19-03-2023 | 18:53

​المصرية مروة نبيل تثير جدلاً حول مستقبل "السفر في الزمن"

​ لا ينتهي الجدل المثير حول الزمان، من حيث طبيعته ومفاهيمه وقوانينه، وإمكانية السفر بين طياته، وعلاقته بالغة الخصوصية بالمكان، أو ما يُسمّى بالزمكانية، وكأن الزمان والمكان كيان واحد في حقيقة الأمر، على حد ما ذهب إليه المتصوفة قديمًا، وفق مقولة محيي الدين بن عربي "الزمان مكان سائل، والمكان زمان متجمد". إنه الزمان، ذلك القريب البعيد، الواضح الملغز، الذي نعرفه جيدًا، ولا نعرفه نهائيًّا، في الوقت ذاته، مثلما رأى القديس أغسطينوس (354-430) في عبارته الشهيرة "ما الزمن؟ أنا أعرف ما هو، طالما لم يسألني أحد عنه. أما إذا سئلتُ عنه، وأردتُ تفسيره، فإنني لا أعرف!".
​المصرية مروة نبيل تثير جدلاً حول مستقبل "السفر في الزمن"
Smaller Bigger

لا ينتهي الجدل المثير حول الزمان، من حيث طبيعته ومفاهيمه وقوانينه، وإمكانية السفر بين طياته، وعلاقته بالغة الخصوصية بالمكان، أو ما يُسمّى بالزمكانية، وكأن الزمان والمكان كيان واحد في حقيقة الأمر، على حد ما ذهب إليه المتصوفة قديماً، وفق مقولة محيي الدين بن عربي "الزمان مكان سائل، والمكان زمان متجمد". إنه الزمان، ذلك القريب البعيد، الواضح الملغز، الذي نعرفه جيداً، ولا نعرفه نهائيّاً، في الوقت ذاته، مثلما رأى القديس أغسطينوس (354-430) في عبارته الشهيرة "ما الزمن؟ أنا أعرف ما هو، طالما لم يسألني أحد عنه. أما إذا سئلتُ عنه، وأردتُ تفسيره، فإنني لا أعرف!".

 

وفي أحدث إصداراتها "مفهوم الزمان: جدل برغسون – آينشتاين"، عن دار "روافد" في القاهرة، تجدد الشاعرة والباحثة المصرية مروة نبيل، فلسفيّاً وعلميّاً وفكريّاً وأدبيّاً، النقاش الخصيب المثمر حول السفر في الزمن، حاضره ومستقبله، وتطورات أبحاث "الزمكان" في ما بعد نظرياته الفارقة خلال القرن العشرين، وعلى رأسها نظرية النسبية لأبرت آينشتاين (1879-1955)، ونظرية الزمان الحدسي أو مبدأ الديمومة لدى هنري برغسون (1859-1941).

 

ومن أهم ما توصلت إليه في دراستها الشيّقة، ذلك الذي وضعت يدها عليه من مستجدات الفيزياء الفلكية، وتحوّلات مفهوم الزمان الفيزيائي إلى الزمان الكمي بعد آينشتاين، حيث راح الفيزيائيون المعاصرون يدمجون النسبية وميكانيكا الكم في نظرياتهم الأحدث. ومن هذا المنطلق، تطرقت الباحثة لنظريات الثقوب السوداء، والتمدد الكوني، والانفجار العظيم، واستعرضت تفاصيل عملية السفر عبر الزمان، وهي فكرة تظل دائماً لصيقة بالفلسفة مهما تعززت بالأبجديات العلمية والممارسات العملية.

 

 

منظومة متاهات

عبر أربعمئة صفحة من المادة الرصينة المحكمة، تذهب مروة نبيل، خرّيجة قسم الفلسفة في كليـة البنـات في جامعة عين شـمس؛ وصاحبة الدواوين الشعرية اللافتة "وديعـة كبقرة" و"ضـد اليومية" و"عمائي"، إلى أن كل الاجتهادات العلمية والفلسفية حول الزمان لا تنفي عنه أنه لا يمكن وصفه بسهولة، فهو ذلك الذي بحث الإنسان الأول عن تغيراته، واجتهدت الحضارات القديمة لقياسه، وتحدث عنه الرعيل الأول من الفلاسفة والعلماء، وحددته الأديان وذكرته كل الرسالات السماوية.

