تمثّل الحارة المصرية الفريدة، بأناسها الشعبيين وعاداتها الاجتماعية الأصيلة وقيمها الدينية المتجذرة وحالاتها وهالاتها الروحانية المتوهجة، زادًا خصيبًا للمبدعين، على اختلاف الألوان الإبداعية التي يقدّمونها، بين آداب وفنون تشكيلية وتجلّيات موسيقية وحركية وأدائية وغيرها من الأنساق والثيمات المتنوعة.
ولعلّ النزعة الواقعية، في ثوبها الكلاسيكي، هي التي سيطرت على نسبة غير هيّنة من الإبداعات التي تعاطت مع تفاصيل الحارة الشعبية المصرية بحقائقها الماثلة على الأرض.
ويتجلّى ذلك النزوع الواقعي في أوضح صوره في روايات أديب نوبل نجيب محفوظ، مثل: "زقاق المدق"، و"خان الخليلي"، و"الحرافيش"، وثلاثية "بين القصرين" و"قصر الشوق" و"السكرية"، وغيرها.
كما ينعكس ذلك الأمر بصريّاً أيضاً في أغلفة هذه الروايات نفسها، التي أنجزها (في طبعاتها الأولى الصادرة عن "مكتبة مصر") التشكيلي جمال قطب (1930م-2016).
في السياق الواقعي ذاته، المقترب من المحاكاة الميكانيكية لحركة الحياة وتياراتها المتدفقة ووجوهها المكتملة الملامح.
لكنّ مقاربة هذه الحارة المصرية الشعبية، لدى مبدعي الأجيال اللاحقة، قد راحت تتحرّر كثيرًا من تلك الصيغ المألوفة والمرائي المعتادة، لتعكس رؤى شخصية متفرّدة، وتجارب طازجة مدهشة، ليست منسوجة على منوال جاهز مُعَدٍّ سلفاً، ولا تخضع في طبيعتها المتمرّدة لمعايير قياسية، وقوانين صارمة حاكمة، وقرارات هندسية منضبطة حرفيّاً.
وهذه الإبداعات الجديدة المبتكرة تنهل بطبيعة الحال من معين الواقع المعيش نفسه، كما تستفيد معرفيّاً وجماليّاً من الموروث الثقافي، ومن المحفور في الوجدان العام وفي الذاكرة الجمعية. ولكنها تراهن، في الأساس، على القيمة الفنية المضافة، والترميزات والإشارات الموحية، والأجواء الشعورية المهيمنة على البيئة المكانية وخريطة الزمن، وخصوصية المعالجة التعبيرية النابعة من الذات، ببراكينها وزلازلها غير المُسَيطر عليها، وشطحاتها الداخلية العميقة.
وهكذا، تكون الغاية الاستشرافية والمحصّلة الفنية النهائية لدى هؤلاء المبدعين هي جُملة من الإفضاءات المنسابة، التي تُلامِس اللاوعي بعفويتها وتلقائيتها وبراءتها وفوضويتها، ولا تخلو في الوقت نفسه من حصّة الوعي بمفهومه الأرحب، الذي لا يصادر التخييلات والالتماعات المنفلتة خارج الأطر والمحدّدات المنهجية والمفاهيمية.
لغة متفجّرة
وإلى هذه الحالات الإبداعية النشطة، التي تبدو استثنائية في تفاعلاتها المثيرة مع روح الحارة الشعبية، ينتمي قلباً وقالباً معرض "أحوال" في قاعة صلاح طاهر في دار الأوبرا المصرية في القاهرة (أكتوبر/ تشرين الأول 2023)، للتشكيلي المصري الدكتور عماد شفيق رزق (55 عاماً)، أستاذ التصوير ورئيس القسم الأسبق في كلية الفنون الجميلة في جامعة حلوان.
وهو عضو نقابة التشكيليين المصريين، وقد حصل على الدكتوراه فى فلسفة التصوير، وأقام الكثير من المعارض داخل مصر وخارجها، وحاز جوائز عدة متميزة خلال رحلته الفنية الممتدة على مدار أكثر من ثلاثين عاماً.
