23-03-2024 | 15:51

"إنها لعبة الأرقام" في معرض هادي سي... دعوة لاسترداد الإنسانيّة المسلوبة

"انها لعبة أرقام" بل انها أحجية وطلاسم وصدمات ومواجهات، يعرضها علينا الفنان المتعدد الوسائط هادي سي Sy (من مواليد بيروت 1964- سنغالي فرنسي الجنسية) في غاليري صالح بركات (حتى 13 نيسان/ ابريل).
"إنها لعبة الأرقام" في معرض هادي سي... دعوة لاسترداد الإنسانيّة المسلوبة
Smaller Bigger
 
"إنها لعبة أرقام" بل إنها أحجية وطلاسم وصدمات ومواجهات، يعرضها علينا الفنان المتعدد الوسائط هادي سي Sy (من مواليد بيروت 1964 - سنغالي فرنسي الجنسية) في غاليري صالح بركات (حتى 13 نيسان/ أبريل). 
في معرض يحمل هذا العنوان العبثي، وكأنه من سبيل التوضيح يريد أن يدخلنا في الغموض وأن يوقعنا في شِباك ألاعيبه المحيّرة التي تتمثل بأعمال تركيبية من الفولاذ المقاوم للصدأ Corten steel، هي قامات تجريدية المظهر ولكنها مكونّة من أرقام، متصلة بسرديات غريبة، وثيمات نابعة من التأمل في استكشاف خلفيات المشهدية المدينية المعاصرة العابرة للثقافات، ومآلها وتراكماتها الدراماتيكية التي تهدد وجود الإنسان الذي أضحى مجرد رقم (في عالم الطب والملعوماتية والإحصائيات وضحايا جرائم الحروب..). لا إنها ليست مجرد لعبة أرقام بل إنها عمل جديّ حتى المرارة.
هادي سي من هواة شيفرة الأرقام (الكود) ورموزها ومعانيها الباطنة والغامضة، قيل بأنه ساحر هذا اللقب، فاز به عن أعماله الفنية السابقة التي شهدناها منذ طرح إشكالية الصفرZero وعلاقته بعالم المال والبورصة وأسطورة التلاعب بقيمة الدولار، لنرى في ما بعد تأثيراتها الكارثية على الاقتصاد اللبناني، بل هو فنان رؤيوي ومفكر وباحث ينقب وسط ركام حضارات الألفية الثالثة واستراتيجيات العنف والتسلط وخرائط الرعب، عن النبض الإنساني المسلوب، الإنسان الذي أضحى رقماً. في رحلة استشكاف تنطلق أعماله من التفسير للطبيعة العلمية للأرقام إلى تعقيدات النظام الكوني، ومن الحاضر إلى الباطن إلى التكهنات، ومن الميتولوجيا والتاريخ والأديان إلى الأحداث الكبرى التي هزت العالم، وتركت بصماتها المؤثرة على جبين الأرض. 
في العالم القديم، لعبت الأرقام والرموز دوراً مهماً في عِلم السحر، وكان يعتقد أن الأرقام على علاقة مباشرة بالعالم الروحيّ والكون، وأن لها أهمية صوفية، كما تمّ استخدام الرموز لتمثيل مفاهيم وأفكار تتجاوز قدرة اللغة على وصفها. في ألعابه يضعنا الفنان هادي سي إزاء تحديات التقدم التكنولوجي لعلم الأرقام في الزمن الراهن كأداة لا يمكن الاستغناء عنها، لأن مسألة قبول التقنيات الجديدة أو رفضها لم تعد خياراً متاحاً بل أصبحت واقعاً ذا تأثير كبير على مجريات حياتنا وسلوكنا اليومي، حتى أضحت الأرقام أشبه ما تكون بخريطة تجريدية لتكوين شيفرة وجوهنا وبصمة وجودنا ونوافذ المعرفة والاتصال بالعالم. 
 
