"لا للمخدرات"... بين "هارلي" محمد رمضان وحملة "مو صلاح"
عندما تُتهم الفنون الجماهيرية، وعلى رأسها السينما والدراما التلفزيونية وأيضاً الأعمال الغنائية والأدائية المصوّرة التي باتت تحصد مئات الملايين من المشاهدات على "يوتيوب" وقنوات الإنترنت، بأنّها لا ترقى إلى المستوى المأمول (فنيّاً وجماليّاً على نحو مجرد)، فإنّ طوق النجاة السهل الذي يمكنها التمسّح السريع به لدرء الاتهام، هو البحث عن دور آخر غير فني يعزز موقفها.

"محاربة الإدمان"... شعاراً
ولعلّ ذلك هو الذي يفسّر ببساطة ووضوح لماذا لجأ مثلاً صنّاع الفيلم المصري "هارلي" (أسطورة الأسفلت) المعروض في دور السينما هذا العام الجاري 2023، من تأليف محمد سمير مبروك وهند عبد الله، وإخراج محمد سمير، وبطولة محمد رمضان ومحمود حميدة ومي عمر، في نسجهم الدعاية الرئيسية للفيلم إلى خيوط "الرسالة" و "الهدف" و "القيمة" على وجه التحديد، وليس إلى أي مفردات فنية وأبجديات جمالية تخصّ صياغة الفيلم وحساسيته التعبيرية والتصويرية الخاصة.

القضايا والمعالجات
هل وجود قضية محورية داخل عمل ما، يعدّ انتقاصاً من ذلك العمل؟! بالتأكيد لا، وليس هذا هو المقصود هنا بطبيعة الحال. بل على العكس، فإنّ الأعمال الجيّدة الزاخمة قد لا تكتفي بقضية واحدة، بل تنطوي على قضايا متشابكة، وتكثف الضوء على جدليات مصيرية وإشكاليات جوهرية وأزمات ملحّة تهمّ الرأي العام.
فما المشكلة إذن في فيلم "هارلي"؟! المشكلة باختصار في الفيلم السينمائي نفسه، ومعالجته، وصناعته، وفي استعماله الرسالة التوعوية كغطاء، وليس في أنّه يحمل رسالة.
البطولة الحقيقية والزائفة
في حالة حملة "أنت أقوى من المخدرات" لمحمد صلاح، هناك نجم/ بطل حقيقي، تغلّب بالفعل على التحدّيات التي واجهته في مسيرته الرياضية والاحترافية، وهو يخاطب معجبيه من أجل تحدّي الإقلاع عن المخدرات، وقد لقيت حملته مصداقية وقبولاً، وحققت تأثيراً كبيراً.
وفي حالة فيلم "هارلي"، وأغنيته الدعائية "طوق نجاة" تحت شعار "لا للمخدرات"، هناك بطل تخييلي/ غير حقيقي، يخاطب مشاهديه بالرسالة ذاتها، لتحدّي المخدرات. وهذا البطل هو مزيج من الشخصية التي يلعبها محمد رمضان في الفيلم، وشخصية محمد رمضان نفسه (نمبر وان، ثقة بالله نجاح)، التي لها رصيد كبير في العلاقة مع الجمهور، إذ حقق رمضان معدلات مشاهدات قياسية مرتفعة للغاية، بل غير مسبوقة، في معظم أعماله، في السينما، والتلفزيون، والغناء الأدائي.
والمشكلة الأساسية في فيلم "هارلي" أنّ صنّاعه اعتمدوا فقط على هذا الرصيد مما رأوه نجاحات جاهزة سلفاً لمحمد رمضان، فأتوا به ليقول رسالته "لا للمخدرات" على لسانه هو، وليس على لسان الشخصية. بمعنى أنّ التوليفة الفنية لا تكاد تكون موجودة أصلاً، أي القدرة على صناعة فيلم سينمائي ناضج ومكتمل وواعٍ.
وهنا يبدو الأمر مقلوباً كليّة، فالفيلم الذي يدعو ظاهره إلى تحدّي الإدمان، هو رهان باطني على إدمان الجمهور محمد رمضان!
وهذا الرهان يقدّم محمد رمضان في أسوأ فرضياته، ككليشيه منمط مكرّر من جهة، وككوكتيل ممسوخ من الأكشن الرخيص، والإفيهات والقفشات المبتذلة الخادشة للحياء، والمواقف والمشاهد والحركات والإيحاءات المليئة بالانحرافات والسلوكيات والألفاظ الخارجة، ثم يُغلّف ذلك بالتوبة والدعوة إلى الإقلاع عن المخدرات!
وإذا كانت "البطولة" الحقيقية لمحمد صلاح تقود إلى العلاج والتعافي من الإدمان، فإنّ مثل تلك البطولة التخييلية الأخرى الزائفة في فيلم "هارلي" هي أقرب إلى نقل العدوى في حقيقة الأمر. بمعنى أنّ الإفراط في تقريب التفاصيل والأجواء الخاصة بعوالم المخدرات والجريمة ومعايشتها على هذا النحو ربما يروّج للظاهرة، أو على الأقل فإنّه لا يمكن أن يقود إلى محاربتها، حتى إذا تغيّرت شخصية البطل في الأحداث، وصار مناهضاً للمخدرات، ويشجّع الآخرين على الفكاك منها.
ويطرح فيلم "هارلي"، المستوحى عنوانه من شركة الدراجات النارية الأميركية "هارلي – ديفيدسون"، قصة مبسّطة، بطلها الشاب "هارلي" عاشق الموتوسيكلات، وهو مهندس ميكانيك يعود إلى مصر مع عائلته من الخليج لاستكمال دراسته. ولكنه ينخرط في تعاطي المخدرات، ثم يتورط في العمل مع إحدى عصابات المخدرات، ويصير الشخص الأهم والأقرب إلى زعيم العصابة.
وبعد مصرع أخيه، ينقلب "هارلي" على العصابة وعلى المخدرات، خصوصاً بعد غضب أبيه عليه، ويعمل على تغيير حياته بالكامل، ومحاربة المخدرات، ومساعدة الآخرين على الإقلاع عنها، وعلى رأسهم الفتاة التي يرتبط بها عاطفيّاً ويأمل في الزواج منها "مي عمر"، ثم يتضح أنّها ابنة زوجة زعيم العصابة. ويدور الصراع في هذا السياق، إلى أن ينجح في مساعدتها في التخلص من المخدرات ومن العصابة، مثلما فعل من قبل بتخليص نفسه.
وإلى جانب طفولية المحتوى، فإنّ الفيلم لم يتمكن من تقديم أي إقناع درامي فني أو حتى إبهار تقني على أي مستوى من المستويات. فهو تجميع لمجموعة من الأحداث والمصادفات القدرية الهشة.

