معرض للفنان مروان في هامبورغ... سيرة الوجه الكابوسيّ وحطامه
الفنان المعروف عالمياً بإسم "مروان" قبل أن يفارق الحياة، هو مروان قصاب باشي (مواليد 1934، دمشق، سوريا – توفي 2016، برلين، ألمانيا) الذي تقيم له غاليري صفير زملر لمناسبة عيد ميلاده التسعين، معرضاً استعادياً متميزاً في صالة عَرْضِها في هامبورغ (ألمانيا- يستمر لغاية 27 نيسان/ ابريل)
"لقد فهمت في ذلك الوقت أنني لم أكن مهتماً بالبورتريه بمعناه التقليدي، بل بالقوة الاستفزازية العاطفية والنفسية للشخصية الإنسانية باعتبارها استعارة، وقدرة الجسد على تجسيد رغباتنا المثيرة والاجتماعية والسياسية، والموانع والمحظورات".
عبارة كتبها الفنان المعروف عالمياً بإسم "مروان" قبل أن يفارق الحياة، هو مروان قصاب باشي (مواليد 1934، دمشق، سوريا – توفي 2016، برلين، ألمانيا).
حاليا، تقيم له غاليري صفير زملر لمناسبة عيد ميلاده التسعين، معرضاً استعادياً متميزاً في صالة عَرْضِها في هامبورغ (ألمانيا- يستمر حتى 27 نيسان/ ابريل).
يجمع المعرض مختارات من أعماله المبكرة في ستينات القرن العشرين، ويغطي الفترات المختلفة من انتاجه الفني وصولاً الى المراحل الأخيرة من حياته.
والمعروف انّه بعد وفاته، عُرضت أعمال مروان في بينالي البندقية السابع والخمسين (2017)، وبينالي الشارقة (2019) ويمكن العثور على أعماله في مجموعات MoMA في نيويورك؛ ومتاحف عالمية عديدة في ألمانيا وفرانكفورت وتيت مودرن والمتحف البريطاني في لندن ومركز جورج بومبيدو والمكتبة الوطنية الفرنسية ومعهد العالم العربي في باريس؛ ومتاحف عربية من بينها متحف أبو ظبي والمتحف الوطني في دمشق، ومؤسسة عبد الحميد شومان ودارة الفنون في عمان فضلاً عن المجموعات الخاصة العالمية.
المشهدية هي سمة بارزة ومؤثِّرة من سمات أعمال هذا الفنان، الذي يتجسّد في كل وجه من وجوهه الضخمة (الجدارية غالباً)، وكأنّ كل الوجوه هي صدى وجه واحد ولكن من تراكمات شتّى. يتفق ذلك مع قول ابن عربي الذي استشهد به مروان ذات مرة قوله: "وما الوجه إلاّ واحدٌ غير أنّه إذا أنت عدّدت المرايا تعددا".
ومن هذه الوحدانية انتقل الفنان إلى الثنائية، ليطرح في انتاجه الذي يعود إلى الخمس سنوات الأخيرة، عنوان الصداقة، موضوعاً لانعكاس صورة الرأس في مرآة مقلوبة، أو على سطح ماء.
قد يكون الانقلاب حوار النقيض لرأسين متقاربين يتشابهان في زيغ ملامحهما ولكنهما في اتجاهين متعاكسين، أحدهما صحيح والثاني منكّس، أحدهما صورة مضمحلة عن الآخر على أفق فاصل أو في فضاء خلفيّ ضئيل.
لكأنّ الثنائي بدعة أو فخ لرجل يعبث بصورته الملولة، فلا يكاد المرء يفرّق بين الحقيقة والوهم، وأيهما الوجود وأيهما الغياب.
الوجه المعجون بالألم والكدمات لوحة من سبعينات القرن العشرين
الوجوه- المناظر
يتيح المعرض (اعمال: 1964- 2008) إعادة اكتشاف البعد الشعري العميق الحاضر في مسيرته الفنية المترابطة في حلقاتها التصاعدية، لاسيما العلاقة الوطيدة التي ربطته بكل من الشاعر أدونيس والكاتب عبد الرحمن منيف.
لقد قيل وكُتب الكثير عن وجوه مروان ورؤوسه، وتبارت الأقلام في مديحه واستنباط جذوره الشرقية ومنهجه الصوفيّ ومؤثراته الغربية. غير أنّ الفنان الذي أثبت حضوره بجدارة في برلين عاصمة التعبيرية الالمانية، استحق مجده وانتشاره.
