30-12-2023 | 12:27

بين الأحلام والواقع... صراعات الفوز ومتاهات الخسارة

خلال أيام مهرجان الجونة السينمائي في دورته الاستثنائية الأخيرة، انطلقت قصتان مختلفتان من زاويتين مختلفتين من العالم، تنساب تفاصيلهما على وتيرة الطموح والواقع الاجتماعي.
بين الأحلام والواقع... صراعات الفوز ومتاهات الخسارة
Smaller Bigger

 

خلال أيام مهرجان الجونة السينمائي في دورته الاستثنائية الأخيرة، انطلقت قصتان مختلفتان من زاويتين مختلفتين من العالم، تنساب تفاصيلهما على وتيرة الطموح والواقع الاجتماعي.

الفيلمان مترابطان حول فكرة السعي للفوز في مسابقة تؤهل أصحابها للحصول على منحة مالية أو علمية.

الأول يأتينا من السويد بعنوان "التنويم المغناطيسي"، والثاني من منغوليا "لو أمكنني الغرق بسبات".

 

 

التنويم المغناطيسي

"أشعر أني أفعل كل شيء للتكيّف، منذ طفولتي أفعل كل القرارات التي يود الآخرون أن يفعلوها"...

هذه كلمات مقتضبة تخرج بحذر من فاه فيرا (تلعب دورها أستا كامي أوغست)، الفتاة الهادئة والمنصاعة أثناء علاجها بالتنويم المغناطيسي.

هدف الزيارة الرئيس هو محاولة الإقلاع عن التدخين، بينما تأخذ الجلسة العلاجية منحى آخر بمجرد أن استخدمت المعالجة دعوة مجازية في المخيلة لشدّ العقل الباطن وتحفيز الخيال لتجسيد تجارب منسية في الطفولة تعزز الرغبة والوعي بها.

فيرا هي شريكة اندريه، والذي يقوم بدوره الممثل الشهير هربرت نوردوم. هما يعملان معاً على مشروع  تطوير تطبيق للهاتف المحمول خاص بصحة المرأة الإنجابية ومساعدة النساء في جميع أنحاء العالم. 

ولكي يؤسسا لدعاية جيدة، اختلق أندريه قصة وهمية عن حكاية فيرا مع دورتها الشهرية، وأنّها تعاني من خلل في الدم. تمرنت فيرا على سردية القصة المؤلمة والتي تعود إلى مراهقتها، فتقول في مقدمتها "كان هناك الكثير من الدم، هل هذا يكفي؟"، وهي تعي تماماً أنّها غير حقيقية، لكنها بحسب قول شريكها هي أكثر وسيلة جذابة لخلفية المشروع.

 

 

في سياق التنويم الإيحائي

لا تُعدّ فيرا الكذب خطيئة كبرى، لكنها تقوم بالتركيز في كيفية تلقّي الآخرين لكذبتها، لذلك تسعى تدريجاً الى التخفّف من ثقل تلك الكذبة التي لن تستمرّ مع شريكها في المنافسة. 

أول التحولات الرقص في السيارة ثم التعبير عن الغضب أثناء انتقادها، ومع مرور الوقت تتفاعل مع الأحاديث بدلاً من كونها هادئة مستكينة ولا تتردّد في الهجوم مع ابتسامة متفاعلة.

يتلقّى اندريه أفعالها المستحدثة بقلق كبير بخاصة أنّ هذا التوقيت يتزامن مع عرض مشروعهم الخاص للمستثمرين.

وكلما زاد توتر اندريه وتوجسه من تصرفاتها الغريبة والمحرجة، كلما استشعرت فيرا أنّ عفويتها تلك تثير إعجاب المسؤول عن تدريب الشركات الناشئة قبل تقديمها للمسابقة.

وهذا الإعجاب يكمل نواقصها ويشعرها باستحقاقها الذاتي، تنجرف فيرا إلى تصرفات مروعة سلوكياً دون خط رجعة، فهي تلعب لعبة الإحراج مع الجميع وليس مع شريكها الذي كان يلقنها  باستمرار ما يريد.

ووصل حدّ التمادي إلى صراخها على إحدى الشخصيات المسؤولة في الحدث كونها داست على كلب وهمي اختلقته فيرا في مخيلتها وغير موجود في الحقيقة.

تتعامل فيرا مع هذا الكلب اللامرئي أمام العلن من دون أن يفارقها الشعور بالتحدّي أمام السؤال الكامن: هل يوجد سبب منطقي يجعلنا نشعر بالحرج من الآخرين؟

وماذا لو استخدمنا السخرية بدل الهجوم المباشر؟ لعلّ النتائج واحدة لكنّ السخرية تحمل وطأة أخف وتفتح باباً للضحك وإن كان مصطنعاً، لإنقاذ الموقف.