يقدّم التشكيلي عماد رزق، عبر قرابة أربعين لوحة بالألوان الزيتية النارية، لغة متفجّرة بالإشعاعات الحرّة، ومشحونة بالانفعالات الدالة، المنطلقة بكثافة وتركيز جرّاء انخراط الفنان وانصهاره في أحياء القاهرة القديمة ومناطقها العريقة ومزاراتها التاريخية، ونتيجة لمعايشته للبشر وانغماسه في ممارساتهم اليومية الاعتيادية في هذه الأمكنة الشعبية، بكل ما تتضمنه هذه الممارسات من جوانب مادية ملموسة، وطقوس معنوية وروحانية.
وفي لوحات معرض "أحوال"، تأتي البطولة، في المقام الأول وعلى طول الخط، للتعبير المتجاوز بفنياته وجمالياته وإحساسه العالي بالمنظر، وليست للموضوع بعناوينه القريبة وأيقوناته المتداولة.
فالفنان ليس معنيّاً باستعراض صور ومشاهد ومواقف متوقعة للحارة الشعبية وأبطالها من البشر والكائنات والأبنية وغيرها من العناصر والمفردات، وليس مشغولاً بأن ينقل الملامح الكاملة للوجوه الآدمية مثلاً في المقاهي، وللأجساد البشرية في الصلوات وفي حلقات الذكر، بقدر ما هو منصرف إلى الاهتمام برهافة الرؤية وحساسية الالتقاط من زوايا دقيقة وأسلوب الأداء الذي يضفي على الحكايا الدرامية والمرائي المصوّرة مناخات نفسية وإيقاعية جديدة.
الضوء والحركة والتصوّف
وتأتي سرديات عماد رزق عن الحارة الشعبية المصرية وأناسها ومكوّناتها ذات طبيعة ضوئية، حركية، موسيقية، تصوفية، فلسفية. فبالتة الألوان الزاهية، والفيوضات الإشراقية، والصياغة "القوس قزحية" إذا جاز التعبير، تحيل الألوان ببساطة إلى أضواء منبعثة من داخل المناظر إلى النفس البشرية، لتبث فيها الوضاءة والألق والحيوية والصخب الإيجابي الباعث على الأمل والدفء والائتناس.
وتتسم مكوّنات لوحات عماد رزق دائماً بالدينامية، فهناك حالة حركة في الشوارع والأزقة والأسواق والمقاهي، وأيضاً في المساجد وحلقات الذكر، وغيرها. وهذه الحركات الإنسيابية المرنة يشترك فيها الآدميون والكائنات الحية والموجودات والأشياء جميعاً، كعربات بيع الأطعمة مثلاً، وعربات نقل الفاكهة والخضراوات، وغيرها.
تصاحب الحركة عادةً تنويعات موسيقية وإيقاعية، صادرة من إيحاءات الدفوف المنتشرة في فضاء اللوحات، والرقصات الدائرية الابتهالية، الأمر الذي يسمو بالأحداث المرويّة ويُطلقها من برواز الواقعية الصرف إلى مستويات تأويلية أبعد، ويعيد اكتشاف مقوّمات الشخصية المصرية الأصيلة في أبعادها المركّبة، خصوصاً بعدها الروحاني المزدهر، الذي يُمثّل العمق الإنساني والهوية والضمير الحي عبر الزمن.
وتبدو لوحات معرض "أحوال" للفنان عماد رزق هارمونية متناغمة، يكمل بعضها البعض في وحدة متجانسة. وهي تزخر جميعها أيضاً بالجوهر التصوفي النادر، في نقائه الصافي، وصفائه النقي، ومصابيحه التي لا تنطفئ. ويطغى الحس التصوفي الفلسفي على كل المشاهد والمواقف المتأججة المتّقدة في لوحات المعرض، ويتجلّى هذا الحضور في أوضح "أحواله" في اللوحات التي تستلهم الرقصات الدائرية، والتحليق عالياً في الملكوت الإلهي، وفق الفلسفة الصوفية.
وهذه الرقصات الدائرية معروفة لدى المتصوفين كفنون مصاحبة في حلقات الذكر والإنشاد الديني. ومن أبرزها رقصة الطريقة "المولوية"، التي تقود إلى الاندماج في الحضرة الإلهية، والسموّ إلى مرتبة الصفاء الروحاني. ومن نماذجها الشهيرة أيضاً رقصة "التنورة" المصرية، ذات الأصول الصوفية، التي تعدّ طقساً أساسيّاً في الاحتفالات الدينية والشعبية إلى يومنا هذا.
نبض