 
 
لغز الأرقام
من أشكالها المجرّدة قام هادي سي بالاتجاه المعاكس فحوّل الأرقام إلى كائنات حسية ملموسة وقامات إنسانية ونبات وتكاوين مزينة بدانتيللا الحديد وزخرفه ونقوشه وغصونه. والافتتان بالصلب لدى الفنان يعيدنا إلى عجلة الزمن الماضي في العصر الصناعي، عصر التفوق الذي بنى للحداثة مداميكها، قبل أن يغرق العالم في خنادق الحروب، ليصبح الإنسان رقماً في العصر الاستهلاكي بعيد الحرب العالمية الثانية مع صعود لغة الأرقام في منتجات البوب - آرت، كما يضعنا أيضاً وجهاً لوجه أمام تطور مفاهيم البنى الجمالية المعاصرة، بالاعتماد على تقنيات تطويع المعادن والصلب والقص باللايزر والتخريق، في عصر العولمة والذكاء الاصطناعي وصعود الديكتاتوريات المعاصرة والعنف والوحشية المستبدة. ثمة ما يذكّرنا بالتعبير اللاتيني القديم الذي استعاده الفيلسوف آرثر شوبنهاور مفاده أن الإنسان ذئب الإنسان في تخطٍ للرعب من المجهول قديماً إلى رعب العيش بين البشر. 
في هذا السياق يقدم الفنان لمبتغى العرض بالقول: "في عالم غالباً ما تؤدي فيه الحروب والأوبئة والسعي وراء الثروات إلى تحويل الأفراد إلى مجرد إحصائيات، تسعى لعبة الأرقام إلى تحدي هذا التجريد من الإنسانية من خلال القوة التحويلية للفن المفاهيمي". 
لا فكرة واحدة جامعة للعبة الأرقام لدى هادي سي، بل لكل قطعة في المعرض قصة مع الرقم الذي يشكل تيمة مستقلة بحد ذاته، بعضها جليّ وبعضها ملغز، وكأن حقاً ثمة طبقات من المعنى في كل عمل، وفي كل فكرة، والقَصد هو دعوة المشاهدين إلى الانخراط في الحوار حول القيمة الجوهرية لكل فرد والوعي الجماعي للإنسانية. هذه الدعوة قد لا تبدو للوهلة الأولى سهلة على الفهم للانخراط فيها والتواطؤ معها، لكنها تستحوذ على الإعجاب بأسلوب هادي سي المفاهيمي، الذي يصدم بجديده وذكائه ومرونته، وهو أسلوب قائم على الثنائيات (خصوصاً الذكر والأنثى....)، والسالب والموجب والوحدة والتنوع والتشخيص والتجريد في آن واحد، على قاعدة الحرية في اللعب بالأرقام ومعاملتها كمفردات طيّعة للتشكيل، كأعمال نصبية محكومة بالحركة واللعب والتمدد والقفز والانقلاب والتكرار والاقتحام للفراغ وتسلق الفضاء. 
 