تتواصل فيرا بعشوائيتها المقصودة فتخلط كأساً من الحليب مع الخمر في البار من دون أن تدفع ثمنه.

الجميع مرتبك ومحرج ومستنكر بينما هي مرتاحة وبشوشة، كما أنّ ارتباك شريكها وشعوره بالحرج يغذي أناها العالية وعيناها تنطقان: "لنستمرّ في اللعبة إذن".

وصل سلوك فيرا إلى منحى غريب جعلت من اندريه المرتبك والمتوجس أن يتخذ خطوة جذرية باستخدام حبوب المنوم في كوب ماء.

تستمرّ التنقلات بين الأحداث ببطء، لكنها لا تسير كما هو مخطط لها، وعلى عكس ما هو متوقع حين يكشف أمرهما، لا يقوم اندريه بإلقاء اللوم على فيرا، لقد وصل إلى مرحلة استنزاف كامل في تعرية روحه الداخلية وفقاعة الزيف الكبرى التي يعيش فيها.

 
 

لم يحضر أندريه مع فيرا تلك الجلسة اليتيمة للتنويم التي اكتشفها بعد خسارة كل شيء، لكنّ صمته الطويل جداً كان بمثابة تحضير لجلسة غير موجودة تمّ فيها تهيئة عقله وجسمه لاستقبال الإيحاءات بشكل شفاف وتأمل أعمق، فتحدث نهاية ساخرة وغير متوقعة.

أراد ارنست دي جير في تجربته الإخراجية الأولى استكشاف تأثير الإحراج السلبي المتكرّر في العلاقات الشراكية أو الزوجية، وكيف يمكن أن يكون ذلك مُضيقًا على الطرفين، كما تجسّد ذلك تمامًا في شخصية أندريه "شريك فيرا وصديقها الحميم في الفيلم، الذي وصل به التوتر وانعدام الثقة بالنفس إلى الذروة، عندما رفضت فيرا في الثلث الأخير من الفيلم الاستمرار في القصة المختلقة  للحصول على التمويل".

 يعبّر دي جير بأساليب أكثر غرابة في المشهد النهائي، أنّ عقاب الكذب ليس الإقصاء أو الضرب  أو العنف أو الانفصال، بل يكفي أن يكون سلسلة من الإحراجات الشخصية،  ليس الخجل والخفر الذي يزين الحب والعلاقة الحميمة بل وإثبات حقيقة أن تكون محرجاً على الدوام من نفسك ومن قرينك، إنّها تجربة إنسانية عميقة، ولكنها في الوقت نفسه تحمل في طياتها تصاعداً مدمّرًا.

 

 
 

لو أمكنني الغرق بسبات

لقد حان الوقت لفتح النافذة على السينما المنغولية بعد هذه الدراما الحزينة والشاعرية، والتي سبق عرضها في مهرجان كان السينمائي في دورته الماضية ضمن مسابقة "نظرة ما".

يحمل الفيلم لمخرجته زولجارغال بيوفداش في تجربتها الأولى، مفردة الغرق في دلالة على اليأس والشعور بالهاوية، لكنّه ممتلئ بإرادة صلبة، عن قصة شاب مراهق "أولزي"، يقوم بالدور الممثل باتسوج أورتسيج، يعيش تحت خط الفقر في منطقة يورت في العاصمة المنغولية، أو لان باتار، ومسؤول عن إخوته الصغار بعد انتقال والدتهم إلى الريف، يظهر الفتى العبقري من سياق محيطه بمهاراته الاستثنائية، يتمّ تحفيز اكتشافه من قِبل معلمه الذي يشجعه على متابعة فرصة دراسية قد تغيّر حياته، ويدفعه للقرار في خوض مسابقة الفيزياء للحصول على منحة دراسية، تتقاطع جزئية المعلم الحكيم والتلميذ العبقري في ظروف بائسة مشابهة لفيلمين شهيرين من هوليوود الأول "صيد حسن النية" الذي أُنتج عام 1997، والثاني "البحث عن فوريستر" الذي أُنتج عام 2000، والاثنان من إخراج جوس فان سانت.

 
 

لكنّ  الحكاية هنا ليست بثنائية الحكمة والضياع، بل هي أحادية وتزيد الأعباء على المراهق عندما تتغير خططه الدراسية بفعل قرار والدته بترك العاصمة للعمل في الريف، ينفعل أولزي في وجهها بعد مواجهة عتاب قاسٍ "أنتِ أسوأ أم"، غادرت الأم الخيمة المهترئة تاركةً أطفالها الصغار تحت مسؤولية ابنها البكر، غير آبهة بمستقبله الدراسي. يجد نفسه في صراع تبدّل المسار إلى حياة أكثر مأساوية من قبل، مضطرًا لتحمّل المسؤولية عن أخوته والعمل في وظيفة محفوفة بالمخاطر بدلاً من الالتزام بالدوام المدرسي.