 

وهذا الزمان، الذي كان مطلقاً في فيزياء إسحاق نيوتن (1642-1727)، وصار نسبيّاً على يد آينشتاين، هو الزمان الطبيعي أو الزمان الفيزيائي، الذي لا يمكن إنكاره أو مقاربته بأي زمان آخر تتحدث عنه الفلسفة كالزمان الذاتي أو الزمان الصوفي، أو يتحدث عنه العلم كالزمان الرياضي، أو يتناوله الأدب كزمان الشعر أو زمان الرواية. ويبقى هذا التأكيد الأولي ضروريّاً للنجاة من متاهات عدة، تتعلق بعوالم المادة، والوعي، والميتافيزيقا، وغيرها.

 

وتتناول الباحثة المصرية، في أطروحتها الجامعية التي نالت عنها درجة الماجستير في "الآداب: فلسفة العلم"، ستة محاور رئيسة هي: "الجذور التاريخية لمفهوم الزمان"، "آينشتاين- الزمان النسبي"، "برغسون - الزمان الحدسي"، "أثر الديمومة والزمكان في الفكر الفلسفي المعاصر"، "ماذا بعد آينشتاين؟"، "جدل برغسون - آينشتاين".

 

وفي إطار مقابلتها بين الزمان الفيزيائي النسبي، والزمان الحدسي الشعوري، فإنها تستطرد في طرح ذلك التشارك الأصيل للفلسفة والعلم في صياغة مفهوم الزمان عبر العصور، مبرزة أن مفهوم الزمان هو أحد المفاهيم الضرورية والمهمة، ليس فقط في الفكر العلمي والفلسفي، وإنما في الفكر الإنساني المعاصر بشكل عام.

 

وقبل قراءتها الاستكشافية لأحدث أبحاث الزمكان والسفر عبر الزمان في الآونة الأخيرة، تستعرض مروة نبيل الفروق الجوهرية بين أبرز نظريتين حول الزمان، اقترنتا بآينشتاين وبرغسون في القرن العشرين.

 

ففي نسبية آينشتاين يتجسد الزمان والمكان كوجه واحد هو "الزمكان"، الذي يمثل نسيجاً محوريّاً يحدد بنية الكون كاملاً؛ والذي تأسست على وجوده شتى نظريات الطبيعة في الفلسفة والفيزياء المعروفة اليوم.

 

وفي حين أحدثت النسبية ثورة على كل المفاهيم العلمية والفلسفية للزمان قبلها، فإن "البرغسونية" قد وجهت النقد لمفهوم الزمان النسبي، طارحة فكرة الزمان الحدسي أو "الديمومة"، وهي عند برغسون لا ترتبط بالمكان أو الزمان الآني المستمر، بخلاف النسبية التي أقرت بفيزيائية الزمان وارتباطه التام بالمكان قبل الإقرار بنسبيته.

 

آينشتاين

 
 

فتوحات جديدة

وعن مستجدات أبحاث الزمكان والسفر عبر الزمان ونظريات الثقوب السوداء والتمدد الكوني والانفجار العظيم، تشير مروة نبيل إلى أنه لا توجد نظرية فيزيائية أو فلسفة جديدة يمكنها أن تفصل الزمان عن المكان، لكنّ المستجدات الآنية تنحصر في اشتراك النسبية مع عوامل تكنولوجية متقدمة في تطوير علم الفلك، ليبزغ نجم الفيزياء الفلكية، وعلماؤها كلهم يبحثون في مجال الجاذبية الكمية، الذي يكاد يوحّد بين قوانين النسبية العامة، وميكانيكا الكم. وهكذا، صارت مناقشة الزمكان تستدعي مناقشة بنية الكون، وسلوكه، ومولده، وفنائه، ما يعني مناقشة بدايته وتمدده واحتمالات تناهيه، وهي الديناميكية المعروفة في نظريتي التمدد الكوني، والانفجار العظيم، حيث لا تزال معادلات آينشتاين تقدم إجابات عن أسئلة قديمة محيّرة، من قبيل: هل للكون حد، وهل ينعم بالثبات والاستقرار؟ وصولاً إلى أن الكون لا يمكنه أن يبقى مستقرّاً في نطاق الجاذبية، ولا بد له أن ينكمش أو ينفجر. ولقد تحول مفهوم الكون ذاته من مكان يتكون من مجموعة قوامها مئات المليارات من النجوم ضمن مجرة وحيدة، إلى مكان يتألف من مليارات المجرات الأخرى في الكون المرئي.

