13-01-2024 | 11:50

معرضان في عمان وبيروت... عن الصمود و"البطيخ" كعَلم فلسطيني

"التاريخ يكتبه الأقوياء ولكن التاريخ الحقيقي يكتبه الفنانون الأحرار- غير التابعين للسلطة- لأنّهم مرآة عصرهم"... بهذه العبارة قدّمت السيدة سعاد عيساوي للمعرض الذي تقيمه حالياً في غاليري "رؤى 32 للفنون" في العاصمة الأردنية (عمّان- شارع ابن الرومي- حتى 25 كانون الأول/ يناير 2024).
معرضان في عمان وبيروت... عن الصمود و"البطيخ" كعَلم فلسطيني
Smaller Bigger

"التاريخ يكتبه الأقوياء ولكن التاريخ الحقيقي يكتبه الفنانون الأحرار- غير التابعين للسلطة- لأنّهم مرآة عصرهم"... بهذه العبارة قدّمت السيدة سعاد عيساوي للمعرض الذي تقيمه حالياً في غاليري "رؤى 32 للفنون" في العاصمة الأردنية (عمّان- شارع ابن الرومي- حتى 25 كانون الأول/ يناير 2024).
 
يأتي المعرض بعنوان "فلسطين صامدة وجذرها كالزيتون"، متضمناً 52 عملاً فنياً عن فلسطين ومرتبطة بغزّة وما يحدث على أرضها يومياً من مجازر ومآسٍ، لـ 16 فناناً عربياً (من سوريا وفلسطين والاردن)، من أجيال ومدارس فنية متنوعة، هم: جهاد العامري، داليا علي، رائد قطناني، عثمان شهاب، عماد أبو اشتية، غازي انعيّم، كوثر دمق، محمد العامري، نسمة محرم، ونصر عبد العزيز.
 
يضمّ المعرض أعمالاً لفنّانين راحلين هم: نذير نبعة (1938 - 2016)، أحمد نعواش (1934 - 2017)، مصطفى الحلّاج (1938 - 2002)، عبد الحيّ مسلم (1933 - 2020)، وعدنان يحيى (1960 - 2020)، ويعود 20% من ريع المعرض لدعم أهالي غزة، عبر الهيئة الخيرية الأردنية الهاشمية. 
 
يتزامن هذا المعرض مع معرض آخر يُقام في غاليري "براق نعماني" في بيروت (شارع جان دارك- لغاية اواخر كانون الثاني/ يناير 2024)، تحت عنوان "صمود: عَلَم البطيخ" للفنان الفلسطيني خالد حوراني، وهو عبارة عن مجموعة من المطبوعات المنفّذة بتقنية الشاشة الحريرية (سيريغرافي)، لتيمة واحدة هي شريحة البطيخ كرمز للعلم الفلسطيني.
 
أعمال من معرض فلسطين صامدة وجذرها كالزيتون في غاليري رؤى 32 للفنون في عمان
 
قصة البطيخ
كان مزمعاً أن يُقام هذا المعرض في القدس غير أنّ عنف المجازر على الشعب الفلسطيني، حال دون إقامته هناك، لينتقل إلى العاصمة اللبنانية، في وقفة تضامنية مع الشعب الفلسطيني، ويعود ريع 50% من المبيعات لصالح الهلال الأحمر الفلسطيني.
 
الأحمر والأسود والأبيض والأخضر ليست ألوان البطيخ فحسب، بل ألوان العلم الفلسطيني أيضاً، وبالتالي يمكن رؤية هذه الرمزية في أنحاء العالم أثناء المسيرات المؤيّدة للفلسطينيين وفي عدد لا يُحصى من منشورات وسائل التواصل الاجتماعي، مع استمرار التوغل الإسرائيلي في غزة.
 
"في فلسطين، حيث التلويح بعلم فلسطين، جريمة، تُرفع أنصاف بطيخ أحمر في وجه القوات الإسرائيلية كُرمى للون الأحمر والأسود والأبيض والأخضر، لفلسطين".
 
هذه الأبيات جزء من "قصيدة البطيخة" للشاعرة الأميركية، أراسيليس جيرماي، وتشير إلى رمزية هذه الفاكهة بالنسبة للقضية الفلسطينية وكشكل من أشكال الاحتجاج. هذا المنع القهري جاء بعد حرب عام 1967، حين سيطرت إسرائيل على غزة والضفة الغربية، وحظّرت حمل الرموز الوطنية مثل العلم الفلسطيني وألوانه في جميع أنحاء الأراضي المحتلة.
ذاعت قصة البطيخ من جراء حملة اعتقالات الجيش الإسرائيلي للشباب الفلسطيني أثناء المسيرات الاحتجاجية قبيل اتفاق اوسلو، منذ ذلك الحين، واصل الفنانون إنتاج أعمال فنية تستخدم البطيخ تعبيراً عن تضامنهم مع الفلسطينيين. غير أنّه من أشهر الأعمال الفنية التي أطلقت تيمة البطيخ هي اللوحة التي رسمها الفنان خالد حوراني؛ في عام 2007 لكتاب بعنوان "الأطلس الذاتي لفلسطين"، وكانت اللوحة عبارة عن شريحة بطيخة حمراء. سافرت اللوحة التي تحمل عنوان "قصة البطيخ"، حول العالم، واكتسبت شهرة أكبر خلال الصراع بين إسرائيل و"حماس" في مايو (أيار) 2021.
 