رؤوس إنسانية هي التيمة شبه الوحيدة الحاضرة في اعماله، وليس سوى الرؤوس. فالانسان هو المحور الوجودي الذي يغدو عالماً مبنياً بالمشاعر والأحاسيس والتذكارات المعجونة بالألم والوحدة. يتراءى الرأس جذع شجرة تتهاوى وكثيراً ما يظهر كهفاً صخرياً أصماً من تجاويف ونتوءات، أو دغلاً متشابك الأغصان، لفرط ما تراكم عليه من طبقات اللون واللمسات العريضة السوداء التي تهبّ في كل الاتجاهات.
إنّها مناظر الوجوه Landscape Faces الرحيبة العملاقة الضاغطة الحزينة الململمة من ثقافة الشرق والغرب التي تطلّ على زائريها، كأقنعة من لحم ودم توخز العين والقلب، بلا ضماد تسيل جراحها التي لا تندمل في ليلِها البهيميّ.
مخلوقات منبعثة من طين الأرض ووحولها وأثلامها، من فيضها وغمرها، من جبالها ووهادها، من براكينها ولظى حممها ونيرانها. ولعلّ من اسرار الوجه هو البعد الإيهامي الخفيّ، الذي يتباين من قارئ لآخر. ومع تنوع هذه القراءات والمقاربات البصرية، تبزغ الوجوه من جديد، لتستمر وتعيش، إذ كل ما هو على سطح اللوحة جسم يتوق للوجود.
ولكي ينقشع يحتاج إلى أكثر من قراءة وحوار لكشف ما وراء القشرة الظاهرة على السطح من عشرات الوجوه الخلفية.
فالوجه هو السيرة الذاتية لمروان، المكتوبة بشقاء الغربة والعزلة، خميرة البدايات المبكرة التي تعود إلى الخمسينات من القرن الفائت حين كانت مناظره لبعض القرى السورية محمّلة بالعاطفة الوجدانية والعجائن اللونية الكثيفة التي تذكّر بفان غوغ وفناني ما بعد الانطباعية. ثم تأتي النقلة النوعية الأولى باتجاه التعبيرية المأساوية، غداة انتقال مروان للدراسة في برلين عام 1957، حيث التحق بمدرسة Hochschule für Bildende Künste.
وسرعان ما اندمج مع مجموعة من الرسامين التعبيريين الألمان، وعمل جنباً إلى جنب مع فنانين مثل جورج باسليتز ويوجين شونيبيك. تركّزت لوحاته المبكرة من الستينات على الشكل البشري بأسلوب تشخيصيّ مثير للشكوك في جسم الإنسان باعتباره ذاتاً خارجية. كما أنّه في نفس الوقت غير متبلور بشكل مقلق.
الإنسان والألم
تمكّن مروان من اجتياز مرحلة التمزق بين الأساليب، مع تداعيات الأشكال الإنسانية في منظومة التجريد اللاشكلاني، لتظهر منذ منتصف الستينات، الخيارات الواضحة باتجاه العوالم الوجودية أي التشخيصية للإنسان. وهي حقبة فيها الكثير من التشوهات والسخرية والعدائية والوحشة، إذ تصور الوجه والقامة مع حضور خفي لجسم آخر مبتسر متعارض على مفارقات حميمة أو استفزازية.
إنّها علاقة الانسان بجسده وفضائه الداخلي، كعلاقته بغرفته وأشيائه الدفينة. وثمة دوماً صرخة صماء لاذعة، آتية هذه المرة من عمق التعبيرية الألمانية (ما بين الحربين العالميتين)، نرى فيها غالباً تشويهات ماكس بكمان وأوتو ديكس وصولاً إلى فرنسيس بايكون.
يمكن أن نطلق عليها مرحلة التّوعك والضيق والحنين والغربة القاسية التي جعلته يصور نفسه مراراً، باحثاً عن ملاذ لروحه وسكنى لجسده وموقع لهويته وتراثه وذاكرته. وهي في آن بحث في الاسئلة الصعبة، التي جعلت القامة تختفي من الوجود ليظهر بديلاً منها، اللقطة القريبة لرؤوس ممطوطة تعيش في مناخات كافكاوية، بالغرائز المحمومة والأشكال المترددة في تشكّلها الآدمي وشبه- الحيواني. فكانت سلسلة "وجوه مشهدية" التي وطّدت علاقة مروان أكثر فأكثر باللون، لاسيما بعد زيارته إلى باريس، واكتشافه معنى الراحة في لغة متحرّرة من الضوابط والقوانين.