 

ومن خلال نظرية التمدد الكوني، فإن الكون يصير غير محدود إذا اعتبرناه ثلاثي الأبعاد، فليس هناك في الفضاء جدار يمثل نهاية الكون. وإذا كانت النسبية قد تنبأت بالانفجار الكوني العظيم، فإنها لم تفسر طبيعة هذا الانفجار. وتأتي التوسعات الحالية لنظرية الانفجار لتفسر ما نلاحظه من ابتعاد للمجرات والنجوم عن الأرض، وذلك بسبب تلك القوة المتعلقة بالانفجار العظيم.

 
برغسون
 
 

أما بالنسبة الى الثقوب السوداء، فإنها ليست مجرد ظاهرة كمية في الزمكان، بل تعزى إليها القدرة على توصيل الأكوان بعضها ببعض، وبالتالي الخروج من الزمان.

 

وكذلك يعزى إليها تنظيم الفضاء وتشذيبه، وذلك بالتهامها النجوم المحترقة في نسيج الفضاء. والثقب الأسود هو منطقة في الفضاء تكون الجاذبية فيها قوية لدرجة لا يمكن معها لأي شيء حتى الضوء أن ينفذ.

 

والنوع الأكثر خصوصية في الثقوب السوداء يتعلق بالسفر عبر الزمان، ويسمى الثقب الدودي، ويعني ذلك الممر الذي ينقل من زمان إلى زمان، أي من كون إلى كون. وهذه الثقوب الدودية هي طرق مختصرة خلال الزمان والمكان، تمثل بوابات تربط نقطتين في الزمكان معاً.

 

وحول مستقبل أبحاث الزمكان، تشير مروة نبيل في كتابها إلى تلك النتائج والتفاصيل المذهلة التي كشفتها خرائط انحناءات الزمكان والتصادمات فيه والدوران حول الفضاء القريب.

ومن ثم، فإن الثقوب السوداء باتت تتحول من كيانات نظرية إلى كائنات تكتشف بالملاحظة.

 

وقد كشفت الفيزياء الفلكية بالفعل في عام 2019 أول صورة لثقب أسود في الفضاء بمشاركة أكثر من مئتي عالم، ويقع هذا الثقب على مسافة حوالي 54 مليون سنة ضوئية عن الأرض.

وهكذا، مع تطور العلوم الفلكية على هذا النحو في ما بعد آينشتاين وبرغسون، تحولت السماء إلى نسيج متشابك متمدد، يحمل بلايين المجرات، التي تحوي بدورها بلايين البلايين من الكواكب والنجوم والأقمار. وهذا النسيج يدعى "الزمكان الديناميكي"، وهو لا يُرصد بالمشاهدة، بل نرتاده، وندرسه بقوانين كمية غاية في التعقيد.

 

وهذا الكون لا يتوقف عن التمدد، وذلك التمدد قد يعقبه انكماش كبير. وإننا الآن نستطيع تخيل أنفسنا وقد اقتربنا من تحقيق حلم السفر عبر الثقوب السوداء، سفراً آمناً.

كما أننا صرنا نعرف بفضل الفيزياء الفلكية أن هناك حوادث كبرى كالتصادمات والانهيارات والانفجارات والالتواءات تحدث في نسيج الزمكان، منها تلك المفردات المسؤولة عن تكوين الخروج من الزمان، حيث يتوقف الزمان نهائيّاً عن السريان، عندما قد يحدث التواء حاد في نسيج الزمكان.

الأكثر قراءة

اقتصاد وأعمال 4/15/2026 2:20:00 PM
تمثّل الاستراتيجية الجديدة "تحوّلًا من مرحلة النمو والتوسع إلى مرحلة تعظيم الأثر الاقتصادي ورفع كفاءة الاستثمارات".
الخليج العربي 4/15/2026 10:00:00 PM
شددت على ضرورة "التزام حكومة جمهورية العراق بوقف ومنع كل الأعمال العدائية الصادرة من أراضيها"...
المشرق-العربي 4/16/2026 10:53:00 AM
تم خلال العملية ضبط ومصادرة أسلحة حربية وذخائر وجعب عسكرية كانت بحوزة أفراد الخلية
شمال إفريقيا 4/16/2026 10:47:00 AM
تصاعد الدور المصري في مفاوضات إيران يطرح احتمال تحوّل القاهرة من وسيط تقليدي إلى شريك فعلي في صياغة التسوية.