من يمرّ ليشاهد أعمال النحات نبيل حلو المعروضة في غاليري M.Square (حتى آخر 31 كانون الثاني/ يناير 2024)، سيظن نفسه أنّه وسط حديقة معاصرة من الأشكال الأنبوبية الملوّنة، التي تأخذ العين الى حركاتها البهلوانية وهي تتلوى وتقف وتنحني وتقفز وتتلولب وتتلحزن وتنزلق على بطنها لتلامس الأرض في التفاف كرويّ، لتقف من جديد كي تحاكي الفضاء.
إنّها أجسامٌ متطاولة لا تملك اطرافاً وليس لها ماهية محددة، واقفة على ترقّب وانقضاض، أو متسلّقة الجدران. ثابتةٌ، غير أنّ سرّها في حركتها السائلة ومرونتها. بالإمكان قراءة هذه الدعابات من الأفاعي المُسلّية، والزواحف الرشيقة الخرافية على أنّها مجرد موتيفات حيوانية ملونة وعصرية، تشبه الألعاب التي يحبّها الصغار أكثر من الكبار، وربما يُطلقون عليها مسمّيات معينة، أو يمكن قراءتها على أنّها نبضات او تموجات راقصة أو سواها من الموتيفات الزخرفية.
الواقع أنّ التيمة التي يتمحور حولها المعرض- كما يقول الفنان- هي شخصية افتراضية اسمها Odd تيمناً بقاعة الموسيقى Auditorium وهي تصوّرات مجسّمة لنغمة موسيقية "نشاذ" خرجت من السلّم الموسيقي، إلى حيث المجرَّد من الوجود، خرجت من الايقاع إلى الفوضى والمجهول، بل إلى الغريب وصدى تردداته. إنّها ترددات الصوت الشبيهة بتلك التي نراها على الشاشة تتحرّك في ذبذبات بين علو وهبوط، لعلّها قوام واحد أي "نوتة" واحدة او مجموعة "نوتات" موسيقية يقوم الفنان بتشخيصها كجماعات تشكّل عائلة شبيهة بالبشر. هكذا تتسع حدود تلك الشخصية غير المرئية، على نحو تطوري- خياليّ لكي تستكمل ما بدأه الفنان من تجارب، قدّمها في معرضه السابق الذي أقامه في سياق مهرجان البستان العام 2014.
الفن هو الحرّية
هكذا تحت تأثير الموسيقى استطاع نبيل حلو في معرضه الذي حمل عنوان The Odd Frequency أو "التردّد الغريب" أن يجسّم فكرة الصوت ونموّه في الفراغ، عبر أشكال دينامية حلزونية مجرّدة، ما هي إلاّ كائنات ظريفة منتصبة في فضاء ثلاثي البعد، مصنوعة من الفايبرغلاس والريزين، وهي من أكثر الخامات المعاصرة استخداماً وتداولاً حول العالم، أدّت الى انقلاب مفاهيم النحت من الجدّ الى الهزل خصوصاً في أعقاب مرحلة البوب-آرت. إنقلابٌ ليس على مستوى الخامة فحسب بل على مستوى الثيمات المستوحاة من الثقافة الشعبية والمواد الاستهلاكية: كالألعاب الطفولية والأشكال الانسانية البهلوانية والحيوانات الظريفة مع استخدام للألوان الصناعية المدهشة والبرّاقة التي تجذب اليها مختلف شرائح المجتمع (أعمال جيف كونز ونيكي دو سانفال مثالاً).
لطالما عمل نبيل حلو على استكشاف طاقات الخامات الجديدة في توليد الأفكار وإنتاج الأعمال التي تقف ما بين النحت التقليدي وفن التجهيز، خصوصاً في اعماله الأخيرة التي جمعت بين الرسم والنحت وفق مراحل متتالية، تبدأ بإعداد قوالب للأشكال التي يقوم بنحتها على مادة البوليسترين (أي الفلين الأبيض)، ليتمّ عزلها لاحقاً بمادة الريزين، ثم تُلبّس بمادة الفايبرغلاس الخفيفة والمطواعة، كي تأتي الألوان لتضفي على الشكل حلّته النهائية. وقد استخدم حلو ألوان الأكريليك كي يطلي بها أجسام منحوتاته، التي تبدو مخطّطة ومقلّمة بأقلام منها: الأبيض والأخضر والبنفسجيّ، معتمداً على الألوان الأساسية (الأزرق والأحمر والأصفر). يقول حلو: "إن عقل الفنان عبارة عن مختبر فني مفتوح، حيث تندمج المشاعر مع الملمس، والأفكار مع الأحجام، والأشكال مع الضوء والفراغ مع الظلال".
