30-07-2023 | 08:15

أوبنهايمر... "العبقريّة المدمّرة"

"أسطورة" أوبنهايمر يحييها المخرج الشهير كريستوفر نولان في فيلم يحصد النجاح.
أوبنهايمر... "العبقريّة المدمّرة"
Smaller Bigger

لهبٌ ناريّ ثمّ صدمة: "أصبحتُ الآن الموت. مدمّر العوالم". كانت هذه الجملة الواردة في كتاب "بهاغافاد غيتا" المقدّس لدى الهندوس أوّل ما تذكّره العالِم النوويّ جاي روبرت أوبنهايمر (1904-1967) حين افتتح بـ"نجاح" العصر النوويّ يوم الاثنين 16 تموز 1945. في الساعات الأولى من ذلك اليوم، فجّر أوبنهايمر وفريقه أوّل قنبلة نوويّة في نيو مكسيكو.

  

بحسب الكتاب الهندوسيّ، كان كريشنا يجيب على أسئلة الأمير أرجونا بشأن معضلة خوض الحروب التي تحتّم قتل أصدقاء في الجبهة المقابلة. كريشنا طمأن الأمير أنّ من واجبه القتال على أن يترك قضيّة الموت والحياة له. بهذا المعنى، رفع الإله الهندوسيّ أيّ مسؤوليّة عن أرجونا. لكنّ أوبنهايمر شعر بالندم طوال حياته. حين دعاه هاري ترومان إلى البيت الأبيض بصفته "بطلاً" أميركيّاً، شعر الرئيس الأميركيّ بصدمة من وخز الضمير لدى أوبنهايمر.

 

حاول ترومان، بشيء من الغضب المكبوت، تهدئة خواطر ضيفه إنّما من دون جدوى. الحديث المتوتّر للرئيس الأميركيّ مع العالِم النوويّ، صوّره ببراعة مخرج وكاتب فيلم "أوبنهايمر" كريستوفر نولان. تمثّل حدّة الحوار والجدل عنصراً أساسيّاً لنجاح فيلم يمتدّ ثلاث ساعات. سهّلت هذه المهمّة كوكبة من نجوم هوليوود. الممثّل الآيرلنديّ في دور البطولة كيليان مورفي، مات دايمون في دور الضابط الذي أشرف على بناء البنتاغون ومشروع مانهاتن ليزلي غروفز، روبرت داوني ممثّلاً دور الرئيس الأسبق للّجنة الأميركيّة للطاقة الذرّيّة لويس ستراوس وغيرهم.

 

العلاقة مع أينشتاين

لم يفت نولان تعريف المشاهدين إلى التطوّرات المحوريّة في حقبة الثلاثينات والأربعينات. تصدّر السباق إلى امتلاك القنبلة النوويّة بين الألمان والأميركيّين والروس واجهة الأحداث العلميّة والعسكريّة آنذاك. لكنّ سباقات أخرى بدأت تطلّ برأسها في ذاك الوقت. كان علم فيزياء الكمّ الذي لم يرتح أينشتاين كثيراً له، يبصر النور. عبارته الشهيرة "الله لا يلعب النرد" كانت حاضرة على لسان أوبنهايمر باعتبارها إيذاناً بانتهاء عصر أينشتاين. ثمّة مبالغة أو أقلّه جدل حول مدى رفض أينشتاين لفيزياء الكمّ خصوصاً أنّه نال جائزة نوبل للفيزياء بسبب أبحاثه على التأثير الكهروضوئيّ وهو نفسه أحد أسس هذا الفرع من الفيزياء. بالمقابل، كان أوبنهايمر أبرز شخصيّة علميّة تنقل فيزياء الكمّ من أوروبا إلى أميركا.

 

يظهر الفيلم تبادلاً موجزاً للحديث بين العالمين لكنّه مع ذلك يبقى مؤثّراً في مسيرة أوبنهايمر. اختلف الرجلان في النظرة إلى القنبلة النوويّة حيث كان أينشتاين أسرع في التخوّف من مخاطرها.

 

لكنّ أوبنهايمر تغلّب على أينشتاين في مضمار فيزيائيّ آخر يمثّل أحد محاور علم الكون في الوقت الراهن. تنبّأ أوبنهايمر بوجود الثقوب السوداء وفهم كيفيّة ولادتها انطلاقاً من انهيار النجوم ذات الكتلة الكبيرة. إذا كان الجمهور العريض يتذكّر العالِم بصفته "أبي القنبلة النوويّة"، فالعلماء يفضّلون تذكّره كـ"أبي الثقوب السوداء". كان أينشتاين يعتقد، بخلاف أوبنهايمر، أنّه لا يمكن لنجم أو لأيّ جسم الانهيار إلى حجم ما بات يُعرف بالشعاع الثقاليّ أو حجم الثقب الأسود. ثبت أنّ أوبنهايمر كان على حقّ، وأنّ أينشتاين كان مخطئاً.