لوحة للفنان الاردني عدنان يحيى عن مأساة غزة 2008
 
 
الرمز والهوية 
لعلّ الرمز الأقدم الذي تمّ تداوله في الفن الفلسطيني هو شجرة الزيتون، كونها دالّة على الهوية.
فمنذ بدايات القرن الماضي استلهم الرواد الأوائل عناصر من الطبيعة الفلسطينية كي يتمّ توظيفها في سياق الظروف التاريخية المختلفة، وأعادوا إنتاجها في أعمال كثيرة انطوت على دلالات الارتباط القوي بالأرض حتى التماهي معها. فالقضية الأساسية في الصراع هي الأرض التي تمثل معادلاً في الوعي الجمعي الفلسطيني لحق العودة.
 
غير أنّ لعلاقة الفلسطيني بشجرة الزيتون بعداً آخر ارتبط بالأرض والدفاع عنها وبنضال الشعب الفلسطيني ضدّ محاولات التهجير وإخلاء أراضي الفلاحين التي يتبعها اقتلاع أعداد هائلة من أشجار الزيتون، حتى أصبحت صورة الفلسطيني، رجلًا وامرأة، مرتبطة بمفهوم التشبّث بجذوع تلك الشجرة في مواجهة جرّافات الاقتلاع.
 
ولطالما شكّلت كروم أشجار الزيتون غطاءً وحماية للمقاومين ضدّ قوات الاحتلال على مدار تاريخ النضال الفلسطيني (حتى الانتفاضتيْن الأولى والثانية)، إذ كان المتظاهرون يلجأون إلى الاختباء وراء جذوع الأشجار من عيون ورصاص قوات الاحتلال. ولشجرة الزيتون في الذاكرة الجمعية الكثير من المعاني والطقوس (الدينية كشجرة مقدّسة) فضلاً عن القيمة المعنوية والتاريخية لرمزية علاقتها بالمكان والأرض.
وكثيراً ما ظهرت في النتاج الفلسطيني أشجار الزيتون تحيط بقبة الصخرة وبكنائس مدينة القدس وببيوت القرية الفلسطينية المميزة بقبابها وتلالها وربيعها الملون بشقائق النعمان ونسائها اللاتي يرتدين الزي الفلسطيني ويحملن أطباق الثمار على رؤوسهن. كما تصدّرت النساء مشهد قطف الزيتون من ضمن المشاهد التي لعبت فيها المرأة في مرحلة الحداثة دوراً قيادياً في الثورة والمقاومة والنضال.
 
 في معرض "فلسطين صامدة وجذرها كالزيتون"، يتجلّى المكان في الكثير من الأعمال، فهو يرتدي طابعاً وصفياً غنائياً شبيهاً بالنوستالجيا في لوحات داليا علي، التي تطرّز بأشغال الإبرة وبخيوط ملونة مناظرها البانورامية التي ترسمها لبعض المدن الفلسطينية المطلة على البحر في أجواء الهدوء والسلام.
 
وتتجّه اعمال رائد قطناني للمزج بين الواقعية والرمزية في تسليط الضوء على عمق المأساة الفلسطينية، بينما تحتفي لوحات كلٍ من عماد أبو شتيه وغازي إنعيم وعبد الحيّ مسلّم، بالذاكرة التراثية سواءً بالمكان أو بالإنسان، فتبدو المرأة بطلة القضية الفلسطينية ورمزاً اساسياً من رموز الوطن، لاسيما وانّها تعكس خصوصية موتيفات الحضارة الفلسطينية بمكوناتها المتنوعة، كاللّباس والحليّ والأدوات الشعبية والتمائم، فضلاً عن أعمال توثق الطرز المعمارية العربية لبيوت فلسطين كالأقواس والقناطر والشرفات، كما تستحضر جماليات الأماكن المقدّسة في فلسطين.
 
وفي هذا السياق يتجّه أسلوب نصر عبد العزيز الى تصوير المرأة بلباسها الشعبي المطرّز وحليّها التراثية يصورها على أحجام كبيرة كي تحمل بمؤثراتها البصرية مسلّمات العلاقة بالمكان من خلال وجود جدار يؤكّد الارتباط التاريخي بالأرض والبيت والحقل والطيور والمرايا والنوافذ، كمفردات من الحياة الشعبية، وكرموز تدل إلى المقاومة والصمود. 
 
