عيسى مخلوف لـ"النّهار العربي": ولادتي الثّانية كانت في باريس... ولا حريّة كاملة في هذا العالم!
أحد كبار الأدب الفرنكوفوني، صقلت التجارب فكرَه، وجعلت آلامَه مداداً يخطّ إبداعاً وفنّاً، هو الذي تفتّح وعيه على صدمة موت أخيه وعلى الحرب الأهلية اللبنانية والغربة المبكرة؛ إنّه عيسى مخلوف ابن زغرتا، الذي يرى إلى الدين حاجة روحيّة للناس يتكئون عليها، إذا فقدوا كل متّكأ، مثلما يرى المبدعون نتاجهم متّكأً لهم.
التقيناه بعد محاضرته على هامش معرض الكتاب في مسقط – عُمان – وقبل حضوره معرض الكتاب في إنطلياس – لبنان – وحدّثنا بمرارة وحسرة عن الثقافة في العالم التي باتت تُحتضر، مجيباً عن سؤالنا عمّا شكلته رحلته من لبنان إلى أميركا اللاتينية ومن ثمّ إلى فرنسا، بالقول: "ثمّة أشياء لا يختارها المرء في حياته، بل تُفرَض عليه فرضاً، فلم يكن محسوباً على الإطلاق أن أترك لبنان وأنا في مقتبَل العمر، بل كان من المفترض أن أنهي دراستي الجامعية وأحضّر للدكتوراه في فرنسا. كان المنعطَف هو الحرب الأهلية، فأرسلني أهلي في 11 آذار/ مارس 1976 إلى كاراكاس، وقال لي والدي أمام باب البيت يومذاك – فعائلتي لم تستطع مرافقتي إلى المطار بسبب الأجواء المشحونة – "ستغيب أسابيع قليلة وسنلتقي من جديد"، وهذه العبارة ما زالت في ذهني إلى الآن، لأن توقُّع والدي وكثر من اللبنانيين لم يكن في محلّه. وعندما وصلت إلى باريس ظهراً – فالرحلة لم تكن مباشرة إلى فنزويلا – وجدت أصدقاء لي في انتظاري في المطار، فطلبتُ من السلطات المعنية الخروج من المطار بتصريح لأن الرحلة ستُستَأَنف ليلاً، وأخبروني أن الطائرة التي أتيت فيها كانت الأخيرة التي تُقلع من مطار بيروت، فقد أُغلِق بسبب انقلاب عزيز الأحدب. وصلت إلى كاراكاس صباح اليوم التالي. وهناك انقطع التواصل مع أهلي 3 أشهر كاملة. ولكي أشغل نفسي عمّا كان يحصل في لبنان، لجأت إلى تعلُّم اللغة الإسبانية لتكون ملاذي في وحدتي ومؤنسي في وحشتي، وكان هذا أول احتكاك لي بالثقافة اللاتينية وأدبائها، وقد أمضيت وقتاً طويلاً في المكتبة الوطنية ألتهم ما في الكتب التهاماً".
ويُضيف مخلوف: "كان طموحي أن أقرأ غابريال غارثيا ماركيز – "مئة عام من العزلة" – بلغته الأصلية. وبعد سفري إلى فرنسا، استمررت في تعلّم اللغة الإسبانية، وأخذت أساهم في لقاءات وندوات في بيت أميركا اللاتينية للثقافة في سان جيرمان، وكنت أكتب في النهار واليوم السابع، وحاورت عدداً كبيراً من كُتّاب أميركا اللاتينية الذين كانوا يمرّون في باريس، منهم خورخي لويس بورخيس، خوليو كورتازار وماريو فارغاس يوسا... وبعد عودة النهار إلى بيروت، وبعدما أصبحت مسؤولاً عن القسم الثقافي في اليوم السابع، كان أول عمل لي – إضافة إلى المقالات – تعريب عشر قصص لكبار الأدباء الذين مثّلوا المشهد الأدبي في أميركا اللاتينية من دول مختلفة فيها، مثل بورخيس، كورتازار، ماركيز، خوان رولفو وأستورياس... وهذه السلسلة من القصص المعرّبة طبعها الياس خوري في المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ولا أخفيك سراً إن قلت إنّني أفكّر الآن جديّاً في إعادة صوغ الترجمة من جديد إن بقي لي وقت، لأن علاقتي بالترجمة واللغة تبدّلت وتطوّرت".
