كيف نستطيع أن نُعبّر عن استطرادات غامضة وانعطافات متداخلة وصدمات درامية متتالية بشكل سريالي داخل إطار فيلم تحريكي؟
وعند طرح مثل هذا التساؤل، يصحّ القول إنّ خلط هذه العناصر مُجتمعةً قد ينتج منه عمق غير مفهوم، حيث يتبيّن معه التناقض بين عالم التحريك المعتاد والعالم الذي تصوّره صانع العمل السينمائي.
استناداً إلى ست قصص قصيرة منفصلة من مجموعة الكاتب الياباني الشهير هاروكي موراكامي، مثل "فتاة عيد الميلاد "، "ضفدع عملاق ينقذ طوكيو" و"الصفصافة العمياء، المرأة النائمة"، دمج المخرج الهنغاري الأصل "بيير فولديس" في فيلمه الروائي الأول، تلك القصص في رواية واحدة، ونحت الحوارات النصّية من دون معالجات كبيرة، كما اتخذ من قصة "الصفصافة" عنواناً رئيساً للفيلم.
ربط فولديس في فيلمه أجزاء صغيرة مُتصّلة ببعضها مع خيوط سردية متعاقبة أشبه بالدمية الروسية، أي قصة داخل قصة داخل قصة، تتباعد جزئياً في مشاهد منفصلة، وهي مهمّة شاقة لرسم هياكل شخوص موراكامي ثم تتبّع مواضيعها مترامية الأطراف.
بالإضافة إلى صناعة الأفلام، يعمل فلوديس في الموسيقى والتأليف والرسم، ورث الموهبة من والده "بيتر فوليدس" المتمرّس والرائد في سينما التحريك، ولعلّ المكانة الإبداعية المتعددة تُعتبر كافية ومنطقية لترجمة السرد عن الخسارة الجماعية والخسارة الشخصية (اللامنطقية).
واللامنطقية هنا لا تعود للتنفيذ بل في عوالم الواقعية السحرية للروائي الياباني هاروكي موراكامي.
الأزمة الوجودية وأشباح الانفصال
يرسم فيلم "الصفصافة العمياء، المرأة النائمة" إنتاج (هولندا، كندا، فرنسا، لوكسمبورغ)، حياة ثلاث شخصيات من سكان طوكيو، أُلقوا في دوامة من القلق والكآبة والضياع النفسي في أعقاب زلزال 2011 الناجم عن "تسونامي" في شرق اليابان.
إذ يركّز بشكل أساسي على حياة اثنين من موظفي بنك طوكيو للتأمينات، أحدهما "كومورا" وهو محاسب يبدأ في التساؤل عمّا إذا كان يريد الاستمرار في العمل، ويعيش أزمة مع زوجته "كيوكو" التي تعاني بدورها من صدمة نفسية مع استمرار الذهول والخرس أمام التقارير المتلفزة عن الدمار الذي لحق بالأرض والأرواح البشرية، تتجاهل محاولات زوجها للتواصل معها، إلى أن تقرّر الاختفاء فجأة يوم عيد ميلادها، تاركةً له رسالة موجزة تقول فيها "العيش معك يشبه العيش مع جزء كبير من الهواء".
في الطرف الآخر من القصة زميله "كاتاجيري"، موظف قروض مسن يعيش مسلوب الإرادة في العمل، ويعيش بمفرده. تؤدي الأزمة الوجودية لكل قصة إلى الانفصال الروحي، فالشخصيات الثلاث تعيش تحت مظلّة مدينة تحكمها أطر رأسمالية فجّة، تمتص ببطء كل شبر من أرواحهم وتزعزع هويتهم.
الأدوار الثانوية في الفيلم شفّافة في كثير من المشاهد، ليس بسبب عدم أهميتها في الصورة، لكن موقعها في اللغة المرئية مثل الحلم المهلوس الذي لا يمكننا الاستيقاظ منه، ولربما ساعد تنفيذ الوجوه غير المظلّلة والشخصيات الشفافة، في نسج دائرة بين الحلم وحياة اليقظة.
هل هذا يعني أنّ كل شيء في الحياة هو مسألة قوى؟ في مسعى "فولديس" لتصورات هاروكي، كان الجواب "نعم"، حيث تبيّن أنّ ميزان القوى كمياً ، والتبادلية غير موجودة، والدليل هو تصميمه للشخصيات الخلفية في الأماكن العامة، وتعزيز ذاك الشعور "الشبحي"، بينما الشخصيات الأساسية واضحة بانكساراتها وجراحها الداخلية، إنّ كل شخصية أعلنت عن مأساتها في الفيلم ظهرت كأنما هي اللُب والآخرين قشور!