ويبدو الأداء التمثيلي مسطحاً خصوصاً لدى الشخصيات الأحادية، كزعيم العصابة ياسين (محمود حميدة) أو الشر المطلق، والشاب "هارلي" أو الانتصار الدائم والكرامة التي لا تقبل الانتقاص، وهكذا.
وفي غياب التماسك والبناء، فإنّ الفيلم مجموعة نثارات من الحركات والمطاردات والإفيهات والإيحاءات الخارجة والكوميديا المصطنعة المقحمة، التي لا تقود سوى لفرش البساط أمام أقدام البطل ليتقدّم خطوة إلى الأمام فوق أشلاء أعدائه وأعداء الإنسانية على السواء. ويتحقق ذلك، في حين أنّه مثلاً يمارس الفحش بشكل اعتيادي مع النساء من دون أي وازع يوقفه عن فعلته، ومن دون وجود تعارض بين ذلك السلوك وبين رسائله الأخلاقية في ما يخص تجريم المخدرات وتقديس الكرامة والإخلاص لحبيبته!
وفي الدائرة الصبيانية الضيّقة ذاتها، تمضي القدرات الإخراجية والتصويرية وغيرها من الفنيات السينمائية المتواضعة و "المسلوقة" إذا جاز التعبير، وهو ما يتضح جليّاً مثلًا في مشاهد الحركة والمشاجرات والمطاردات بالموتوسيكلات والسيارات وغيرها، التي تبدو بدائية وبعيدة كثيراً عمّا وصلت إليه التقنيات المتطورة في أفلام الأكشن والجريمة العالمية والعربية على السواء.
وتؤكّد هذه المعطيات كلها الأمر، أنّ الفيلم قد أريد له أن يحتمي خلف هدفه ورسالته فقط لا غير، وشخصية محمد رمضان نفسه، خصوصاً أنّه قد شارك من قبل متطوعاً في حملة توعوية لصندوق مكافحة وعلاج الإدمان والتعاطي، وتجوّل في المحافظات المصرية لمخاطبة الشباب من أجل الإقلاع عن المخدرات. ولكن الرصيد السابق، أيّاً كان نوعه وقدره، لا يصنع فنًّاً جديداً قادراً على التحقق والمنافسة بطبيعة الحال.
نبض