الكتابة... وتحدّيات الوقت
وفي سؤاله عن المقصود بعبارة "إن بقي لي وقت"، أجاب: "نحن نعيش صراعاً مع الزمن، والكتابة تحتاج إلى كثير من الوقت، والعمل المأجور يستنزف كل شيء: الطاقة والفكر والعمر... خصوصاً في المرحلة الراهنة وعن هذا يقول نيتشه: "إذا صرفتَ ثلثَي وقتك في العمل المأجور، فهذا يعني أنّك عبد". فنحن عبيد العمل المأجور، وهنا الحسرة دائماً، خصوصاً عند الميالين إلى الأدب والفنون. حتى الإنسان العادي، من الظلم ألا يعيش حياته ويستمتع بها، ويصرف وقته كله في العمل المأجور. وعن أنّ هذا العمل المأجور – الترجمة والتأليف – في مجال اختصاصه واهتمامه، اعتبر أن هذا الأمر صحيح، وقال أكثر من هذا الترجمة عندي فعل تأليف كأنّني أؤلف كتاباً أو ما شابه... خصوصاً أنّني أعطي هذا العمل من روحي ومن شخصيتي، وأخلع عليه عبارات من عصارة فكري وإبداعي، فهو عمل في قمّة الروعة. أمّا كلامي عن العمل المأجور، فلا أقصد به المعنى السلبي، فالعمل ضريبة الحياة على الأحياء، وأنا أعمل حتى أعيش وألبي احتياجاتي، ولكن القصد هو أن يكون عند الإنسان وقت لنفسه للتأمل، للمطالعة، للتأليف والاستمتاع في الحياة... وأكثر من هذا، عملي المأجور في الإعلام وغيره، أتاح لي التعرف بمفكرين وعلماء اجتماع ومستعربين وعلماء كبار في الأنثروبولوجيا في ثمانينات القرن العشرين، مثل ميشيل فوكو، بيار بورديو، جاك بيرك، إيف فونفوا وكلود ليفي ستروس... حيث كنت ألتقيهم في الكوليج دو فرانس القريب من بيتي في شارع السوربون، الأمر الذي فتح لي الآفاق أكثر من دراستي في السوربون.
ويضيف مخلوف: "أذكر مرّة أنّني أردت إجراء مقابلة مع فوكو، فقرأت كتبه مدّة 3 أشهر، وهذا كله انعكس على شخصيتي وحياتي وثقافتي، فأنا ابن لقراءات هؤلاء العظماء. وفي كتاب "ضفاف أخرى"، لم أتكلّم عن نفسي، وطلبت من معدّ المقابلة معي ألا يتناول سيرتي الذاتية ويركّز على الكتب التي قرأتها واللوحات الفنية التي شاهدتها والموسيقى التي استمعت إليها والدول التي زرتها بعد خروجي من لبنان، حيث أصبحت ورقة طائرة في الكون. وقد اعتبر أن عيسى وكتبه كطرفين لم يكونا لولا وجود هذه الخلفية الثقافية التي اكتسبها من معرفة هؤلاء الكبار ومن العلوم الإنسانية والفن ومن التجارب الحياتية التي فرضت عليه هجرة مبكرة واقتلعته من جذوره. أما الروح الموجودة في مؤلفاته فهي روح عيسى التي صقلتها المعاناة، على الرغم من أن للغربة إيجابيات أيضاً وقد اختصرها أبو تمام في قوله: "اغترب تتجدّد".
