«صهيل الطّين» مسرحيّة إماراتيّة تحتفي بالتمرّد على الطريقة الفرويدية
بعد العرض المسرحي «صهيل الطين» خلال فاعليات الدورة الحادية والثلاثين من مهرجان أيام الشارقة المسرحي، جاءت ردود الفعل عاصفة ومحملة بالكثير من الأسئلة الموجهة إلى مخرجها الشاب مهند كريم، بسبب الرؤية المغايرة التي قدمها عن النص الأصلي. وهذا ما دفع بمؤلفها إسماعيل عبد الله إلى القول إنه لم يرَ نصه مقدمًا على خشبة المسرح بل وجد نصًا لا علاقة له به، وهو نص خاص بالمخرج وحده، فاتحًا بذلك النقاش حول دور المخرج في التصرف في النص المسرحي.
لقد شكلت الرؤية التي قدمها مهند كريم صدمة فنية للجمهور والنقاد الذين سبق لهم مشاهدة هذه المسرحية في المهرجان ذاته عام 2012، من إخراج الفنان محمد العامري، ولاقت إعجاب النقاد وقتها. فيما وجدوا أنفسهم هذه المرة أمام عرض يقدم قراءة أخرى للنص المكتوب وبصياغة متمردة ترفض الإذعان للنص الأصلي.
وهذا ما أشار إليه المخرج في المنشور الذي وُزِّع على الجمهور الذي حضر العرض، فيه أنه يقدم «رؤية جديدة لمسرحية صهيل الطين لإسماعيل عبد الله»، وأنه قد أعدّ نصًا عرضه من مسرحية إسماعيل عبد الله، من دون الإشارة إلى أنّ العمل من تأليف إسماعيل عبد الله.
روح فرويديّة
ينطلق العرض المسرحي لمهند كريم من روح فرويدية تسعى إلى قتل الأب وإزاحته باعتباره منافسًا، لكن هذه المنافسة في بعض الأحيان مصحوبة بدرجة من الرقة والإعجاب بالمنافس داخل المسرحية، باعتباره المعلم الأول. وهو ما يأتي على لسان إحدى شخصيات المسرحية التي يقول فيها «أغلبنا يريد موت آبائه ليفعل ما يريد»، لذا كان الصراع في العرض بين الأب والابن، بين الضمير «هو» الأب و«هو» الابن الذي يبحث عن أمه ويستعيد مأساة مقتلها أمام عينه على يد أبيه مشتاقًا إلى حضنها الذي حُرم منه، فيجعله المخرج يستحضر جانبًا من قصيدة محمود درويش «أحن إلى خبز أمي وقهوة أمي» لكشف تأثير هذا الحرمان بفعل الأب المستبد الذي يوازي الاحتلال الذي منع دوريش عن أمه.
أما نص المؤلف إسماعيل عبد الله الأساسي فينطلق من روح جندرية حول تمرد المرأة ومحاولتها الانعتاق من سلطة الرجل وقهره لها، فالصراع فيها قائم منذ لحظة البداية بين الضمير «هي» في مواجهة «هو» بكل عنفوانه وتسلطه وجبروته وعمله المتواصل لكبت أحلام «هي»، سواء أكانت «هي» الأم التي قتلها أو ابنته التي استعبدها وحبسها بدعوى الخوف عليها من العالم الخارجي بقوله «هل أترك نهبًا لرحى الريح الغادرة، تطحنك وتذروك رمادًا؟ هل أقدمك بيدي قربانًا للأفاعي الضالة توسعك سمًا وتمتص رحيق عمرك»، معتقدًا أن هداه هو الهدى الذي على الابنة اتباعه وحده وفيه النجاة وعصيانه هو الضلال المبين.
فالكاتب إسماعيل عبد الله عمل منذ بداية نصه على إذكاء روح التمرد داخل المرأة ورفض ما هو سائد من صورة نمطية حولها تعتبرها وتصفها بأنها أفعى ومصدر كل شرّ. ولكن رغم اختلاف الرؤيتين، ما بين رؤية فرويديه ورؤية جندرية، فإنهما يتفقان في روح التمرد، سواء الابن على الأب في عرض مهند كريم، أو تمرد المرأة على الرجل في مسرحية العامري التي جاءت مطابقة للنص الأصلي لإسماعيل عبد الله والتزمت برؤيته.
