارتها وينقذها من المتاهات التي تعيشها.
وتعتمد هذه الأصولية على تعريف خاص للمصريين قائم على أساس عرقي، ربما يكون غير موجود في الواقع يستدعي مناطق وحوادث معينة من التاريخ ويرسم عليها فرضياته، ويدعو في أحد خطاباته المتطرفة إلى طرد من هم ليسوا ذوي دماء مصرية أو اعتبارهم مواطنين درجة أدنى، لأن التردي الحضاري الذي تعيشه البلاد في ظن هؤلاء يرجع إلى العرب الذين غزوا مصر والتقدم يكون بالعودة إلى الأصول.
وهي تعتمد على التكنولوجيا الحديثة للترويج لمثل هذه الأفكار ودغدغة مشاعر المصريين بالمجد المستلب الذي لن يعود إلا بتقديس الماضي والسير على خطى الأجداد القدماء.

النّقاء العرقي
بعض مؤيدي هذه الموجة يؤمنون بفكرة النقاء العرقي للمصريين، وأن لهم جنساً يختلف عن بقية شعوب الأرض من أفارقة وآسيويين وغربيين وشرقيين، فترفض الهوية العربية والأفريقية لمصر وتريدها أن تنفصل عن واقعها الجغرافي الذي يتوسط العالم القديم، وتكون هوية منفصلة تتفوق على الجميع بصورة مشابهة للماركسية السوداء في ألمانيا القائلة بتفوق الجنس الآري ألماني على كل الأجناس.
وتنبع الأصولية المصرية الجديدة في الغالب لدى جميع هؤلاء كرفض للتخلف الحضاري القائم، أي أن خطاب هذه الأصولية هو خطاب أزمة واحتجاج خطاب نكوصي يريد العودة إلى الوراء كحيلة نفسية للدفاع عن ذاته، وسط ما يراه رؤيا العين عبر المنصات الرقمية من تقدم مذهل وواقع تعيس يعيشه فيتعلق بشباك المجد التليد الواهية.
وكل مجموعة من هؤلاء لها رؤيتها الخاصة للشعب المصري وتعمل على خلق هوية جديدة له تتكئ بالأساس على رفض الهوية التي تعارضها، إن دينية أو سياسية أو اجتماعية، وفقاً لرؤيتهم الأيديولوجية الخاصة. وتعمل على اختزال حضارات مصر المتنوعة (المصرية القديمة، اليونانية، الرومانية، القبطية، الإسلامية) في حضارة واحدة وهوية ضيقة لا تتسع للجميع وترفض التعدد، وعادة ما تستخدم الهوية المصرية القديمة _الفرعونية_ لإلغاء وطمس هويات أخرى والعمل على قلب الهرم الحضاري والثقافي المصري نكاية في الأطراف التي تناوئها وفي صراعات سياسية داخلية وخارجية، تعمل على تزكية الاختلاف وشق وحدة النسيج الوطني، ليس على أساس ديني فقط بل عرقي وإثني. وفي هذه المعركة تكون الهوية المصرية القديمة مجرد أداة في هذه الصراعات، وليست مطلوبة لذاتها بل رد فعل ليس بالأصيل.
العاميّة المصريّة
ويضاف إلى ذلك مسألة العامية المصرية في مقابل الفصحى التي تأخذ البعد ذاته، فمع رفع الثورة العرابية شعار «مصر للمصريين»، وتبلور هذا الشعار أكثر فأكثر مع ثورة 1919 ودعوة أحمد لطفي السيد الذي يلقّب بمؤسس القومية المصرية الحديثة، ودعوته إلى تمصير كل شيء بما فيه الأدب، أي كتابته باللهجة المصرية، وكانت الدعوة مبررة وقتها، تجيب عن سؤال من نحن؟ مع سقوط الخلافة العثمانية، ورفض الاحتلال.
كانت تلك هوية قومية حديثة تتشكل لمصر، ترفض التبعية، وتجمع كل من يعيش على أرض مصر دون النظر إلى الدين، وهو ما ظهر في شعار ثورة 19 «يحيا الهلال مع الصليب»، فيما يذهب بعضهم الآن إلى البحث عن العرق ومعرفة كل ما هو مصري أصيل ومن هو مصري درجة ثانية وثالثة، وهذا ينذر بعواقب وخيمة ما لم يتم ترشيد الخطاب الأصولي النابع من الأزمة المصرية المعاصرة ومن تراجع دورها الإقليمي لحساب دول أخرى، ناهيك بالمشكلات الاقتصادية والاجتماعية التي تضرب بالداخل.
الأكثر قراءة
اقتصاد وأعمال
4/15/2026 2:20:00 PM
تمثّل الاستراتيجية الجديدة "تحوّلًا من مرحلة النمو والتوسع إلى مرحلة تعظيم الأثر الاقتصادي ورفع كفاءة الاستثمارات".
الخليج العربي
4/15/2026 10:00:00 PM
شددت على ضرورة "التزام حكومة جمهورية العراق بوقف ومنع كل الأعمال العدائية الصادرة من أراضيها"...
المشرق-العربي
4/16/2026 10:53:00 AM
تم خلال العملية ضبط ومصادرة أسلحة حربية وذخائر وجعب عسكرية كانت بحوزة أفراد الخلية
شمال إفريقيا
4/16/2026 10:47:00 AM
تصاعد الدور المصري في مفاوضات إيران يطرح احتمال تحوّل القاهرة من وسيط تقليدي إلى شريك فعلي في صياغة التسوية.
نبض