أما تعلّقي بالثقافة، فكان موجوداً وأنا في لبنان، وكنت أصرف الوقت بين زغرتا وعاصمة الثقافة بيروت، وأذكر أنني أنشأت وأترابي مجلة تحوّلات، وكنت بعدُ مراهقاً. وكنا ننظّم مهرجاناً سنوياً لإلقاء الشعر الحديث يشمل 9 مدارس في زغرتا الزاوية، وقد دعونا محمود درويش، أدونيس وسمير الصايغ... ليكونوا اللجنة التحكيمية. وقد كان من ضمن برنامج المهرجان، الندوات والمحاضرات والأمسيات الشعرية. وفي يوم، زارني مراسل جريدة النهار في طرابلس نجيب إسكندر، وطلب مني سبع مقطوعات شعرية، ليرسلها إلى أنسي الحاج وينشرها في بريد القراء، فوافقت فوراً ومن دون تفكير، باعتباري من أشدّ المعجبين بأنسي الحاج وأقرأ كتاباته ومؤلفاته. ومنذ تلك اللحظة، صرت أشتري الملحق، وأبدأ به من الصفحة الأخيرة، فانتابتني خيبة أمل كبيرة طوال أسبوعين، لأنني لم أجد قصائدي في الملحق، فخطر لي أنها لم تُعجب الحاج. وكم كانت المفاجأة كبيرة في الأسبوع الثالث، حين وجدتها منشورة في متن الملحق لا في بريد القرّاء!
وهذا ما عزّز ثقتي في نفسي وفي ما أكتب، وجعلني أندفع أكثر وأتوجّه نحو الكتابة. وأنا أعتبر أنّ الحاج هو الذي ورّطني في الكتابة، وهذه الورطة إيجابية لأنها مسؤولية، والآن وعيت هذه المسؤولية. أما في البداية، فكنت فرحاً في نشر قصائدي واسمي يتذيّلها، وأنا مراهق.
بعد ذلك، تعرّفت بأنسي الحاج. وفي سنتي الجامعية الأولى في السوربون، كنت أعمل في جريدة النهار وأدرس، طُلِب منّي أن آتي وأستقرّ في بيروت للعمل. فتذرّعت بالدراسة، ولم أفصح عن سبب رفضي الحقيقي وهو أنّني أرى الوضع في لبنان من سيئ إلى أسوأ، وهذا كان حدساً عندي، بسبب النظام الطائفي فيه، فهو الخطر الثاني على لبنان بعد الخطر الأول، الجهل وعدم احترام الفكر الآخر والاختلاف. فلبنان غنيّ في تعدّده، ولكن ما فائدة هذا التعدّد إذا كان كل عشر سنوات يؤدي إلى حرب؟ فاحتلاله داخلياً من زعمائه هو ما مهّد لاحتلاله خارجياً.
وأكثر من هذا، لقد كانت أطروحتي الجامعية عن بيروت وعن جاذبية الموت وعن العنف، من هنا كانت فكرة اتجاهي نحو الأنثروبولوجيا بعد حصولي على ليسانس في السوسيولوجيا. والسبب في هذا أنّني كنت أبحث عن الحرية المطلقة في الكتابة، وهذا أمر لا يتيحه لي إلا الأنثروبولوجيا، فدرستها ثقافياً واجتماعياً. فأنا خرجت من لبنان بناءً على رغبة أهلي، لأنهم خافوا عليّ من الحرب العبثية، خصوصاً بعدما تمدّد القصف بين طرابلس وزغرتا، وأنا ابن لهذه المنطقة وتلك وأحبّهما بالقدر نفسه".

التعدّد والطائفية
وعن علاقته بالأحزاب اللبنانية، قال لم أؤمن يوماً بأيّ حزب بكلّيته، فقد كنت أرى أنّ كلاً منها في مبادئه العامة، الكثير من الإنسانية والعدالة الاجتماعية والشعارات الرائعة، إلا أن المشكلة تكمن في التطبيق. أما الأحزاب اليمينية كلها فكنت أراها مجموعات من القتلة والسفّاحين خطورتهم كانت في أنّهم يرتكبون الموبقات باسم الدين، وأنا كان فكري يسارياً ليس بالمعنى الحرفي للكلمة، بل بمعنى أنّني كنت وما زلت ضد التزمّت الديني، خصوصاً عند الأحزاب اليمينية. من هنا، أرى أن التعدّد ضروري وكذلك الانفتاح على الآخر والحوار وتبادل الثقافات والآراء واللغات، فاللغة أياً كانت، ليست وعاءً بل منهج... والتعميم، أياً كان، عنصري وقتل للإبداع.