فحوار التمرد الذي جاء على لسان الابن أو الابنة كان واحدًا في المسرحيتين، يرفض تقييد الأحلام ويبحث عن حرية الروح في المقام الأول، حيث يسعى الأب في الحالتين إلى سجن الابن/ الابنة وتقييد أحلامهم وجعلهم يسيرون في فلكه وأن يكونوا صورة منه.
روح إغريقيّة
لا يغيب عن العرض الروح الإغريقية التي التقطها مهند كريم من نص إسماعيل عبد الله المتأثر بالمسرح اليوناني القديم، من ناحية الشكل وعدد الممثلين (الديودرامي) الذي يتوافق مع الصورة التي ذكرها أرسطو عن مراحل تطور التراجيديا بأن إسخليوس هو أول من رفع عدد الممثلين من واحد إلى اثنين، وقلل بذلك من أهمية الجوقة عن طريق اختزال أناشيدها وجعل للحوار الأهمية الأولى، وذلك مقارنة بالمرحلة الأولى التي كانت فيها الجوقة تحتل المساحة الأكبر في هذا الدور الذي أخذ في التقلص أكثر فأكثر مع زيادة عدد الممثلين الذي جاء على حساب الجوقة.
لكنّ مهند كريم كسر هذه الثنائية بإضافة عنصر ثالث لم يكن موجودًا في نص إسماعيل عبد الله، أخذه من ملحمة جلجامش وهو أنكيدو. كما أنه قلل من دور الجوقة واستعاض عنها بالأداء الحركي والمؤثرات الصوتية.
بغماليون
ومن جوانب التأثر بالمسرح اليوناني القديم أيضًا، هناك الجو العام الذي تدور فيه المسرحية حول فكرة الخلق من الجماد والتمثال الذي تدب فيه الروح كما تحيل أسطورة بغماليون، ذلك النحات الذي صنع تمثالًا «جالاتيا» ودبت فيه الروح.
تلك الفكرة التي عالجها الكاتب الأيرلندي الساخر جورج برنارد شو في مسرحيته الشهيرة "بغماليون" عام 1912، والتي نقلها بهجت قمر في مسرحيته الشهيرة «سيدتي الجميلة»، وقد سبقه توفيق الحكيم الذي كان أكثر تأثرًا من برنارد شو بالأسطورة اليونانية في مسرحيته "بغماليون"، وصار على نهجها في سياقها التاريخي الأسطوري.
بينما في مسرحية «صهيل الطين» (إنتاج جمعية «دبا الحصن للتراث»)، أخذ إسماعيل عبد الله من الأسطورة بعدها الرمزي، حيث يشترك "الأب/ هو" مع بغماليون في كراهية النساء واحتقارهن وعدم الثقة فيهن واتهامهن بالخيانة ومن ثم قتلهن واضطهاد الأحياء منهن.
هذه الزاوية هي التي لعب عليها نص إسماعيل عبد الله للانتصار للمرأة وتحريرها من سيطرة الرجل وعدم الخضوع لأهوائه. بينما في عرض مهند كريم فإنه ارتكز أساسًا في رؤيته على عملية الخلق نفسها والصراع بين الحياة والموت، جاعلًا من هذه النقطة هي المركز الذي ينطلق منها عرضه.
لذا استعان بأنكيدو أحد أبطال ملحمة جلجامش التي تدور حول البحث عن عشبة الخلود عندما أرعبه منظر موت صاحبه أنكيدو، ذلك الوحش البري الذي استطاعت المرأة أن تحوّله إلى إنسان فأخذ يبحث عن سبيل يقيه من هذا المصير. لكن أنكيدو هذا العرض (خالد) لا يعرف الموت لأنه بلا روح وهو من صنع الأب الذي يصنع تماثيله المتحركة من الحديد والنار.
الجداريّة
ونتيجة لهذه الرؤية المتعلقة بمعاجلة الموت وتجلياته، استحضر أيضًا مهند كريم منذ بداية عرضه محمود درويش بصوته وهو يلقي جانبًا من قصيدته «جدارية» التي ناقش فيها درويش الموت في جميع المعتقدات، من تناسخ أرواح والبعث من الرماد والفنون التي استطاعت أن تهزم الموت، كما أن كثيرًا من عبارات هذه القصيدة وكلماتها جرت على لسان أبطالها مثل «الأبدية البيضاء، سأكون يومًا ما أريد...»، كما استحضر في إطار التمرد والرفض جانبًا من قصيدة أمل دنقل «كلمات سبارتاكوس الأخيرة» التي تحتفي بالنضال وعدم الخنوع.
