جمّاليات القسوة والدماء في "مدينة الدواجن" للتشكيلي سمير فؤاد
وحده الفن الحقيقي الصادق، يبقى قادراً على أن يفجّر من العذاب المرير نهراً مستعذباً، وأن يصوغ من القسوة والترويع والقبح والبذاءة والعبث والاشمئزاز، معالجات خصبة ومتدفقة، تفيض بالجمال والروعة والجاذبية.
وحده الفن، يمكن أن يجعل السكّينَ الحادّة فرشاة مرهفة، تنزف عطوراً ودموعاً حمراء، وتنثر دماءَ المعاناة والخلايا المنصهرة من الأوجاع، على مسطح اللوحة، كأضواء لونية مشعّة بالدهشة والفتنة والقدرات التعبيرية المؤثرة المذهلة.
إنّه عالم واحد يتقاسمه البشر كافة، المسالمون والمتوحّشون، الضحايا والمعتدون، الأولياء ومصاصو الدماء، وتعيش فيه الكائنات المتنوعة جميعاً، المستأنسة وذات الأنياب والأظفار والمخالب.
ولا يملك الفن بطبيعة الحال في نظرته الاستبصارية الواعية الشاملة غير أن ينفتح على كل ما يتضمنه المشهد الحالي من علاقات وتفاعلات وتطورات متسارعة، وما يحتويه من ممارسات بغيضة ومقيتة.
ويا لها من لحظة بائسة من عمر الزمان، ويا له من واقع مأساوي كابوسي، انحسر فيه هامش الأمن والسلام والحق والعدالة والطمأنينة والائتناس والمشاعر الدافئة، وطغت فيه الصراعات والانقسامات والمطامع والنزعات المادية والسلوكيات الشيطانية، وعمّ فيه الفزع والغدر والظلم والقهر والتجمّد والتحجّر والجفاف والجفاء.
وفي خضم هذه الغابة الأسمنتية الصمّاء، التي تُنتهك فيها الأرواح والأجساد، وتفتقر فيها الحياة إلى مقوّماتها الأساسية، ويلهث الإنسان الضالّ خلف إنسانيته المفقودة في مسارات الأَلْيَنَة والرقمية والانتفاعية والاستهلاك، وتبحث الكائنات عن خلاص مستحيل من الدمار الشامل والفناء القادم لا محالة، يدير التشكيلي المصري المخضرم سمير فؤاد (80 عاماً) لعبته الخاصة في معرضه الذي اختُتم أخيراً في القاهرة تحت عنوان "مدينة الدواجن" (غاليري بيكاسو، فبراير/ شباط 2024)، طارحاً رؤية بصرية وفلسفية استثنائية لإعادة قراءة الذات والآخر والوجود والموجودات.

تحوّرات مهلكة
يقدّم سمير فؤاد في سلسلة لوحات "مدينة الدواجن" عصارة محطاته الإبداعية المتوالية، وخلاصة تجربته التشكيلية الرصينة المتفرّدة، التي أسفرت عن عشرات المعارض على مدار 60 عاماً، من بينها "شهرزاد ترقص"، "إيقاع الزمن"، "هروب اللحظة"، "لحم"، "حنين"، "النداهة"، "طعم الزمن"، "سكتت عن الكلام المباح"، وغيرها.
يقيم التشكيلي البارز، المولع دائماً بعناصر الحركة ومفاهيم الزمن ودراما السرديات الاجتماعية خصوصاً الحكايا النسوية، مملكته الفانتازية في معرضه الجديد، لتتسع للدواجن كسكّان أساسيين لهذه المدينة الغرائبية.
ومن خلال هذه الكائنات، التي يقول تاريخها البعيد والقريب إنّها طيور أليفة، يستعرض الفنان أطروحته الرمزية، التي تستخدم الدجاجات وما حدث لها من تطور فجائي محموم للإسقاط على ما جرى للبشرية من جنون.
على مستوى القصة، أو النص الموازي للوحات المعرض، فإنّ الفنان يحكي على ألسنة الدجاجات في هذه المرّة وليس على لسان شهرزاد المستضعفة كما عوّدنا من قبل، قصة عجائبية مثيرة. ملخّصها أنّ إفراط البشر في الاتّجار بالدواجن الحيّة والمذبوحة، الذي أدّى إلى تضخم ثرواتهم، قد صاحبه التفكير في إنتاج سلالات دواجن معدّلة وراثيّاً، لتحقيق المزيد من الربح.
ولكن الذي حدث بالفعل نتيجة عمليات التهجين، هو ظهور أنواع غريبة من الدواجن، لها صفات الطيور الجارحة. ومن ثم، فقد راحت آلاف الدواجن تقاتل بعضها البعض في معارك حماسية ضارية، وتضخّم المرض في أجيال الدجاجات الجديدة، حتى باتت كلها تقريباً مسعورة، لا يمكن علاجها.