ليس غريباً على الفنان الموصوف بالتحرّر من الثوابت والقواعد في بحثه عن المطلق، أن يترك الحرّية لحدسه، أن يرتجل ويتجرأ على طرح الأفكار التي تشغله، كالمفاهيم التي يقوم عليها جوهر الوجود، وعناصره الأربعة (الماء والنار والرياح والأرض)، وتنوع الطبيعة وتعقيد السلوك البشري، إلى نظام المجرّات المهيب إلى قوة الذرات المجهرية... بين تناقض هائل هل ثمة بُعد يجمع كل هذه العناصر؟ يتساءل الفنان عن المشاعر المختلفة التي تراودنا في كل يوم جديد، عن مسألة العمر والنضج المحكوم بالوقت والخبرات، واستكشاف وجهات نظر مختلفة للتيمة الواحدة، ليجزم بأنّ الفن هو حرّية البحث عن النفس دون قواعد، وقولُه: "أثناء تجريب المواد والأنسجة والأحجام والفراغات، أعتمد على ملاحظة ما يحيط بجسدي وعقلي، كي ألتقط البعد الخاص بي في البعد الرابع وما بعده. (انسجاماً مع نظرية النسبية للعالِم أنشتاين) فالأصوات كونها ذبذبات وصدى لا تختفي، بل تسافر في الفضاء، في الفراغ، في البعد الرابع، مثل الضوء والظل، ولكن من منظور مختلف. إذا قمنا بتغيير وجهة نظرنا فإنّ نفس العمل الفني يتغيّر".
إذا ابتعدنا عن فكرة التردّد المنبعث من النغمة الموسيقية (Odd) التي يؤكّد عليها الفنان، وبين التفسير والمعنى، فإنّ قراءة الاعمال ينبغي ألّا تذهب الى أبعد من مداها الحقيقي، إذ أنّها لا تحتاج الى العلم والنظريات الفيزيائية، لمقاربة ما هو مقروء بصرياً بما هو مجرد في العقل. ربما لا يُجدي التأويل في هذه الحال إزاء تلك الأشكال التي تتشابه في القوام كما في الحركة. فالعمل الفني يتحقق أو لا يتحقق من النظرة الأولى. إذاً ما هي الدوافع والهواجس؟
النغمة
بين التجريد والتشخيص
تدعونا منحوتات نبيل حلو الى تأمّل إيقاعات الحركة ودينامية سياقاتها، فهو يتلاعب بأشكاله التجريدية التي يشيدها ككتلة عضوية غرافيكية شبيهة بحركة التواءات الأغصان والجذوع في تموضعها وتشعب انبساطها والتفافاتها وحركة نموها في الفضاء.
هنا يكمن سرّ الحيوية التي نستشفها في منحوتاته المؤلفة من قطعة واحدة. ثمة علاقة خفية بين النحت وتأملات الفنان لقوانين الطبيعة وظاهرها من مطر وهواء وفراغ وألوان ومكان. يقول نبيل حلو: "أنحتُ المادة كما تنحت الأيام باطني، غضبي فرحي عشقي وحزني، وهذه ليست سوى غبار من كتلة تكلّست عليها ذاكرة الماضي فأتت على أحاسيس تداخلت فيها الرؤيا شفافةً رغم كثافة الحالات، وكأني قالب من الجص تسكب فيه ذاكرة اللحظات". من التشخيص إلى التجريد، ومن العام المتعلق بوقائع تداعيات الحرب في لبنان في زمن الاغتيالات، إلى الشخصيّ المتعلق بفن الفكرة والتصميم، أخذ نبيل حلو أسلوبه إلى اجتهادات في صوغ أشكال الكتل الهوائية وفكرة فقاعات الصابون أو فقاعات الهواء في الفضاء وتحت الماء، وتكاوين القواقع وحركة تلافيف الغيوم.
يظلّ نبيل حلو ذلك الفنان عاشق الغبار ورنة الإزميل في صلب الحجر، طموحاً لا تقف تجاربه عند حدّ معين، وهو يواصل البحث في عالم الأحاسيس وكائنات الوجود وصولاً إلى المطلق الكامن في لامحدودية الأشياء وطاقات المواد ومفاجآتها. لفتت موهبته الانتباه منذ بداياته المبكرة حين عُرضت منحوتتِه "البصمة" التي فازت في صالون الخريف في متحف نقولا ابراهيم سرسق العام 1998، فكانت صادمة للعين، إذ قدّمت بصمة الرِجل وليس إصبع اليد، كما انّها أتت منافية لتقاليد النحت في ذلك الحين، كأنّها تستشف أبعاد النحت المعاصر الذي يعتمد ليس على الوسائط التقليدية بل على الوسائط التكنولوجية في إذكاء الفكرة واكتشاف إمكاناتها ومجالاتها، من خلال النحت الافتراضي على الكمبيوتر.
تنوعت تجاربه النحتية منذ أواخر التسعينات من القرن العشرين ما بين الواقعي والتجريدي. بدأت أعماله في محاكاة الخامات الثقيلة (من حجر ورخام وبرونز..). من أبرز منجزاته في تخليد ذكرى شخصيات بارزة، النصب التذكاري لحديقة الأنسي في وسط بيروت، وهو من مادة البرونز يخلّد شخصية الفنان الانطباعي عمر الأنسي مع الغزالين اللذين رافقا حياته في حديقة بيته، وتمثال مؤسس الأكاديمية اللبنانية ألكسي بطرس الذي كان له الفضل في إنشاء اول أكاديمية لتعليم الفنون في لبنان العام 1943. كما صمّم العديد من الميداليات والجوائز التقديرية أبرزها جائزة "الموريكس دور" وهي من أرفع الجوائز التي تُمنح لنجوم الفن (مطربين وممثلين ومسلسلات تلفزيونية)، فضلاً عن الأعمال النصبية التي تزين العديد من الساحات العامة في لبنان، وهي غالباً ذات طبيعة تجريدية ومستقبلية تثير الكثير من الاسئلة وتبعث على التكهنات.
نبض