أصوات نسائيّة مسموعة... سينمائياً
"أصوات مسموعة" هي مشاريع لخمسة أصوات نسائية تُمكّننا أفلامهن من التجوّل عبر المساحة المعقولة بين "أحلام متخيّلة وواقع معقلن"، سنحاول من بينها طرح ثلاثة أفلام لها تفرّد متباين بين مستوى الهم الشخصي والهمّ العام.
فيلم "انتماء نفس"
"لطالما أردت أحداً يشبهني، مثلي، نضحك سوياً، أنا هادئة جداً أختي الكبرى شقراء وجميلة والمقارنات بيننا لم تتوقف، لا أعرف معنى السعادة، الاحتفال "بارتي" دقائق وينتهي".
بهذه الكلمات المتقاطعة تبحث صاحبة القصة "فاطمة" وهي مطلقة وأم لولدين عن انتماء لنفسها وأحلامها المؤجلة.
في فيلم "انتماء نفس" (إخراج أسيل ياسين من إنتاج يونس هباهبه)، تبدو الخطوط العريضة للقصة عادية، لكنها تؤكد في عاديتها أننا لا نرى المعاناة إلا في صورتها المتطرفة.
تستعرض الكاميرا مسكن فاطمة المتواضع وخلوتها مع كتاب بعنوان "أبي الذي أكره" انطلاقاً من الحديث عن حضن الأب الغائب، وما آل إليه هذا الاختفاء غير العادل إلى خلل في المسارات الطبيعية لحياتها.
فاطمة لم تعرف شبق المراهقة أو الحب الذي ينشأ في أروقة الجامعة، لم تُخيّر في حرية لباسها كأغلب الفتيات في بيئتها، لكنها عرفت معاناة الزواج المبكر والانتقال إلى بلد عربي وأمومة مبكية، ثم انفصال زاد الشرخ بينها وبين كل محيطها القريب، فماذا تبقى من صورتها؟
في بعض المقاطع كانت النقطة المتعلقة بالسرد والفيض عن الرغبات هي أضعف ما في الفيلم، إيقاع فاطمة الهادئ وصوتها الخافت جعل الاستماع لها والاندماج مع قصتها أمراً متذبذباً، لكون هذا السرد ينحدر نحو إبراز الحقيقة الماضية الخالية من الصور البصرية والمعتمدة كلياً على الحكاية، ويبين الواقع الآني وما آلت إليه الأقدار أن تكون عاملة تنظيف في غرف الفنادق.
كان يُفضّل لو انطوى السرد على إيقاع معين للكلام حتى يكون عاملاً لتطوير الفيلم، من جانب آخر تنتقل الكاميرا بين وجه فاطمة والمخطوطة التي تقوم برسم نفسها "وجه فتاة تتفرع من رأسها أغصان رفيعة بدلاً من خصلات الشعر"، اللقطة انعكاس وجهين لعملة واحدة، الوجه المرسوم ووجه فاطمة، وكلاهما يشكّل التأثير العاطفي في الصورة المنشودة التي تكنها، صورة بعيدة من عالم يحتقرها ويشفق عليها.
ويبقى سؤالها عن معنى الانتماء مفتوحاً كما أوضحته بصيغة الحيرة في منتصف الفيلم: "عندما كنت في كنف أهلي لم أكن أريد البقاء هنا، وعندما تزوجت لم أرغب أيضاً في البقاء هناك ولكن... إلى أين؟ ".
فاطمة في فسلم"انتماء نفس"
فيلم "هي سُوف"
قد لا يخزن في الذاكرة فيلم عن تجربة طفيفة الملامح، تخلو في تفاصيلها من حيز الخصوصية أو الخصائص الغريبة للشخصية الرئيسية! هذا ما قد نفكر به بعد مشاهدة فيلم "هي سوف" من إخراج مهند لافي، إنتاج أحمد الحلبية.
"نجاح العزة" سيدة نشأت وتعيش في مخيم "سُوف" للاجئين الفلسطينيين في الأردن، يبدأ الفيلم بمشهد علوي وهي ترصد لعب أبناء الحارة ثم تغلق النافذة لاستكمال ما تصنعه بالصوف معقبة بصوت جهوري "عندما كنا أطفالاً كنا نلعب طوال الوقت... طوال الوقت ".
المشاهد الخارجية لا تختلف في سكونها عن الداخلية، فعندما تتجول "نجاح" في أزقة المخيم نستطيع أن نقصي خواء الطبيعة، الحيز المكاني في الفيلم يخلو من الضجيج ومن أشكال الحياة الملونة، بينما "نجاح" لم تبرح هذا المكان وترفض الخروج منه بعد توليها مناصب عدة، من مديرة للمراكز التعليمية في مركز سُوف للبرامج النسائية، وصولاً إلى تعيينها نائبة في البرلمان الأردني رغم مرارة العقبات وأشكال التنمر على مظهرها ولون بشرتها وأيضاً كونها امرأة.