فلسفة الرسم غير المكتمل
على الرغم من أهمية هذه الأطروحات النفسية، إلاّ أنّ الجانب الأكثر إثارة للاهتمام في ترجمتها هو أسلوب الرسوم المتحركة.
اتسم التحريك هنا بجودة غير مكتملة، تظهر بشكل سريالي مُبهج، تخلّلها حس فكاهي عابر في غمرة الرؤى الغريبة والمخاوف التاريخية وأحلام اليقظة، باعتبار أنّ خط الفيلم يسير بين الواقعية والخيال، سُرد مع الكثير من الصور بمستويات مختلفة في التصميم.
جمع الفيلم بين الحركة الحية والرسوم المتحركة، تضفي الواقعية حضورها على حجم وحركة أجسام الشخصيات.
من خلال نهج صناعة الأفلام المركّبة الذي يجمع بين لقطات الحركة الحية والرسم ثلاثي الأبعاد، يلتقط المخرج التفاصيل الدقيقة للإيماءات ولغة الجسد، وفي نفس الوقت، يوظّف تقنية الرسوم المتحركة الانتقائية والإطارات المسقطة مع أشكال الوجوه بتخطيطات تقليدية خالية من الظلال.
وربما تعمّد فولديس عدم الكمال في هيكل الملامح، وربما تكون غايته التقاط التعبيرات الرئيسة للممثلين، ثم إضافة الخطوط الشفافة والأنسجة الخشنة المتقاطعة في جميع أنحاء الخلفية، هكذا جمع الفيلم في الكادر المشهدي كلاً من الكتلة الحية ولمسة من الزوال.
رموز موراكامي المرعبة
خلافاً لكثيرين، تنتمي قصص موراكامي إلى مغازلة الرعب النفسي ولكن بشكل مرن وفضفاض، وقد استطاع فولديس مداعبة هذا الرعب باستحضار قوام مختلف في أسلوبه الفني، تتكوّن القصص من ذكريات وأحلام وخيالات، متأثرة برؤى فردية للزلزال مثل مشهد "شجرة الصفصافة العمياء" التي تحمل الكثير من حبوب اللقاح يغطّيها ذباب صغير، يحمل الحبوب ويضعها داخل أذن المرأة ثم يجعلها تغطّ في النوم، بينما يبقى الذباب داخل المرأة ويتغذّى على لحمها!
أيضاً مشهد عودة الموظف الخانع "كاتاجيري" إلى منزله ذات مساء ليجد أمامه ضفدعاً عملاقاً يتناول القهوة ويطلب منه بهدوء مريب مساعدته في محاربة وحش تحت الأرض وإنقاذ طوكيو من كارثة وشيكة. وفي مشهد آخر يتحوّل القطار إلى دودةٍ عملاقة، تحاصر الجميع وتلتهم ركابها بالداخل.
تُظهر هذه التسلسلات أنماطاً لقوة مُستهلكة، لا تعرف سوى التدمير في شخصيات هشّة تسيطر عليها العدمية وتولّد توتراً بصرياً مثيراً للاهتمام يسري طوال الفيلم.
فكان ملعب الرسوم المتحركة هو المساحة المرنة لحساسية تصور العناصر مثل: أشجار مخيفة، دودة عملاقة، أمنية سرية لا نعلم كنهها حتى النهاية، كلمة مرور غير معروفة، صندوق فارغ غامض وممرات ضيّقة ومظلمة لا نهاية لها.
تقترن الشخصيات الرئيسية من خلال تلك الرموز المكثفة، وبينما تحاول الاتصال بكل ما هو ملغز تراها تقع في شراك ممرات متهالكة، هنا يقارن "فولديس" بين سريالية هذه الكوابيس وبين طبيعية تمثيلها، ويتصوّر خصوصياتها من خلال اكتشاف وكشف الاختلاف في أسلوبه الفني.
بهذا المعنى بوسعنا أن نجد أنفسنا إزاء فيلم يحصي خسارة البشر بعد محاولتهم إعادة اكتشاف ذواتهم الحقيقية.
تجدر الإشارة إلى أنّ فيلم التحريك "الصفصافة العمياء، المرأة النائمة" عُرض في المسابقة الرسمية لمهرجان القاهرة السينمائي في دورته الرابعة والأربعين، ويعدّ المهرجان المحطة الخامسة للفيلم بعد أن تنقّل في أكثر من تظاهرة دولية وحصد العديد من الجوائز، منها الجائزة الكبرى في مهرجان بروكسل للرسوم المتحركة.
نبض