04-09-2023 | 21:42

وفاء ياديس تواجه حركة "أفرو سنتريك" بـ"الإيجيبتوسنتريك"

يكتسب التعبير الفني في تجربة التشكيلية وفاء ياديس أبعادًا متعددة الاتجاهات والمجالات والأهداف، على نحو يجعل كل معرض لها بمثابة إلقاء حجر في الماء الراكد.
وفاء ياديس تواجه حركة "أفرو سنتريك" بـ"الإيجيبتوسنتريك"
Smaller Bigger
يكتسب التعبير الفني في تجربة التشكيلية وفاء ياديس أبعادًا متعددة الاتجاهات والمجالات والأهداف، على نحو يجعل كل معرض لها بمثابة إلقاء حجر في الماء الراكد. فالفنانة المصرية، ابنة كلية الفنون الجميلة في جامعة حلوان القاهرية والحاصلة على الدكتوراه من جامعة سيدونا في الولايات المتحدة الأميركية، تطرقت في بضعة معارض لها ميدان الـ"آرت سيكولوجي" أو علم نفس الفن وتطبيقاته المتنوعة.
وتمارس ياديس على المستوى الدولي العلاج النفسي بالألوان، بوصفها عضوة في الجمعية الدولية لعلوم السيكولوجي، وعضوة في المجلس الدولى لعلوم الميتافيزيقا.
وبجانب فضاء الـ"آرت سيكولوجي"، الذي يسهم فيه الفن في علاج الاضطرابات وتعزيز الحالة المزاجية والصحة النفسية للإنسان، توغل وفاء ياديس في الاستخدامات الأخرى للتشكيل، العميقة والمثيرة في آن. 
فهي تارة تقيم معرضًا لمواجهة الـ"أفرو سنتريك" و"اليورو سنتريك" وغيرهما من المركزيات والنزعات القارّية، التي تهدد الشخصية المصرية وهوية الفن المصري وخصوصيته المتفردة، وتارة أخرى، تدشّن معرضًا لتأسيس تيار فني جديد بعنوان "إيجيبتو سنتريك"، لإعلاء شأن الحضارة الفرعونية والمركزية المصرية. 
وفي مغامرة ثالثة لوفاء ياديس، إذا بها تفرد للعَلَم المصري معرضًا كاملًا بعنوان "أحمر أبيض أسود"، لتعيد من خلاله صياغة ألوان العلم وعناصره ودلالاته ورموزه تشكيليًّا، في سياق لا يبتعد من حسها التجريدي المهيمن، ونزعتها الإنسانية الخالصة، وسياق الانتماء الوطني والاعتزاز بالموروث الذاتي.
 
 
 
الجاذبيّة والشّغف
تتسم معارض التشكيلية وفاء ياديس بالغزارة والكثافة، وهي دائمًا معارض حيوية، صاخبة، جذّابة، متطورة، ذات تقنية عالية، كما أنها مثيرة للشغف والجدل، باقتحامها مناطق غير سائدة أو ليست شائعة على المستوى الاعتيادي. 
وبعيدًا مما قد توحي به أحيانًا هذه المعارض من دعائية ظاهرية، ربما بسبب آليات الترويج لها، فإنها تنطوي في جوهرها الراسخ على قيم فنية خصبة، أصيلة، متفوقة، متجددة، بالإضافة إلى ما تطرحه الفنانة والخبيرة النفسية من ثيمات ومعالجات وموضوعات مغايرة في مسار الحركة التشكيلية المصرية الحديثة، وذلك بتمكنها من التراث الفني، ومن أبجديات الفن ومدارسه، ومن التطبيقات المتعددة للفنون.
وفي مواجهتها حركة الـ"أفرو سنتريك" وغيرها من النزعات القارية، وحماستها لتقديم نظرية مصرية باسم "إيجيبتو سنتريك"، أفرزت وفاء ياديس سلسلة من المعارض المتتالية، للتكريس للمركزية المصرية بديلة من المركزيات الأفريقية والأوروبية والأميركية وغيرها من المركزيات القارية التي تهدر الهوية المصرية وخصوصية الفن المصري. 
وتنحاز حركة "أفرو سنتريك" إلى ذوي البشرة السمراء، ويعتقد أنصارها بأن الحضارة الفرعونية قد شيّدها الأفارقة السود، الذين أسسوا أيضًا الحضارة الإغريقية والحضارات الأوروبية. كما يرون أن ملوك مصر القديمة كانوا من الأفارقة السود، وأن سكان مصر المعاصرين والحاليين ليسوا من أبناء قدماء المصريين، بل من نسل الغزاة الذين استعمروا مصر في بعض مراحلها التاريخية.
 