تتجلّى هذه القصة المألوفة برغم التحدّيات، دون أن تسمح للمشاهد بالانغماس في التراجيديا. يظهر هؤلاء الأطفال كأفراد عمليين وفكاهيين من أجل الحصول على صندوق كرتون ورقي من فائض المتاجر، كبديل عن الحطب لتدفئة أنفسهم وسعيهم للبقاء.

إنها لعبة عبثية في نهاية الأمر! عندما يحترق الورق في الموقد، فما هو البديل في اليوم التالي إذاً؟

تضع المخرجة زولجار فيلمها ضمن سياق الترقب والتساؤل حتى نهاية الفيلم، حول مصير هؤلاء الأطفال، حيث لا توجد في الطرف الآخر من الحكاية شخصية خارقة أو منقذة، شخصية المعلم تقتصر على اللوم والتحفيز في لقطات محدودة.

 
 
 

الشخصية المنقذة هي البطل المراهق ذاته، هو فقط من يستطيع إنقاذ اشقائه من الجوع والفقر والبرد القارص، ولأجل ذلك كله يضحي بالتمارين من أجل المنحة الدراسية.

تأتي خلفية هذه القصة لظروف مشابهة عاشتها المخرجة في طفولتها، كونها حصلت على منحة دراسية في اليابان، وهذا ما يجعلنا نلاحظ أنّ التجارب الروائية الأولى غالباً ما تروي جزءاً من التجربة الحياتية للمخرج ذاته، عملت زولجار على أن يكون السيناريو مؤثراً بما يكفي لجذب الاهتمام.

وقد عثرت على طرف الخيط عندما برع الأخوة في إثارة الإعجاب، من دون أن يسمحوا للعواطف بالسيطرة، ويظهروا قوتهم وقدرتهم على التكيّف حتى في ظل الظروف الصعبة، وهذا ما يجعل الأمر أقرب للحقيقة، حيث لا وقت للندب في مجتمع مسحوق يفكر في النجاة اليوم ويترك الغد للغد، وفي هذا السياق أيضاً لا يوجد تعاقب سريع في المونتاج، بل في تكرار تفاصيل سبل النجاة أو الغرق بسبات، إنّ هذه السينما تحديداً تعثر على شاعريتها الحقيقية بالتقاط الواقع عندما يستمر الضوء الخافت والظل في تشكيل حركة تبادلية داخل الخيمة الصغيرة التي يتحرك من خلالها الأخوة في أضيق حيز ممكن تخيله.

 
 

ثم يحدث الانتقال إلى ضوء الطبيعة وضوء النهار (بدرجة الأبيض الثلجي الناصع) السائد على المشاهد النهارية والتي تعدّ بالنسبة للبطل مغامرة فردية لمحاربة الشتاء، تركّز القصة في المقام الأول على قيمة التضحية، واختبار قدرات الذات التي تتبين لنا أنّها تتفوق على القدرة الجسدية لمراهق وحيد، وأيضاً قيمة الحب غير المشروط، فحين تسير الأمور على ما يرام في ما يخص استمرارية أولزي في المسابقة يتصل بوالدته رغم كل شيء. يقول لوالدته كلمة واحدة أمي، أنا أحبك".

يُذكر أنّ الفيلم إنتاج منغوليا، فرنسا، سويسرا، أما البطل باتسوج أورتسيج فنال جائزة نجمة الجونة عن فئة أفضل ممثل في مسابقة الفيلم الروائي الطويل.

الأكثر قراءة

الخليج العربي 5/29/2026 12:33:00 AM
شهد الحفل حضور عدد من كبار الشخصيات الإسلامية، وضيوف خادم الحرمين الشريفين، إضافة إلى رؤساء الوفود وممثلي مكاتب شؤون الحجاج.
لبنان 5/28/2026 5:35:00 PM
يسبق يوم العيد عشر ليال، تسمى عند الموحدين الدروز ليالي العشر، يقوم فيها المشايخ والشيخات بالتوجه نحو المجالس الدينية والمقامات وأداء الصلاة كل ليلة. وكثيرون لا يعرفون أن الموحدين الدروز يصومون خلال هذه الفترة.
فن ومشاهير 5/27/2026 4:12:00 PM
وشهدت الأشهر الماضية تداول أنباء متكرّرة عن زواجهما، إلا أنّ الإعلان الرسمي عن ارتباطهما تأجّل حتى الآن.
موضة وجمال 5/26/2026 10:26:00 AM
يبدو أنّ اللون الأزرق بات يحتلّ مساحةً أساسية في اختيارات الملكة رانيا وقد برز ذلك جليّاً خلال إطلالاتها الأخيرة.