02-01-2024 | 19:03

معرض "أمير غزّة الصّغير"... الفنّ على منصّة الخطاب السّياسي

"أمير غزّة الصغير" معرضٌ نظمته مؤسسة رمزي وسائدة دلّول (DAF) بالتعاون مع المتحف الفلسطيني في بيزيت في الضفة الغربية لفلسطين. وهو يأتي كمحاولة لملامسة ذاكرة الماضي القريب في امتداده الزمني الى الحاضر.
معرض "أمير غزّة الصّغير"... الفنّ على منصّة الخطاب السّياسي
Smaller Bigger

 

"أمير غزّة الصغير" معرضٌ نظمته مؤسسة رمزي وسائدة دلّول (DAF) بالتعاون مع المتحف الفلسطيني في بيرزيت في الضفة الغربية لفلسطين. وهو يأتي كمحاولة لملامسة ذاكرة الماضي القريب في امتداده الزمني إلى الحاضر.

يهدف المعرض أيضاً إلى تعزيز الحوار والنقاش حول القضية الفلسطينية، وما يرافقها من سرديات، من مرحلة ما بعد النكبة التي ارتبطت بالنزوح وفقدان الأرض، وخلال تمثلات فلسطين في مفاهيم الهوية القومية، ثم واقع التفتت الفلسطيني الذي فرض تصنيفات ذات بُعد جغرافي، مرتبطة بخريطة الشتات الفلسطيني، ومن ثم التغيرات التي طرأت على حقل الفنون البصرية في الفن الفلسطيني خلال العقدين الأخيرين، في رؤية تتخطى الإنتاج الفني الفلسطيني إلى أعمال مختارة من نتاجات أبرز فناني العالم العربي.

يأخذ المعرض، بمنحاه التجميعي، طابعاً أنطولوجياً في تقصي الهوية والعنف والقتل المتعمد لأطفال فلسطين، أما عنوانه فهو مستوحى من الرواية المعروفة عالمياً "الأمير الصغير" للكاتب الفرنسي أنطوان دو سانت إكزوبيري.

تحاول القصة التركيز على الفجوة العميقة بين تفكير الأطفال وتفكير البالغين، بأسلوب فلسفي حيناً وساخر أحياناً. وكثيراً ما يُنظر إلى هذا العمل على أنه رواية عميقة وشاعرية عن المنفى والطفولة والحب والتضحية. تتخطى فكرة المعرض الإطار المعرفي - الأدبي لسانت إكزوبيري، نحو إسقاطات متعلقة بـ"أمير" ماكيافيللي، والمنطق البارد للواقعية السياسية، الذي اعتبره النقاد النهضويون، بأنه كتيّب الإرشادات لفظاعات الطغيان ومخالفة القوانين والأخلاق باسم الحفاظ على الدولة.

بناءً عليه، تتبع المصالح الذاتية وبقاء الدولة الإسرائيلية، ورد فعلها العسكري في حرب الإبادة والتطهير العرقي، المفهوم المشكوك فيه أخلاقياً المتمثل في "الغاية تبرر الوسيلة".

ويتم تبرير ذلك من خلال مفاهيم مفادها أن الآلاف من الأرواح البشرية يمكن مقارنتها بالأضرار الجانبية، وأن الاستخدام غير المتناسب للقوة ضروري، وأن هدم منازل الناس وحياتهم يمثل تكلفة معقولة.

 
تمثال أمير غزّة الصغير للنحات شوقي شوكيني ومن خلفه جدارية بشير مخول
 
 

الهوية في الخطاب السياسي

يتمحور معرض "أمير غزّة الصغير" حول قطعة مركزية تتمثل بمنحوتة برونزية للفنان اللبناني شوقي شوكيني (أنجزها في عام 2010 من مقر إقامته في باريس)، يجسد بأسلوب تجريدي - هندسي، قامة ذات بنيانٍ مقطوع الأوصال ومجزأ الكيان، حيث تتقاطع أشكال حجارة البيوت ونوافذها المربعة مع انعطاف الرأس عن البدن، كأنها حال الهباء وضياع أطفال غزّة تحت ركام الأنقاض وحرمانهم من حقهم في الحياة وانكسار أحلامهم وأعمارهم.

يتموضع التمثال على منصّة في سياق تركيب تجهيزي يعتمد فكرة "التدوين المتعذّر" لأسماء الضحايا من أطفال غزّة الذين لم يعد بالإمكان إحصاؤهم، لذا تم إدراجهم على أنهم مجهولو الهوية. ويستمد هذا العمل التجهيزي قيمة فنية مضافة، مع التمثال الصغير الذي يمثل شخصية حنظلة الأيقونية (المعروفة لدى رسام الكاريكاتور ناجي العلي)، وهو من توقيع الفنان العراقي ضياء العزّاوي، الذي يتمثل حضوره في المعرض بأكثر من عمل نحتي وطباعي، من بينها ملحمة "النشيد الجسدي: قصائد مرسومة لتل الزعتر".