وهنا لا أقصد الأحزاب وحسب، بل العالم كله، فالغرب- والمقصود به، هنا، الغرب السياسي وليس الغرب الثقافي والفكري والموضوعي- يعمّم أن العرب مجموعة مجرمين... وقد أنكر هذا الغرب حضارة العرب أو تناساها، وحسبنا أن نذكر ابن رشد الذي كان تأثيره كبيراً في الحضارة الغربية... فمن هنا، لا يمكن المرء أن يحكم بالإعدام على حضارة بكاملها وشعب كامل من خلال سلوك فردي أو من خلال مرحلة زمنية معيّنة أو تفكير شاذ من مجموعة ما...
وفي معرض حديثه عن علاقته بالفنانين والأدباء عموماً، قال: كان فضولي الثقافي يدفعني إلى أن أقصد إلى أي مكان أستطيع أن أقابل فيه مفكّراً أو أديباً أو شاعراً... فمرّة، كنت سأسافر إلى إيطاليا، فسألني أنسي عن السبب، فقلت له أريد أن أقابل ألبيرتو مورافيا ليحدّثني عن المخرج السينمائي والشاعر الإيطالي بيار باولو بازوليني، الذي قتلته مجموعة من الذين كان يتسكّع معهم. وهو من اعتبر أن دوستويفسكي لم يترك شيئاً للكتّاب ليكتبوا عنه إلا الجنس الذي أصبح الموضوع الأساسي في مؤلفاته التي تحولت أفلاماً سينمائية في أوروبا، حيث إنه يقول ليس في مقدور أحد إضافة أي فكرة إلى موضوع تطرّقت إليه قامة كبيرة ومهيبة كدوستويفسكي. وهذا بالنسبة إليّ كان درساً وأمثولة لي في الحياة.

الخطر على الحريات
ويرى مخلوف أنّ العودة إلى باريس شكّلت الولادة الثانية له ثقافيّاً وأدبيّاً وفكريّاً، ويكمل: "هذه المدينة هي التي أتاحت لي فرصة اللقاء بميشيل فوكو الذي أثّر فيّ شخصيّاً وفي ابني الذي يستشهد بأقوال له في كتاباته، مع أنه يدرس الهندسة، وهو أحد أهم أعلام الفكر في فرنسا في القرن العشرين، وهو أكثر من درسوا موضوع السلطة وتكلموا عنه، خصوصاً في مؤلفه "المراقبة والعقاب"، الذي استندت إليه في أطروحتي، وقد ذكرت ذلك في مقدّمتها.
وكذلك فرصة اللقاء ببيار بورديو الذي غيّر رؤيتي إلى الحياة والموت والمجتمع والثقافة، وأثّر فيّ وفي كياني، وهو الذي أزال الغشاوة عن عينيّ ووضعني على طريق لا نهاية له من خلال رؤيته إلى الأمور وتفكيكها وتحليلها... فأنا هو آخر وفق ما قال رامبو. فكلّ واحد منا نقطة أو جزء من كل في أوقيانوس.
أمّا الصدمة الكبرى في باريس، فكانت اكتشافي أن لا وجود لحرية كاملة فيها ولا في أي مكان في العالم، حتى في الدول التي تتغنى فيها وتدّعي أنها في صلب تكوينها.
وهنا أقصد في هذا القول اختصاراً، أن ثمّة شخصاً فاحش الثراء اسمه فانسان بولوريه يشتري دور نشر عريقة بناها أشخاص موضوعيون بالدم والعرق والتعب، مثل "دار غراسّيه" وغيرها من دور النشر ووسائل الإعلام، ويسعى إلى شراء "هاشيت" وهي من أكبر دور النشر في العالم، وهذا يهدّد ليس الحرية وحسب، بل الديموقراطية في حدّ ذاتها، لأنّ هدفه يكمن في نشر فكر أحادي يميني، فهو ذو رأي سياسي متطرّف، وفي المردود المادي لا في نشر الفكر والثقافة، وهو معروف في فرنسا بـ"الغول"، ومَن يشبهون بولوريه في العالم كثر. وقد نشرَ الكاتب إريك أوروسونا رواية رمزية عنوانها الغول، ويقصد به بولوريه رغم عدم ذكر اسمه تصريحاً، لأنه لم يرِد أن يكون العمل توثيقيّاً عن شخص واحد، بل عن كل غول مثله. وقد أجرت جريدة لوموند مقابلة مع أورسونا، وسألته ألا تخاف حظر كتبك وعدم نشرها بسبب هذه الرواية، فأجاب: يجب أن نقف في وجهه قبل أن يلتهم كل شيء وتندثر الثقافة. وإذا قلتَ لي إنّه يمارس حريته في هذا الأمر، فسأقول هو يتصرّف كمن يؤلف من أجل جائزة ما، فيكون فعله مقيّداً، لأن هدف المبدع من إبداعه أن يقول "لا"، والجائزة تقيّده وتمنعه من التطرّق إلى موضوعات تُعتبَر تابوهات.
