30-11-2023 | 13:37

"الليلة الأخيرة"... نافذة مسرحية على قضايا المرأة الخليجية والعربية

إلى جانب أبجدياته الجمالية والفنية المتفوقة، فإنّ العرض المسرحي المونودرامي "الليلة الأخيرة" الذي شهدته القاهرة حديثًا على مسرح الهناجر ضمن فعاليات مهرجان أيام القاهرة الدولي للمونودراما، يتناول في قالب إنساني شاعري مرهف مجموعة من المشكلات والأزمات المجتمعية
"الليلة الأخيرة"... نافذة مسرحية على قضايا المرأة الخليجية والعربية
Smaller Bigger

إلى جانب أبجدياته الجمالية والفنية المتفوقة، فإنّ العرض المسرحي المونودرامي "الليلة الأخيرة" الذي شهدته القاهرة حديثًا على مسرح الهناجر ضمن فعاليات مهرجان أيام القاهرة الدولي للمونودراما، يتناول في قالب إنساني شاعري مرهف مجموعة من المشكلات والأزمات المجتمعية الملحّة، على رأسها القضايا النسوية في الخليج وفي العالم العربي عمومًا.

 

جاء العرض الإماراتي "الليلة الأخيرة" نتاجًا لجهود جمعية "دبا" للثقافة والفنون والمسرح، وهو من تأليف محمد سعيد الظنحاني، رئيس مهرجان الفجيرة الدولي للمونودراما.

واستحق العرض الفوز بأفضل سينوغرافيا، من تصميم الفنان العراقي فيصل جواد، مخرج العرض، وهو مخرج وكاتب وممثل عراقي يقيم في الإمارات.

 

 

الفرد والمجموع

انفتح ستار مونودراما "الليلة الأخيرة" على ظلام محيط من كل جانب، رسمته أصابع السينوغرافيا البارعة. وهو ظلام ينسجم مع الحالة الإنسانية المضطربة الشاحبة، والأجواء المزاجية القاتمة للفتاة "مريم" أو بطلة العرض الفنانة المصرية لمياء كرم.

 

ويتكشف هذا الاسوداد سريعًا من خلال كلماتها البائسة اليائسة، ونبرة صوتها المشحونة بالوجع والدموع، وملامحها العابسة الدالة، وحركاتها المحسوبة الواعية، وخطواتها ورقصاتها البطيئة المثقلة بالجراح والذكريات المريرة، والمفتوحة على الأسى العميق، الذي يُحبط كل بريق قد يبدو من بعيد.

 

هو طقس كامل من الانطفاء الضوئي والانطفاء النفسي في آن واحد، وذلك للتعبير الظاهري والداخلي عن أزمة نسوية متجذّرة حالكة، لا يُخفّف حدّتها الرداءُ الأبيض الذي تحتمي به لحظيًّا الفتاة مريم، ولا تُقلّل عتمتها ووطأتها المصابيحُ والكشافات القليلة التي إن تمكنت من إطلاق شعاع، فإنّه يصير سريعًا أملًا مبتورًا، ونورًا مقتولًا.

 

ومن خلال سرديات الممثلة الواحدة، وحواراتها الأحادية مع ذاتها، وحكاياتها عن علاقاتها مع أسرتها والآخرين، مثلما تقتضي قواعد المونودراما في تخليق الأحداث، تسعى المسرحية إلى إيصال رسائل متعددة المرامي والدلالات، ليصير من الممكن توسعتها في إطار العموم الشعبي والمجموع البشري، فلا تكون الشخصية مجرد حالة فردية استثنائية، وإنما تعكس نموذجًا متكرّرًا في الكثير من المجتمعات، خصوصًا العربية والشرقية.

 

وهذا النموذج المتكرّر هو مأساوي إلى أقصى درجة، حيث تبلور المسرحية القصّة الكاملة لتراكمات الأشواك والمنغصّات والإحباطات التي تواجهها فتاة فاتها قطار الزواج، وقطعت أشواطًا في مرحلة العنوسة، بكل ما تعنيه من حرمان وآلام ووحشة وانعزال وفراغ وتمزق "لا أميز بين النور والعتمة، أحلامي تبعثرت، ذهبت مع الريح".

 
 

ولعلّ أخطر ما تعانيه الفتاة مريم، كما توضح المسرحية، هو إحساسها بالظلم، حيث لم تكن العنوسة اختيارها، كما أنّها لم تكن لأسباب قدرية مجرّدة ومطلقة.

وإنما تسبّب في هذه العنوسة، على نحو مباشر، تعنّتُ الأب وعناده وقسوته، حيث كان يرفض دائمًا كل الشبّان الذين يتقدّمون لخطبتها، اعتراضًا على حالتهم المادية أو الاجتماعية، أو لإحساسه بعدم التكافؤ، ومنهم الشاب الذي بادلته مريم الحب وتمنّت الزواج منه، الأمر الذي حال دون تحقيق حلمها في عيش حياة طبيعية، وتأسيس أسرة سعيدة ناجحة.

"لماذا أُحرم من حق الحياة؟ كان لي حبيب، كنتُ حبه وعشقه، لكنهم ضيّعوني. أبي، يرفض كل من يقترب مني. يقول: تمهّلي، أنتِ ملكي وحدي، أنتِ تتربعين على عرش قلبي أنا، لن تتزوجي. أبي، لماذا تمنع سنّة الله في الأرض؟!".