ثمة أعمال مختارة من فنانين كبار معروفين محدثين ومعاصرين، أمثال إسماعيل شموط وعبد الرحمن المزيّن وسليمان منصور وجومانا بايزيد الحسيني، أضحت بمثابة أيقونات الفن المقاوم ورمز للصمود والتحدي. فضلاً عن لوحات لفنانين عرب من سوريا ولبنان والعراق ومصر، تلفت من بينها لوحة نذير نبعة الموقعة في عام 1970، التي انبثقت من أحداث القصف الإسرائيلي لمدرسة في قرية بحر البقر في مصر أدت إلى مقتل 30 طفلاً بطريقة مأساوية. ولوحة يوسف عبدلكي التي أنجزها تحت وطأة الألم عن أطفال غزّة في طوفان الأقصى (2023)، يضاف إلى الحضور البارز لشخصية "الملثّم" لأيمن بعلبكي.

 
يوسف عبدلكي - طفل من غزة 2023
 
 

تتسع مشهدية المعاصرة للخطاب السياسي الفلسطيني بمعناه الأعم، في ممارسات خليل رباح المفاهيمية، من خلال تركيبات وعروض متعددة الوسائط، كثيراً ما تستكشف أسئلة فلسفية واسعة حول الانتماء والنزوح والتهجين، بالإضافة إلى قضايا ملحة وملموسة مثل اللجوء والتجنس.

بصفته فلسطينياً يعيش في الولايات المتحدة خلال الثمانينات، كان على الفنان أن يواجه تعقيدات الهجرة والنزوح وأن يتأقلم مع ثقافة جديدة في وقت كانت ثقافته تحت الحصار. في عمله التجهيزي، يأخذ رباح قاموس أكسفورد المكتبي الذي ربما يكون أكثر قواميس اللغة الإنكليزية انتشاراً، ويفتحه ويغطي كل المساحة المحيطة بالنص حتى يظهر فقط تعريف "فلسطيني".

يجذب التعريف، المُحاط بمسامير معدنية لامعة وعنيفة، عين المشاهد، ويواجهها بمعنى الكلمة التي تقول بأنه أحد سكان فلسطين القدامى وفرد همجي وفظ وغير مثقف.

يستخدم معظم المتحدثين باللغة الإنكليزية هذا المصطلح دون معرفة مصدره، ولكن من خلال مقالته الإعلامية القوية المختلطة، يشير رباح إلى أن العنف والتحيّز ينتشران ضمنياً، حتى بهذه الطريقة.

 
خليل رباح - معنى كلمة فلسطيني في قاموس أكسفورد

 

ما بين الواقع والرمز: الحقائق

في لوحة الانتظار (رقم 1)، 2010، يصور هاني زعرب ابنه "قدسي" جالساً على سلّم من درجتين، ويحتل مركز الصدارة في اللوحة ذات الخلفية الحمراء، وهو ينظر بفارغ الصبر إلى المُشاهد. كثيراً ما يزور "قدسي" مسقط رأسه في فلسطين مع والدته، بينما يعاني زعرب عدم القدرة على العودة إلى فلسطين بسبب التهديد بالترحيل.

تتناول اللوحة كفاح الطفل لفهم محنة والده الذي يبحث عن عزائه في الفن. من جهة أخرى تطرح أعمال ليلى الشوّا، أكثر من علامة استفهام حول إشكالية استهداف الكيان الإسرائيلي الغاصب لأطفال فلسطين، بأسلوب ما بعد البوب - آرت، ومن وحي فن الغرافيتي، المستلهم من الشعارات والكتابات على جدارن غزّة.

ليلى الشوّا - الطفل هدف للقتل على خلفية من وحي كتابات جدران غزة
 

"العفو"Le Pardon 2017، من إبداع شادي الزقزوق، هي لوحة رائعة بمقاس 220 × 327 سم، تصور مشهداً مسرحياً إن لم نقل قصيدة ملحمية عن الوضع المروّع للفلسطينيين في ظل نظام الفصل العنصري، بأسلوب واقعي مفرط وجذاب. يؤدي التموضع القطري للرجل الجريح في المقدمة إلى تعطيل التركيب المتناسق في اللوحة. ويلفت انتباه المشاهد ثقب الرصاصة في بطنه بينما تسقط يده على الأرض، وتشير إلى علبة رش. في المقدمة امرأة ترتدي الثوب الفلسطيني التقليدي والكوفية تحتضن جسد الرجل الجريح. وبالمقارنة مع يسوع المسيح، يرقد الشهيد الفلسطيني بين يدي المرأة، ما يخلق تشابهاً بصرياً مع مادونا ديلا بيتا La Pieta الشهيرة لفنان عصر النهضة مايكل أنجلو. تتحدث المقارنة البصرية عن الطبيعة الدورية للتاريخ وتكرار المأساة على الأرض نفسها.