منذ أوائل السبعينات، بدأت لوحات مروان تركّز فقط على الوجه الإنساني، باستخدام تنسيق أفقي، ورسم الوجه البشري كمنظر طبيعي، في طمس المعالم الطوبوغرافية. ومع مرور السنين، تحولت إلى ما أسماه "الرؤوس"، واستمر في رسمها حتى النهاية. للوهلة الأولى، تكشف ضربات الفرشاة المجرّدة بألوان أرضية عن نفسها كوجوه حزينة متعددة، موضوعة فوق بعضها البعض، وتحدق مباشرة في المشاهد من عمق اللوحة. من خلال إنتاج رسومات تخطيطية أو رسومات بالألوان المائية أو نقوش أو لوحات، طوّر مروان لغة الرسم السيزيفية من خلال نهج روحي تأملي من خلال الرسم مراراً وتكراراً على نفس الوجه، وغالباً على نفس القماش، في بحث مهووس عن جوهر الكائنات والأرواح.
ثمة لوحات من مرحلة الدمى وهي من بين أجمل مراحله تتمثل في المعرض ببضعة لوحات منفّذة بألوان مائية مع التامبرا، تتميز بشدة الانفعال والحيوية التي تطغى عليها الألوان التناقضية الحمراء والزرقاء والخطوطية اللاهثة والتلطيخ والتنقيط العفوي الجريء في تعاطيه مع المواد الشفافة واللزجة. وإن كانت هذه الموضوعات هي عارضة في مسيرة مروان، فالثابت منذ أواسط السبعينات هو الصعود المستمر للوحات الرؤوس التي ستغدو لعشرات السنين موضوعه الوحيد تقريباً.
كتب مروان مرّة يقول :"خيّل لي اليوم صباحاً كأني جذع شجرة قديمة تتساقط ثمارها على الارض وتحتويها التراب"، هكذا رسم هذا التساقط وجهاً كجذع شجرة.
كما كتب يصف كيفية بنائه لهذا الوجه فقال: "الصورة بالنسبة لي ليست الصورة المرسومة حالياً، وانما الطبقة المرئية، وهي ذات دلالات كثيرة تتمثل بتجارب ومعايشات طويلة الأمد تستتبع تغييرات مستمرة. تأتي العشرة الأخيرة (من هذه التغييرات) محجبة، وقيامة كل ما تحتها كعش الطائر، يُبنى من مئات الأغصان وأعواد القش، ليحمل بعد ذلك البيضة التي تلف الطائر الجديد".
السرّ في وجوه مروان أنّها كابوسية، تعيش في تداعيها بين جروحها وظلالها المدلهمة، العينان معلقتان كسراجين والفم مطبق كلياً.
لا شيء يمنع الملامح من أن تترنح عن مواقعها وهي تتلطخ بألف لون ولون. لكأنّها تستمد مضمونها التشكيليي العميق من شخصية الرسام المولع بالكتابة والشعر والأدب والتأملات الوجدانية الصوفية. ومع ذلك فهو تجريدي اكثر مما هو تشبيهي، شرقيّ في بعده الواحد الذي يلغي الأعماق، ليغدو هذا البعد هو العلاقة مع القريب والبعيد، والزمان والمكان، هو الكل الذي يحتوي الأجزاء والتفاصيل والإيهامات، بين الحركة والسكون والصمت والبوح.
الأكثر قراءة
اقتصاد وأعمال
4/15/2026 2:20:00 PM
تمثّل الاستراتيجية الجديدة "تحوّلًا من مرحلة النمو والتوسع إلى مرحلة تعظيم الأثر الاقتصادي ورفع كفاءة الاستثمارات".
الخليج العربي
4/15/2026 10:00:00 PM
شددت على ضرورة "التزام حكومة جمهورية العراق بوقف ومنع كل الأعمال العدائية الصادرة من أراضيها"...
المشرق-العربي
4/16/2026 10:53:00 AM
تم خلال العملية ضبط ومصادرة أسلحة حربية وذخائر وجعب عسكرية كانت بحوزة أفراد الخلية
شمال إفريقيا
4/16/2026 10:47:00 AM
تصاعد الدور المصري في مفاوضات إيران يطرح احتمال تحوّل القاهرة من وسيط تقليدي إلى شريك فعلي في صياغة التسوية.
نبض