واتخذت لحظة نزول الروح في التمثال شكلين مختلفين، نابعًا من اختلاف رؤية إسماعيل عبد الله، ورؤية المخرج مهند كريم. ففي نص إسماعيل عبد الله جاء نزول الروح إلى تمثال الرجل الذي صنعته «هي» من الماء والطين بشكل رمزي أقرب إلى المعجزة التي لا يد لها فيها، كما فعلت الإلهة أفردويت عندما قبلت قربان بغماليون واستجابت لدعائه وحولت جالاتيا من تمثال إلى امرأة حقيقية.
وبذلك نجد أن المرأة هي صانعة الرجل وهي التي تلده وهي ليست أقل منه في شيء، ومن حقها أن تحقق ما تصبو إليه من أحلام بعيدًا من القيود التي تفرض عليها، فحتى في ظل سطوة الأب على هذه الابنة، فإنها تحتمي بما صنعت يداها ليقف في وجه هذا الأب. ما يعني أن المشكلة لا تكمن في النوع الجندري بل في محاولة جنس فرض سيطرته على الآخر وفرض رؤيته عليه وعدم جعل العلاقة بينهم علاقة تكامل بل علاقة تبعية.
أما عن رؤية مهند كريم في نزول الروح، فقد احتفت بالميثولوجيات القديمة المصرية والعراقية واليونانية المتعلقة بالروح وإعادة الخلق، كأن للابن قدرة حقيقة غير عادية متأصلة فيه بسبب طبيعته المفارقة للبشر في جوانب منها مثل أنصاف الآلهة الذين لهم نصف بشري وآخر إلهي بسبب امتزاج العنصرين فيه. ومن خلال هذه الرؤية استطاع الابن أن يصنع تمثالًا لامرأة، وبتعويذات مختلفة أخذها من الحضارات القديمة نزلت الروح في تمثال المرأة التي صنعها.
تمرّد على النّص
فإذا كان نص إسماعيل عبد الله يحتفي بالتمرد على التقاليد البالية التي تحرم المجتمع من طاقاته الأنثوية الفياضة خالقة الحياة، فإن مهند كريم قد تمرد على نص إسماعيل عبد الله نفسه بروح فرويدية تعمل على قتل الأب وخلق حياة جديدة حسب أحلامه، هو وما يريده لا حسب ما يريده الآباء.
لذا قدم المسرحية برؤيته ومفهومه هو متحررًا من سلطة النص وبقراءة جديدة كانت صادمة للمؤلف وللجمهور. وكذلك برز هذا التمرد في الصورة البصرية التي صنعها التي اتخذت طابعًا تجريبيًا معتمدًا على الأداء الحركي الراقص المعبر عن حالات التوتر والصراع وحالات الوئام، كما اعتمد على الأقنعة والتغريب لأداء المشاهد، من بينها المرأة التي صممها محمد صالح وشاركه في أدائها كل من لؤي محمود وعمر صفر يونس غلوم. ولعبت الموسيقى التصويرية والإضاءة لعبد الله الحمادي في تكثيف بعض المشاهد وتعميق الحالة الشعورية والنفسية التي تؤدى على خشبة المسرح التي تكشف عن تملك المخرج لأدواته الإخراجية البصرية والحركية والصوتية التي تنوعت مصادرها ما بين موسيقى غربية وأهازيج أمازيغية وأغان عربية.. كما أجاد الممثلون في أداء أدوراهم: أحمد أبو عرادة في أداء دور الأب، ونبيل المازمي في دور الابن، وشريف عمر في دور أنكيدو، وإن كانت الإضاءة الخافتة في أحيان كثيرة وكذلك الأقنعة واللعب على المسرح، ليس في جانبه الأفقي فقط بل الرأسي، قد أخفت ملامح الممثلين وتعبيراتهم عن كثير من جمهور الصالة، وإن كان ذلك مبررًا بسبب طبيعة المكان الذي تدور فيه الحوادث، من قبو مظلم تحت الأرض وشخصيات أسطورية عبرت عن فنتازيتها وطابعها الآلي بالأقنعة.
نبض