 
ذ
 لوحة العفو
 

أعمال متميزة حملت توقيع عامر الشوملي، منها لوحتان جسّد فيهما "الكوفية" بأسلوب ذكي ولمّاح يعتمد على قوة الفراغ إزاء موتيفات الغرزة السوداء التي تشكل قوام نسيج الكوفية الفلسطينية، من وحي صورتين للزعيم الراحل ياسر عرفات منشورتين على غلاف مجلة التايم (ما بين 1968- 2002)، تنطويان على الكثير من الدلالات في اختلاف طريقة وضع الكوفية على الرأس. ذلك فضلاً عن سلسلة من الأعمال الطباعية التي حملت اسم Xray ، الأشعة السينية (2007) مؤلفة من خمس مطبوعات كبيرة الحجم، تُظهر بالأبيض والأسود، يداً مرفوعة بالسبابة والإصبع الأوسط على شكل V إشارة النصر، ويتم تشويه الأصابع الأخرى، إما بتثبيتها بالمسامير إشارة إلى التعذيب الجسدي والمعنوي، أو من خلال إشارات الهجرة المتمثلة بحقائب السفر أو إظهار الأصابع وهي ممدودة للمال، لتشير إلى التسول بالحاجة للمساعدات الدولية. تتميز أعمال شوملي بنبرة ساخرة وفكاهية واستفزازية - نقدية على اعتبار أن الحقائق الاجتماعية والسياسية نادراً ما يتم مناقشتها في روايات الحياة الفلسطينية.

 
عامر الشوملي - الأشعة السينية - أعمال طباعية 2007
 
 

كان التراث الفلسطيني لبشير مخول محورياً في أعماله المبكرة، التي دمجت التجريد الهندسي بمنحاه الغربي مع الخطوط الكوفية. في المعرض يبرز عمله "حجارة" (1990) كلمة "حجر" باللغة العربية على خلفية مثلثات موزعة بالتساوي وفق ألوان العلم الفلسطيني. يشير العنوان إلى ممارسة رمي الحجارة كعمل من أعمال المقاومة التي فضلها الأطفال خلال الانتفاضة الأولى (1987-1993)، وكان اعتماد ألوان العلم الفلسطيني في حد ذاته عملاً من أعمال المقاومة في ذلك الوقت، لأنه كان محظوراً تماماً من قبل الجيش الإسرائيلي داخل الأراضي المحتلة.

إلى ذلك يصوّر عمل مخول الذي يحمل عنوان: "قطرة من دمي" 2014، صوراً مكبّرة لقطرات الدم القرمزية المنتشرة ببراعة على لوحة قماشية أفقية كبيرة، وهي موزعة بإيقاع متكرر ومتناثر بالتساوي، في سياق يأتي بعد سلسلة من الأعمال السابقة، مثل مسلسل: سنتمر من رملي، حبة من ترابي، قطرة من دموعي (1999)، حيث يعيد بشير مخول النظر في الموضوع نفسه في عام 2014، في سلسلة من اللوحات لقطرات الدم التي تشير ضمناً إلى تفرد الكائن ومسألة الملكية في وجه التكرار الرسمي النمطيّ. ومثلما يؤكد المثل العربي "الدم لا يصير ماءً"، كذلك فإن الدم الفلسطيني هو ختم الحمض النووي الناشئ من هذه الأرض. 

في المعرض تتميز منحوتة "سفينة اللاجئين"، التي صنعها أحمد كنعان، بقاعدة حجرية تشبه السفينة تحمل عشرين مفتاحاً مصنوعاً من البرونز، تشير إلى التهجير القسري للفلسطينيين من وطنهم بعد النكبة. تمثل المفاتيح رمزاً للمنازل المهجورة وأصحابها المنفيين ظلماً، كشهادة على حق العودة المعترف به دولياً وهو الطلب الذي لم يتم تحقيقه وظل معلقاً تعليقاً مأساوياً.

لعل أهمية هذا المعرض إثباته أن الفن أقوى وأصدق من السياسة، لا سيما حين يواجه الجمهور بالحقائق القاسية التي يواجهها الشعب الفلسطيني في غزّة. إنه يتحدى المشاهد ليرى ما هو أبعد من الخطاب السياسي، ويتقصى بجرأة تعدد التعبيرات المتعلقة بفلسطين، من خلال زعزعة المفاهيم والمصطلحات وكشف الحقائق.

الأكثر قراءة

اقتصاد وأعمال 4/3/2026 6:20:00 AM
"النهار" تلقي الضوء على تفاصيل المشروعات السورية الخمسة لربط الخليج بالبحر المتوسط وأوروبا، وأهميتها والتكلفة الاستثمارية لها، والتحديات التي تواجه هذه المشروعات، والعائد الاقتصادي لهذه المشروعات سواء على الاقتصاد السوري أو على اقتصادات الخليج
النهار تتحقق 4/4/2026 11:36:00 AM
تظهر الصورة رجلاً معصوب العينين، مقيداً بكرسي يشبه قفصاً، في غرفة رفع فيها العلم الايراني.
اسرائيليات 4/2/2026 6:02:00 PM
ظاهرة لافتة في تل أبيب تمثّلت في تحليق كثيف لأسراب الغربان، بالتزامن مع استمرار الحرب والهجمات الصاروخية
اسرائيليات 4/3/2026 9:21:00 AM
الجيش الإسرائيلي: مخطط لإطلاق صاروخ مضاد للدروع نحو أراضي دولة إسرائيل