 
التّصدي للخرافات
وفي تصدّيها الفني لهذه الخرافات، أقامت وفاء ياديس مجموعة معارض، منها "صحوات القديم"، "مايتي – مودرن بوب في حب الحضارة المصرية"، "أحلام واقعية"، وغيرها. كما أقامت معرضها "إيجيبتو سنتريك"، بهدف إجهاض محاولات الاحتلال الثقافي للموروث الفني الأثري في الحضارة المصرية عبر تاريخها الناصع.
ومن خلال عشرات اللوحات التي تتمثل الوجوه والملامح المصرية الفرعونية، والأبنية والرموز والطقوس والممارسات الاجتماعية والدينية والعادات والتقاليد وغيرها في مصر القديمة، عبر صياغات عصرية مشحونة بالتجريد والتوازات الهندسية المحكمة، تثبت وفاء ياديس انحيازها الجمالي إلى المدرسة المصرية، لا غيرها من المدارس، وتؤكد رغبتها القوية في منع تزوير تاريخ مصر وسلب الحضارة الفرعونية روحها. 
وتعكس لوحات وفاء ياديس في هذا الصدد منطلقاتها الفنية والفكرية، التي تأخذ بأن التعبير التشكيلي لا يمكن فصله عن دعم القضايا الوطنية، وعلى رأسها قضية إثبات الهوية والتخلص من الاستعمار الثقافي.
والحالة المصرية، وفق الفنانة، هي خالة خاصة، ليست عربية ولا أفريقية، بل هي حالة متوسطية، نسبة إلى البحر المتوسط، وأفرو-آسيوية، نسبة إلى القارتين المتجاورتين أفريقيا وآسيا. 
ومن ثم، فإن الفن المصري، القديم والحديث على السواء، يقترن بهذه البشرة القمحية، بين البياض والاسمرار، بحسب شدة تعرض المصري للشمس، وبحسب تفاوت الحرارة بين المدن المختلفة، وبين فصول السنة بعضها البعض. 
ورغم أسلوبها الحداثي في التصوير والمعالجة اللونية، وإبحارها في حالات مدهشة بين الحلم والواقع، فإن وفاء ياديس تبدو وثيقة الصلة بالتراث المصري القديم، وحريصة على تحقيق التوافق الجمالي واللوني بين الحضارة المصرية القديمة، وطبيعة العصر الحديث.
وتلتفت ياديس أكثر ما تلتفت إلى النقوش الفرعونية على جدران المعابد والمقابر، وأناشيد الحب والأدعية الدينية، والرسوم التي تبرز الملكات اللاتي يلازمن القصور، والملوك الذين ينطلقون للحرب أو للصيد، إلى جانب وجوه المصريين البسطاء من العمّال والصنّاع في أشغالهم اليومية ومناسباتهم المختلفة.
ولا يقتصر اهتمام وفاء ياديس على النهل من الرسوم المصرية القديمة، لكنها تستلهم أيضًا في معارضها كنوز الفراعنة في النحت والعمارة وعلوم البناء والفلك والتعدين والأحجار الكريمة والحليّ والأزياء والنسيج والتحنيط وهندسة الألوان وغير ذلك. فكل ما يصمد عبر الزمان من حضارة المصريين هو مزيج من الفنون والعلوم الكونية الرفيعة، التي تحتفظ بأسرارها حتى لحظتنا الراهنة.
وفي الإطار ذاته، أفردت وفاء ياديس لألوان عَلَم مصر معرضًا بعنوان "أحمر أبيض أسود"، في تشكيلات تجريدية وصياغات مبتكرة لدلالات الألوان وتدرجاتها. وتعكس لوحات المعرض حالات العلم المتباينة بين التحليق والرفرفة والثبات، وكأنما يواجه العلم تموجات حياتية مختلفة، وتسري في أنسجته وأوصاله مشاعر إنسانية متدفقة، بين الفرحة والحزن، والأمل والألم، ليرمز إلى ما تمر به مصر في هذه المرحلة من تحولات.
 
 
موجات الهدوء النّفسي
وفي مضمار آخر هو الـ"آرت سيكولوجي" أو تطبيقات علم نفس الفن، أنتجت وفاء ياديس أيضًا سلسلة من المعارض والمبادرات العلاجية بالألوان وورش العمل التخصصية، منها: "موجات هدوء"، "شمس"، "ما وراء الجسد"، "أشجار طفولية"، "أرواح كريستالية"، "حالات قمرية"، وغيرها.
وتتنوع غايات العلاج النفسي بالألوان في هذه المعارض، فمثلًا يسعى معرض "موجات هدوء" إلى تحقيق الهدوء العقلي والوجداني والسكون النفسي لدى المتلقي، وخلق حالة وجودية صافية تقوم على الثبات الانفعالي والتركيز والتأمل. 
يتأتى ذلك من خلال الموجات اللونية التي تختزل الأشكال والأجساد إلى أنساق أو أطياف غير محددة الملامح والتفاصيل، ما يقود إلى الاسترخاء التام والتصالح مع الذات. بينما يتناول معرض "شمس" قراءة سيكولوجيا الرجل، والتعرف على تقلباته السلوكية وتغيراته المزاجية، أملًا في تحسين حالاته الشعورية والإدراكية من خلال تشكيلات لونية ملائمة.
وتتسم لوحات ياديس العلاجية أيضًا بالطابع التجريدي، لكي تستوعب الانطلاقات الإنسانية الواسعة والتخييلات الحرة في تناول الانفعالات والطبقات الداخلية العميقة من غير قيود أو عوائق. كما تحتوي هذه الأعمال العلاجية على خلاصة نظريات الميتافيزيقا أو ما وراء الطبيعة، ومبادئها، وفلسفاتها، من أجل كشف ماهية العلاقات بين الأفراد، وتخطي الأسطح والمظاهر إلى الحقيقة النقية والجوهر الكامن.
العلامات الدالة

الأكثر قراءة

اقتصاد وأعمال 4/15/2026 2:20:00 PM
تمثّل الاستراتيجية الجديدة "تحوّلًا من مرحلة النمو والتوسع إلى مرحلة تعظيم الأثر الاقتصادي ورفع كفاءة الاستثمارات".
الخليج العربي 4/15/2026 10:00:00 PM
شددت على ضرورة "التزام حكومة جمهورية العراق بوقف ومنع كل الأعمال العدائية الصادرة من أراضيها"...
المشرق-العربي 4/16/2026 10:53:00 AM
تم خلال العملية ضبط ومصادرة أسلحة حربية وذخائر وجعب عسكرية كانت بحوزة أفراد الخلية
شمال إفريقيا 4/16/2026 10:47:00 AM
تصاعد الدور المصري في مفاوضات إيران يطرح احتمال تحوّل القاهرة من وسيط تقليدي إلى شريك فعلي في صياغة التسوية.