 

شخصيّة معقّدة

يظهر نولان كيف تمدّدت الأفكار اليساريّة والماركسيّة إلى المجتمع العلميّ الأميركيّ. سيخلق ذلك مشكلة للعلماء ولمسيرتهم المهنيّة. حتى الانضمام إلى النقابات والدفاع عن العمّال أثار الشبهات سريعاً لدى السلطات الأميركيّة. إنّها عقدة كبيرة أخرى تمثّل جزءاً وازناً من مسار الأحداث في الفيلم. ومع تداخل الميول السياسيّة بالطموحات الشخصيّة لبعض العلماء، تسلك الدراما منحى تصاعديّاً. يظهر السيناريو كيف أنّ الصيت الإيجابيّ يمكن أن يتبدّد بسرعة أكبر من سرعة تدمير السلاح النوويّ لمعالم الحياة.

 

المغامرات العاطفيّة حاضرة أيضاً. أوبنهايمر كان ذائع الصيت كعالم فذّ، لكن أيضاً كزير نساء (يعتقد البعض أنّ في هذه الصفة مبالغة). ببساطة، كانت شخصيّته معقّدة. تعرّض لإحراج أمام زملائه على يد أحد أساتذته فحاول قتله. لكنّه يصبح أكثر ثقة بنفسه مع مرور الوقت. لن تكون هذه الثقة مجّانيّة. الثمن الذي سيدفعه غير زهيد.

 

إشكاليّة أخرى

يشتهر نولان بأنّه لا يعتمد التسلسل الزمنيّ المتدرّج في أفلامه، و"أوبنهايمر" لا يشذّ عن القاعدة. تتأرجح الرحلة مراراً بين المستقبل والماضي، والمَشَاهد بين الملوّنة وغير الملوّنة، لدى المخرج الأميركيّ-البريطانيّ لإدخال مزيد من الجاذبيّة إلى السيناريو. سمح هذا الأمر لنولان بإضفاء ميزة أخرى على الفيلم. هو لا ينتهي حيث يتوقّع معظم الجمهور أن ينتهي: عند اختبار القنبلة النوويّة في 16 تموز (يوليو) أو عند قصف هيروشيما وناغازاكي في 6 و 9 آب (أغسطس) سنة 1945. حتى ندمُ أوبنهايمر الذي يظهره نولان بمؤثّرات لافتة لن يكون نهاية الطريق.

 

يضيء الفيلم أيضاً على إشكاليّة العلاقة بين السياسيّ والعِلميّ. سيمنح رجل السياسة العالِم ما يريده من مال وخبراء وأمن حتى يحقّق اختراقه. بعدها، سيكون على العالِم الامتناع عن إصدار توصيات أو نصائح بشأن استخدام أو عدم استخدام السلاح. هزيمة النازيّين على يد الحلفاء لم تعنِ نهاية تصنيع القنبلة. حتى النصائح بشأن معاهدات حظر الانتشار ستقع على آذان صمّاء في أفضل الأحوال، أو تثير الريبة في أسوئها.

 

استند نولان إلى كتاب "بروميثيوس أميركيّ: انتصار ومأساة جاي روبرت أوبنهايمر" للكاتبين كاي بيرد ومارتن شيروين (2005). أوبنهايمر نفسه يتذكّر أيضاً هذه الأسطورة حين عاقب زوس بروميثيوس لسرقته النار من الآلهة وإعطائها إلى البشر. هكذا، تتأرجح "الأسطورة" مع نولان بين صفتين شبه متناقضتين: "العبقريّ" و"مدمّر العوالم".

 

كيف يمكن أن تجتمع الصفتان في شخص واحد؟

يترك الفيلم الاستنتاجات للجمهور. لكنّه لا يبخل في تقديم أجوبة. أوبنهايمر يفضّل حصول الأميركيّين عليها بدلاً من النازيّين. إنّه ببساطة الخيار الأقلّ مرارة. قد يرى آخرون أنّ ستراوس، الرئيس الأسبق للّجنة الأميركيّة للطاقة الذرّيّة، محقّ في جانب من الجوانب: "العبقريّة ليست ضمانة للحكمة".

لكنّ ستراوس نفسه لم يكن حكيماً أيضاً. الفيلم يكشف أكثر...

 

الأكثر قراءة

كتاب النهار 7/20/2026 5:40:00 AM
لا يزال لبنان يراهن على موقف أميركي ضاغط لانتزاع ورقة الانسحاب، في مواجهة الممانعة المتصاعدة والضغوط التي يمارسها "حزب الله"
النهار تتحقق 7/20/2026 11:50:00 AM
تصريحات رئيسي الجمهورية والحكومة اللبنانيين غير مسبوقة. "أتوجه إلى السوريين وأقول لهم إن لبنان بلدكم الثاني، وسنعاملكم كأبناء هذا البلد"، يقول جوزف عون في الفيديو.
النهار تتحقق 7/20/2026 3:03:00 PM
يأتي تداول الصورة بعد تتويج المنتخب الإسباني بلقب كأس العالم، إثر فوزه على نظيره الأرجنتيني بنتيجة 1-0 بعد التمديد للأشواط الإضافية في نيوجيرزي.
لبنان 7/20/2026 9:10:00 PM
فرع المعلومات كان قد استدعى عليق في وقت سابق، إلا أنه تخلّف عن الحضور...