 

وعلى النقيض من جفاء الأب وغلظته، تمثّل الأم الجانب الآخر المليء بالدفء والعطف والرحمة والحنان، وقد افتقدتها مريم في وقت مبكر، ما ضاعف مرارة أحزانها وزاد نيران عذاباتها الأبدية: "أمي أمي أمي، أحتاجك يا أمي، يا رقة الدنيا وعطرها الفوّاح، أشعر بالغربة، بالخوف، بالعطش".

 

وفي سياقات المفارقات أيضًا، كما بين شعورها نحو أبيها وإحساسها بأمها، فإنّ الفتاة مريم "المحمّلة بالهموم والأسى"، والواقفة دائمًا عند "عتبات اليأس والحيرة" كما تقول، تحاول أن تصطنع وسائل خيالية وهلامية وحُلمية من أجل أن تتجاوز وضعيتها الجامدة وتحطّم قيودها المفروضة عليها.

 

ومن هذه الحيل التي تلجأ إليها، أنهّا ترى نفسها عروسًا ترتدي ثوب الزفاف، وتتخيل أنّ كل ليلة تمرّ عليها هي "الليلة الأخيرة"، وأنّ هناك من سيأتي ليطفئ العتمة ويشعل أنوار الأمل والبهجة، وينتشلها من الغرق في الوحدة والاكتئاب: "أريد رجلًا يشاركني، يضربني ويحميني، يشدّني من شعري ويرميني. أنا مريم، أنا العروس، أجمل النساء، وأطهر البنات".

 

على أنّ شيئًا لا يحدث من تلك الأمنيات المتوهمة كلها، وتظلّ لياليها كلها متشابهة متكرّرة في الحقيقة الكابوسية التي تعيشها، فالليلة الأخيرة التي تنتظرها هي "ليلة الحرمان، ليلة الفراق لا العناق، ليلة الغروب الذي ليس بعده إشراق".

ثم تكاد تدق طبول الموت، مع عودة المسرح في نهاية العرض إلى الاتشاح بالسواد الكامل الدائم.

 

 

شعرية الصورة والأداء

تلعب مونودراما "الليلة الأخيرة" على أوتار حساسية التعبير الأدائي، ورهافة التأثير الوجداني، من خلال جميع العناصر المسرحية، من لغة وتمثيل وصورة وحركة وموسيقى وإضاءة، وغير ذلك من مقوّمات البيئة المكانية والفنية للعرض.

 

وتتسمّ لغة المسرحية، شأن بقية مفرداتها، بالشاعرية، نظرًا لأنّ مؤلفها معني بكتابة الشعر أيضًا ضمن اهتماماته.

هي لغة عربية فصيحة، سليمة، مبسّطة، تجنح إلى الكلمات والأخيلة ذات الطابع الرومانسي القريب، لإبراز فوران الحالة وجموحها.

 

ومن ثم، فإنّ لغة السرد والحوار (الكلام) لا تبتعد عن لغة القصائد والمقاطع المغنّاة في العرض، التي تأتي مصحوبة بالمؤثرات الصوتية، وبالإحساس الموازي المنبعث من نغمات الكمان والسكسفون، لإضفاء أبعاد متعددة للكلمات والعبارات المجسّدة للأزمة.

 

وأفسحت عناصر الإخراج والسينوغرافيا المجال واسعًا للفنانة لمياء كرم لكي تحشد طاقتها الحيوية في الأداء التمثيلي بحمولته الكاملة، على مستوى الحديث والإشارة والحركة والتعبير بالملامح ولغة الجسد. ويتجلّى ذلك مثلًا في المشاهد التي تصوّر معاناة الفتاة مريم التي تزداد حدّة عند محاولتها الخلود إلى النوم في سريرها، فتنتابها الهواجس المقلقة، وتبدو هي والسرير وكأنّهما في حالة مطاردة.

 

وتتجلّى أيضًا براعة السينوغرافيا والأداء التمثيلي معًا، في المشهد الذي تواجه فيه الفتاة مريم ذاتها، روحًا وجسدًا، بمكاشفة وصراحة وضراوة، وذلك في أثناء استحمامها، حيث تتجرّد ماديًّا ومعنويًّا من كل ما لا يخصّها، وتصير "هي" فقط لا غير. ولحظتها، تدرك بكل أسف أنّها لا تملك ما يمكن الاحتماء به من صقيع العالم.  

الأكثر قراءة

اقتصاد وأعمال 4/15/2026 2:20:00 PM
تمثّل الاستراتيجية الجديدة "تحوّلًا من مرحلة النمو والتوسع إلى مرحلة تعظيم الأثر الاقتصادي ورفع كفاءة الاستثمارات".
الخليج العربي 4/15/2026 10:00:00 PM
شددت على ضرورة "التزام حكومة جمهورية العراق بوقف ومنع كل الأعمال العدائية الصادرة من أراضيها"...
المشرق-العربي 4/16/2026 10:53:00 AM
تم خلال العملية ضبط ومصادرة أسلحة حربية وذخائر وجعب عسكرية كانت بحوزة أفراد الخلية
شمال إفريقيا 4/16/2026 10:47:00 AM
تصاعد الدور المصري في مفاوضات إيران يطرح احتمال تحوّل القاهرة من وسيط تقليدي إلى شريك فعلي في صياغة التسوية.