وهذا الغول وشخص آخر اسمه بينو، وهو متموّل كبير يسيطر على الفن التشكيلي سيُفقِدان باريس التي عُرفت في القرن التاسع عشر بعاصمة الثقافة، هويتها الثقافية، التي رغم وجود عواصم منافسة لها في هذا المضمار كبرلين ونيويورك... إلا أنّها إلى الآن لا تزال هي الاستثناء الثقافي. فاللوفر مثلاً ليس ملكاً لفرنسا بل هو ملك الإنسانية جمعاء، ولا نريد لهذا الدور أن ينتهي.
وبينو هذا يتاجر في الفن التشكيلي، ولا يدفع عليه ضرائب كونه فنّاً. مع العلم أنّه لا يهتم بالفن إطلاقاً ولا يعرف قيمته، بل يشتري اللوحات لأنه يعرف أن قيمتها أغلى من الذهب، ويخبئها ليبيعها في ما بعد بأضعاف ثمنها، من هنا دخل الفن في البورصة، وأصبحت قيمته المادية أكثر بكثير من قيمته المعنوية.
ومع أن المقارنة لا تصحّ في هذا المقام، أشير إلى أن فان غوغ مات – انتحر – جوعاً، بصرف النظر عن مشكلاته النفسية، ولم يبع إلا لوحة واحدة في حياته، علماً أن أخاه كان بائع لوحات وكان يعيله، ففضّل أن يكون وحيداً وأن يصرف أخوه ماله على ابنه الذي رُزِق به. ولوحاته اليوم تباع بملايين الدولارات وهو لم يستفد منها بفلس واحد، كأنه كان يعمل للأثرياء.

معاناة المبدع
وفي معرض حديثه عن معاناة المبدعين، قال: "أعتبرها تصقل المشاعر وتفجّر الطاقات، وهي ليست مرتبطة بالفقر والغنى، علماً أن الفقر قد يزيد المعاناة ويمنع كثراً من أن يتعلموا ومن أن يتقدّموا. فالفقير قبل أن يبحث عن العلم يبحث عمّا يسدّ به رمقه، حيث إنه لا يستطيع أن يتعلّم وهو يفكّر في الطعام وبطنه يقرصه جوعاً. ولنا في ألبير كامو مثل على ذلك. لقد عاش في الجزائر من دون أب مع والدته التي كانت تعمل في تنظيف البيوت، وكان يتسكّع في أزقتها، إلى أن التقاه أستاذ رأى فيه وعياً ونباهة واختلافاً عن الأطفال الذين كان يلعب معهم، فاهتم به أيّما اهتمام إلى أن وصل إلى ما وصل إليه. وطبعاً، هو لم ينس فضل هذا الأستاذ عليه، وحين نال جائزة نوبل، أعلن أمام اللجنة وعلى الملأ أنه يقدّمها لذاك الأستاذ الذي وضعه على السكة الصحيحة.
وبعد سنوات، استقبل كامو صديقاً له أتى لزيارته، وأخذه في جولة إلى الحي الذي كان يقطنه وأحياء أخرى في المدينة القديمة في الجزائر. فرأى أطفالاً حفاة عراة... فأخذته الدهشة وسأله عنهم، فقال له بين هؤلاء أكثر من موتسارت وأكثر من بيتهوفن وأكثر من شكسبير... ولكن ما من أحد يأخذ بأيديهم ويضعهم على السكة الصحيحة. لذا، قد يعيش الإنسان معاناة مضاعفة، فقراً وجهلاً.
وفي الختام، أرى أن الإنسان الذي يعيش معاناة، أشبه شيء بالمحارة في ظلمات البحر التي تُجرَح فتفرز مادة تشكّل لؤلؤة داخلها، ولا يكتشفها أحد فتبقى حيث هي لا ترى النور ولا أحد يرى جمالها".
نبض