وكانت النتيجة الحتمية، موت النسبة الأكبر من الدجاجات، إما مقتولة في هذه النزاعات الطاحنة بين كتائب الدجاجات، أو مذبوحة بأيدي الجزارين من البشر، الذين يئسوا من إمكانية شفائها. وقد انتقلت العدوى أو المخاوف إلى هؤلاء البشر أيضاً على نحو ما، فصاروا مشحونين بالهلع والإحساس بالخطر الشديد، واقتربت ملامحهم المحنطة من ملامح الدجاجات الباردة، المنزوعة الريش بعد موتها.

من خلال قصته الأسطورية، يصل سمير فؤاد إلى مطابقة تامة بين حال الدجاجات ومصيرها المحتوم، وحال البشر ومصيرهم.
فالتحورات التي أُريد بها تطوير إنتاج الدجاجات، وكانت سبب فنائها، هي ليست في حقيقة الأمر سوى الإغواءات والطفرات والهندسات الوراثية التي أريد بها العبث بالبشر، ليصيروا روبوتات وكائنات نظامية مطيعة ومنضبطة، وأكثر إنتاجاً واستهلاكاً في عالم العولمة والرأسمالية المسيطرة والتكنولوجيا الصناعية المتسيّدة.
والنتيجة أيضاً ليست في صالح البشر، وإنما هي ذلك السقوط الجماعي الراهن في هاوية الأزمات الدولية والكوارث الكبرى والتدهور البيئي والندرة الاقتصادية والنزاعات المهلكة، إلى جانب تفشي حالات الموت المفاجئ والانتحار والانهيارات النفسية والداخلية الخانقة، وغيرها من المهالك المنتشرة في هذه المرحلة من مسيرة البشرية.
سمفونية البشاعة
أما السردية البصرية التي يقدّمها الفنان سمير فؤاد في معرضه "مدينة الدواجن"، فهي تتجّه بكل حمولاتها الذهنية والحكائية والفلسفية إلى أن تكون فيضاً صافياً من الهندسة اللونية والموسيقى المرئية المتعدّدة الطبقات والإيقاعات والتوزيعات، للتعبير عن هذه الملحمة المريعة، التي تتطاير فيها رؤوس الدجاجات، وترتعد فيها فرائص البشر رعباً وذهولاً.
إنها، ببساطة، سمفونية البشاعة، بكل ما يُتاح للجماليات الفنية من قدرة على إعادة تدوير النفايات والجماجم، وإنتاجها بما ينفع، ويُثري، ويُمتع أيضاً، ويثير التساؤلات المتوالدة، من غير الوصول إلى إجابات نهائية عنها.
وتلك هي صعوبة المعادلة التي يراهن عليها التشكيلي الباذخ سمير فؤاد، بصرخاته وطلقاته وآهاته ومتناقضاته، الداعية إلى التأمّل والتعمّق والتوقف عند القيم التشكيلية القائمة والمتحققة بذاتها، والتي تستأثر بالبطولة في اللوحات في نهاية الأمر، رغم قوة الموضوع المطروح من خلال النص السردي المصاحب.
والأحمر، بدرجاته، كلمة السرّ في معزوفات الفنان اللونية المُشْبِعة. ويبدو الأحمر، بهارمونياته المنسجمة، هي الأكثر ملاءمة للتعرّي، والانكشاف، والمواجهات الدموية، ووصلات التعذيب اليومي.
تحت مظلتها، تتلاقى لحوم الدجاجات الخالية من حرارة النبض، وأنسجة الأجساد البشرية الكالحة، وملامح النسوة البائسات اليائسات، وألسنتهن المتدلية خارج أفواههن، من الحسرة والخوف وترقّب الصواعق المقبلة.
ويبدو الجميع مقهورين في ملحمة سمير فؤاد البصرية، فالذين يقومون بالذبح هم أيضاً مذبوحون في أعماقهم، وجاهزون للتعرّض للقنص في أية لحظة. وذلك لأنّ الفجيعة العامة المحيطة هي بمثابة طقس كلّي، يبتلع الحياة الطبيعية القائمة على التعاون والمحبة، ليستبدلها بحياة تصارعية تنافسية عنيفة، قائمة على الطمع غير المحدود. ولا تترك مثل هذه الحياة المتوترة الشكلانية مجالاً لأحد لينعم بلحظة هانئة أو هادئة أو يعرف شيئاً عن السعادة أو القناعة.
إنّها قصة مدينة أصبحت عبرة وموعظة للناس، كما يحكي السرد الموازي للمعرض.
أما النص البصري، فإنّه الأثر الباقي المُلهِم، الذي يحوّل الحدث التخييلي الخاص والمضمون السهل إلى مشترك إنساني عام أكثر تعقيداً وفوضوية واتساعاً.
ويتحقق ذلك في مساحة دسمة من التكوينات والصياغات والضربات اللونية المبتكرة، العابرة للحدود المذهبية والتيارات المدرسية إلى فضاءات طليعية، والمتخطية للنسبي من المكان والزمان والوقائع والشخوص.
نبض