شجرة الأرز احتفاءً بمئوبة "النبي" لجبران
 
 
خوارزميات
الحرية هي المفازة الحقيقة وهي أداة اللعب وأهم شرط من شروط الفن التي يعيها الفنان الذي نراه يشيّد من الصفر والواحد، أكبر صرح في أعماله وهو قطعة فولاذية ضخمة تحمل عنوان "Googol" وهي أعجوبة رياضية تتكون من واحد (يرمز إلى الوحدة) متبوعاً بمئة صفر، كل صفر يختلف عن الآخر، في سياق تسلسلي متدفق يرمز إلى الاستحالة في حصر التدفق الرقمي من جهة، ويذكِّر بأن الوحدة لا تتطلب التماثل، بل إن ثراء الفردية قائم على تنوع الاختلافات التي تجتمع معاً في وئام.  
من خوارزميات الأرقام ينهض عمل نصبيّ آخر يعيدنا إلى أصل الأرقام التي تعرف بالأرقام العربية (1 2 3..) التي اخترعها الخوارزمي وهي المنتشرة في أنحاء العالم، وتقوم على تصميم  تلك الأرقام على أساس عدد الزوايا (الحادة والقائمة) التي يضمها كل رقم (فالرقم واحد يتضمن زاوية واحدة، ورقم اثنان يتضمن زاويتين، والرقم ثلاثة يتضمن ثلاث زوايا – إلخ....). ثم تظهر سفينة نوح التي تبحر في متاهات الزمن بأرقام هي من الثنائيات الأولى التي نجت من الطوفان. وتأخذنا شجرة هادي سي إلى حديقة كتاب النبي لجبران خليل جبران، في ذكرى مئويته، حيث تندمج تواريخ البدايات والنهايات. 
المبتغى العرفاني 
في المعرض ثمة ما يوقظ الحواس على تاريخين أو محطتين بارزتين بين غابة الأرقام (الهندية والعربية)، منحوتة باللون الأسود، فيها شيء من اللبس والإحالة إلى اسم الجلالة "اللّه" حيث "اللامان" يتمثلان كبرجي التجارة العالمية في نيويورك، أما الهاء فهي مدوّنة باللغة العربية، والمنحوتة الثانية مكوّنة من ثلاثة أرقام تشير إلى الساعة السادسة وتسع دقائق. لاستجلاء المعاني المضمرة يقول الفنان "إن الإلهام من وراء المعرض متأتٍ من رحلة شخصية عميقة بدأت في مدينة نيويورك، وتحديداً الأحداث المروّعة التي وقعت في 11 سبتمبر 2001، ومن شقتي في شارع شامبرز، حيث غيّرت مشاهدة ذلك اليوم إلى الأبد وجهة نظري حول الحياة والإنسانية والتأثير المنتشر للأرقام في مجتمعنا، وبعد مرور تسعة عشر عاماً كان انفجار مرفأ بيروت في 4 أغسطس 2020، بمثابة تذكير مأساوي آخر بأننا مجرد أرقام".    
في هوسه بالأرقام يذكرني هادي سي بالمربع العجيب لألبرخت دورر Dürer، في مطبوعته الشهيرة "ميلانكوليا"، أو «سوداوية» التي تعدّ من بين أكثر الأعمال إثارة للحيرة التي تصف حالة الفنان نفسه، ما بين عبثية الاستقصاء والاستحالة. 
داخل المربع جدول أرقام يؤدى أيّ صفٍ فيها فى حالِ جَمعه إلى الرقم 34 متتبعاً دلالة الأرقام التى يفيدها هذا الجدول، حتى أنه فى النهاية يمنحنا رقماً هو 1514 وهو العام نفسه الذي أبدع فيه دورر هذا العمل. علماً أن فكر عصر النهضة ربط بدوره السوداوية بالعبقرية الإبداعية، القائمة على علم الأرقام والنسبة الذهبية في بناء منظور البعد الثالث الوهمي في العمل الفني. 
في لعبة الأرقام وضع هادي سي الفن في سياق الأفكار الجديدة، التي تعبر عن الوجود الإنساني ضمن بُعدين تجريديين، بُعدٌ روحي وبُعدٌ جسماني. إذ إن الانغماس في علم الأرقام جعل الإنسان أشبه بروبوت محاصر بقوى التكنولوجيا من جميع الجهات، كما جعلته أسيراً في كل مكان تحت ذريعة التدابير والاختراعات التقنية المتنوعة التي تعمل على اجتذابه واستقطابه وتفرض نفسها عليه. على هذا الأساس كشف هادي سي فلسفة الوجود التكنولوجي من منطلق المنهج العرفاني الذي يرى الإنسان كائناً مسجوناً في قفص، وأنه مسلوب الإرادة أشبه بصفر في تأريخ البداية والنهاية، خاصة بعد ظهور برامج الذكاء الاصطناعي التي تستطيع محاكاة العقل البشري والقيام بعمليات ذهنية مشابهة بل متفوقة. فالسجن المعاصر الذي كشف عنه هادي سي النقاب في أعماله هو سجن داخل سجنٍ داخل سجنٍ أشبه بمتاهة لسؤال جديد: "عن أي حياة نتحدث؟ وماذا ينتظرنا في المستقبل؟".
 

الأكثر قراءة

اقتصاد وأعمال 4/15/2026 2:20:00 PM
تمثّل الاستراتيجية الجديدة "تحوّلًا من مرحلة النمو والتوسع إلى مرحلة تعظيم الأثر الاقتصادي ورفع كفاءة الاستثمارات".
الخليج العربي 4/15/2026 10:00:00 PM
شددت على ضرورة "التزام حكومة جمهورية العراق بوقف ومنع كل الأعمال العدائية الصادرة من أراضيها"...
المشرق-العربي 4/16/2026 10:53:00 AM
تم خلال العملية ضبط ومصادرة أسلحة حربية وذخائر وجعب عسكرية كانت بحوزة أفراد الخلية
شمال إفريقيا 4/16/2026 10:47:00 AM
تصاعد الدور المصري في مفاوضات إيران يطرح احتمال تحوّل القاهرة من وسيط تقليدي إلى شريك فعلي في صياغة التسوية.