صراخ الوجوه المتصدّعة- للفنان السوري نذير نبعة
 
 
الفن منصّة للتلاقي  
 من أكثر الاعمال تميّزاً وحضوراً هي لوحات ومنحوتات الفنان الأردني عدنان يحيى "الذي عاش ومات وهو يرسم للقضية الفلسطينية"، بحسب تعبير سعاد عيساوي، فقد رسم وقائع المجازر التي ارتُكبت بحق الشعب الفلسطيني وأحداث غزة العام 2008 التي كرّس لها لوحة تحمل معاني الألم من خلال مقبرة جماعية، بأسلوب سوريالي ذي مناخ سوداوي قاتم. إذ أنّ اعماله تحمل بعداً نقدياً قاسياً للظلم والقمع والاستبداد، من خلال مقاربتها الجمالية الساخرة، لموضوعات المجازر التي تعيد تشكّل وجوه الضحايا، وبشاعة وجوه القادة العسكريين وجنرالات الحرب بنياشينهم المعلّقة على صدورهم، الذين يتحوّلون إلى تماثيل بلا قلب ولا رحمة، في سعيهم للمقامرة على الشعب الأعزل بحثاً عن بطولات موهومة. هذه اللوحات تطرح برمزيتها فكرة التشويه والتفكّك والتآكل الذي تُحدثه يد الطاغوت في الحياة البشرية.
 
تأخذ لوحات عثمان شهاب طابعاً تعبيرياً قوياً وهي تتوسل الخامات المتنوعة والإيهامات والرموز (كطيور الغربان المنقضّة فوق جثث الشهداء) في تجسيد قضايا إنسانية عميقة متصلة بجراح الشعب الفلسطيني المقاوم في مواجهة قوات الاحتلال. وتظهر صرخات الألم في تصدّعات الوجوه التي رسمها الفنان السوري نذير نبعة (العام 1996) من وحي العذابات التي يعانيها الشعب الفلسطيني، تلك العذابات التي تتبدّى بعمقها الأسطوري في تيمة الارتحال والشتات في محفورات الفنان مصطفى الحلاّج، عطفاً على الدراماتيكية في التعبير الخطوطي الذي يظهر في رسوم محمد العامري الشاعر والناقد الذي وطّد العلاقة العضوية والجوهرية بين النص البصري والنص الشعري، كما صالَح بين التشخيص والتجريد الذي يعتبره بمثابة تقطير للأشكال الواقعية بلغة فنية عالية. 
 
أما كوثر دمق فتقترب أعمالها من التجريد المعتمد على التلطيخ والانفعال اللوني، في المقابل يستخدم جهاد العامري في أعماله الغرافيكية تقنيات الحفر والطباعة على مواد مثل الزنك والخشب والشاشة الحريرية والحجر، في التعبير عن تبصيمات المكان كأثر مضمحل والعلاقة المأزومة بين الإقامة والارتحال، في توظيف جمالي للحرف العربي كرمز للخلفية الثقافية للهوية الفلسطينية. ويتميز احمد نعواش بأسلوبه الكاريكاتوري البسيط ظاهرياً في التعاطي مع شعارات المقاومة، من خلال رموز قليلة كالعلَم والبندقية واليد المرفوعة الى الأعلى دليل الانتصار. هذه البساطة في الطرح والتعبير تتضح كذلك في لوحات محمد سمارة التي تعتمد على عنصر الرعب والصدمة المتأتية ليس من اقتحام  الجنود المسلحين لبيتٍ أعزل، بل من سطوة ظلالهم المرتسمة على الحائط في وضح النهار. 
 
معرض "فلسطين صامدة وجذرها كالزيتون"، هو نقطة تلاحم بين الماضي والحاضر، ومنصّة لتلاقي بين الفنانين، حول قضية الإبادة الجماعية التي تُرتكب يومياً بحق أهل غزّه، وهو دعوة للصمود والالتفاف حول جذر الانتماء القوي كشجرة الزيتون التي يسعى الاحتلال الى قطعها، ولكن عبثاً سيظل زيتُها يضيء ولو لم تمسه نار.  

الأكثر قراءة

اقتصاد وأعمال 4/15/2026 2:20:00 PM
تمثّل الاستراتيجية الجديدة "تحوّلًا من مرحلة النمو والتوسع إلى مرحلة تعظيم الأثر الاقتصادي ورفع كفاءة الاستثمارات".
الخليج العربي 4/15/2026 10:00:00 PM
شددت على ضرورة "التزام حكومة جمهورية العراق بوقف ومنع كل الأعمال العدائية الصادرة من أراضيها"...
المشرق-العربي 4/16/2026 10:53:00 AM
تم خلال العملية ضبط ومصادرة أسلحة حربية وذخائر وجعب عسكرية كانت بحوزة أفراد الخلية
شمال إفريقيا 4/16/2026 10:47:00 AM
تصاعد الدور المصري في مفاوضات إيران يطرح احتمال تحوّل القاهرة من وسيط تقليدي إلى شريك فعلي في صياغة التسوية.