فهل تصدت "نجاح" لهذه الانتقادات الجارحة لأنوثتها بارتداء الجدية والصلابة، أم أن هذة الصلابة المطبوعة بنفس إنساني عقلاني هي نتيجة طبيعية لمواليد النكسة ولأبوين من مواليد النكبة.
تتكرر مفردة اللعب ومفهومها على لسان "نجاح" في القسم الثاني من الفيلم، وكأنها تشدّد على الرفاهية المجانية المتاحة في مكان يخلو من رغد العيش، بينما الصورة مثبتة على طفل يحمل كرة القدم ويربط خيط حذائه استعداداً للانطلاق، يمر بالتزامن صوت "نجاح" قائلة: "كي تكون قوياً يجب أن تكون في مواقع صنع القرار".
تتلاءم العبارة مع حركة الطفل بشكل متجانس وتقليدي في الأسلوب، لا نعلم إن كان هدف الفيلم هو إظهار نموذج لسيدة خارقة ناجحة تنتصر لعالم تعيش فيه وتعيش لأجله، بعيداً من كشف الجانب البشري بكل هفواته وزلاته وتذبذباته الطبيعية.
فالفيلم لم يدخل في ذات "نجاح" العميقة، بل جعلها تسرد إنجازاتها سرداً تقريرياً ومقتصداً، انتهى بمشهد ليل خارجي يجمعها بابن أختها ويدور بينهما حوار تلقيني مباشر عن نبذ العنف والابتعاد من المشكلات والاستقامة.
"البحث عن أم غيث"
هذا الفيلم هو من بحث وإخراج عبير بايزيدي وإنتاج بسام سعد.
لا ينتمي هذا العمل إلى المحور الشخصي أو الطبقات النفسية، بل هو موجّه بالكامل من أعماق الطبيعة وعنها وإليها.
"أم الغيث" طقس فلكلوري يعود لمئات السنين في بلاد الشام والرافدين، حيث يقوم الأطفال بعمل دمية خشبية خيالية لأم الغيث، يتجولون بها وهم يرددون أغنيات المطر وهم في أشد الحاجة إليه.
يستهل الفيلم برسوم التحريك من تنفيذ فناني التحريك: "دانا در" و"بشار در".
مشاهد الرسم التحريكي تتصل بالعلاقة بين الواقعي والمُتخيل بصوت الراوية في التوصيف العضوي بأن تشريح جسم الأرض مشابه لجسم الإنسان، والأرض كما الإنسان بحاجة إلى محبة وعناية واستسقاء.
في بحث دؤوب تقوم به المخرجة "عبير" بناءً على تخصّصها في بالبيئة تنطلق فيه بحكاية ثلاث سيدات غياثات في أرض تُعرف أنها الأفقر في الموارد المائية:
"قطنة الزلابية "من البادية الجنوبية
"إلهام العبادي" من ريف البلقاء
"ديمة عساف" من العاصمة عمان
سيدات مبهرات في ثقافتهن العميقة لعلم النبات ومنتميات للأرض وإحياء خيراتها، في محاولة العثور على الحصاد المائي في الصحراء والمدينة والريف وتغذية آبار جوفية.
شغف كبير يظهر في حديث السيدات في محاولة بحث وعلم الغطاء النباتي وكيفية المقارنة بين الأمس واليوم، والحد من تدخل الإنسان المعاصر في البيئة الخضراء.
ولأجل أن تتعافى الطبيعة، تبحث كل واحدة منهن عن المطر بطريقتها، فهناك من تعمل على السماد العضوي ومن تعمل البذور ومن تعمل على الزراعة والاستدامة.
براعة "عبير بايزيدي" هي المراوحة بليونة بين المشاهد التقريرية التي تتحدث عن هم بيئي عام، والتحريك بخيالاته وفانتازيته لصورة أم الغيث.
وقد تصاحب مع الرسوم المتحركة تأليف موسيقي متجدد وحيوي "لسلوى جردات وفرح قدور" لأغنية أم الغيث التراثية.
يجدر بنا القول إن القصص النسائية في "أصوات مسموعة" هي بعيدة من المشاهد الختامية بشكلها المباشر والتقليدي، لكننا حين نلقي نظرة خلفية على المجموعة بأسرها، يتأثر انطباعنا بالأشياء التي ترد في ختام كل لقطة، ختام الباب المفتوح على سياج الطبيعة والمسكن والحلم والأمومة.
نبض