معرض كاتيا طرابلسي... رحلة مع فن تزيين الشاحنات
"على كل باب خلفي لشاحنة نقل، تنتشر رسائل؛ نصيحة، تهديد، كلمة حب، صلاة، تميمة ضد العين الشريرة. هذه الكلمات للسائق مثل أمثولة، تعبير شخصي، هروب، صرخة... بالنسبة إلينا وللحظة وجيزة في ازدحام المرور، هي لغة بصرية نتواصل معها ونبتسم ونتعلم ونفكر".
هذه العبارات جاءت في سياق النص الذي قدمت به الفنانة كاتيا طرابلسي معرضها الذي تقيمه في غاليري صالح بركات (كليمنصو حتى 22 نيسان/ أبريل)، بعنوان "راجعة يا ماما"، وهو عنوان لافت ومثير للقلق، يحمل الكثير من الأمل والقدرية والظنون.
إنه يقع على المقلب الآخر من عبارة "ذهب ولم يعد" التي ترددت طوال سنوات الحرب، تطرحه الفنانة كشعار مُلغّز يحمل في طياته المفاهيم السيكولوجية العميقة التي قامت على أساسها فكرة إعادة تدوير العبارات والتعاويذ والأدعية والدعابات الساخرة المرفقة بأشكال زخارف ورسوم تزيّن الواجهات الخلفية لشاحنات النقل التي تتجول على طرق لبنان، في مشهدية متجذرة في حياتنا اليومية.
"الشاحنات مثل الدم الذي يجري في عروق الكثير من البلدان"، ومنها بلادنا، حيث يحرص السائقون على تزيين مركباتهم بزخارف تشمل أدعية للسفر وتضرّعاً لله طلباً للحماية، ما يحوّلها إلى لوحات فنية متحركة تنشر جمالها على الطرق.
لم يكن عبثاً أن يدخل هذا الفن القريب من العين في ذاكرة الحداثة التشكيلية في لبنان، من خلال الخطاب الشعبي المتمثل بأعمال الفنان رفيق شرف حين اقتبس تلك التعاويذ والتمائم والطقوس، من وحي رحلاته المتكررة ما بين بيروت وبعلبك، حين كان يقتل الضجر من الوقوف خلف الشاحنات المتوجهة خارج الحدود اللبنانية، بقراءة العبارات المكتوبة على واجهاتها الخلفية وتردادها بغية التسلية والضحك، دون أن يدري أنها ستمسي أحد مفاتيحه الثمينة في الفن الشعبي.
في هذا السياق الاستذكاري، فإن بيان "راجعة يا ماما" لكاتيا طرابلسي يأتي كما تقول في سياق هذا التاريخ المضطرب للحرب والرحيل، وهو تذكير بالانتظار بفارغ الصبر عودة الغائبين إلى وطنهم ومنازلهم وجذورهم، عودتهم إلى الأم، كرمز للبلد والهوية والعائلة والتقاليد والحب والرعاية والأرض والراحة، والأهم العودة إلى حضن البيت.
راجعة يا ماما بحبك يا لبنان - حديد ملون مصنوع باليد
سفر في المخيّلة الشعبيّة
الزائر للمعرض يظن نفسه في ساحة أو مرأب لمواقف الشاحنات التي تشدك كل منها صوبها في رحلة نحو اكتشاف المزاج الشعبي. هذا المزاج الذي يخبئ الألم في ضحكةٍ ونكتةٍ ورسمٍ وزينة، في فنٍ موصوف بالابتذال، كونه الفن الهابط الذي لم نأخذه يوماً على محمل الجدّ.
فإذا نحن إزاء هذا النوع، فكأننا في مباريات لسجالات كلامية وكليشيهات وطرائف تقع في صلب عاداتنا وتقاليدنا وحاضرنا، بما فيه نكدنا السياسي وطرائفنا اللاذعة المكتوبة باللغة المحكية، بتهكّم لغة الشارع وتعابيره، نجدها في المعرض مطابقة لمثيلاتها في الواقع كما تتراءى على الحافلات.
هكذا تبدو الواجهات الحديدية لكاتيا طرابلسي، بتصميماتها الزخرفية وألوانها الزاهية (الأزرق والأحمر أساساً)، تكتنفها طيور وعيون واسعة زرقاء هي عيون المحبوبة وزغاريد تحلق في الفضاء، لكأنها واجهات للسفر في عباب المخيلة الشعبية اللبنانية، وما تنطوي عليه من رسائل وتوجيه وتحذير وكلمات حب وغزل وأبيات شعر وسجع ومقاطع من أغان، بل لكأنها مساحات للتأمل والغوص في عادات وتقاليد شريحة اجتماعية تجمع في فلسفتها اليومية بين التضرع إلى الله (يا رضا الله ورضا الوالدين) والوقاية من شر الحسد وتكثر في كتابات الشاحنات، العبارات المتّصلة بلفظة الجلالة وحضورها القوي في النسيج الشعبي. السؤال الأساسي الذي تطرحه الفنانة هو: "متى يبدأ الإيمان بالدين وأين تنتهي الخرافات".
يُذكّر معرض كاتيا طرابلسي بمشروع الفنانة هدى قساطلي في بحثها الأنتربولوجي، الذي بدأته بإصدار كتاب بالفرنسية عنوانه Les Camions Peints du Liban d’ aujourdhui، يتضمن مئات الصور الفوتوغرافية للكتابات والرسوم والتصميمات الفنية التي يضعها السائقون على الشاحنات والحافلات، وشكلت نواة المعرض الذي أقامته عام 2014 في غاليري أليس مغبغب، معتبرة أن ثقافة الشاحنات في لبنان يمكن وضعها في خانة الأدب الشعبي، فعلى كل شاحنة عبارات تعكس ثقافة ما، تقليدية واجتماعية وسياسية، تحمل في طياتها أبعاداً ميثولوجية، خرافية، غيبية، دينية، عصبية، طائفية، مناطقية، فكاهية، ذكورية وحتى أدبية وشعرية.
السمات المشتركة بين قساطلي وطرابلسي لا تقتصر على الموضوع فحسب، بل على رحلة البحث عنه أيضاً. فقساطلي كتبت في مقدمة عملها عن السنوات التي أمضتها على طرق لبنان تلاحق شاحناته وباصاته لتصوّرها وتحصي العبارات والرسومات التي تزيّن حديدها الثقيل، وتضعها في قوائم وتصنيفات كي تقوم بتحليل أبعادها الاجتماعية.
وهي الرحلة التي سعت إليها كاتيا طرابلسي على الخطى نفسها، لتعثر في مدينة طرابلس (شمالي لبنان) على أغنى التصاميم وأوفرها جمالاً وزينة وكلاماً، لذا فتحت مشغلاً في ضواحي المدينة لكي تعمل مع فريق من الصناع الماهرين على تنفيذ مشروعها الذي يتناول مرحلتين، مرحلة تصميم الحديد وقصه وتشكيله، ومرحلة التلوين.
بعدما نجحت تجربة كاتيا طرابلسي (مواليد بيروت 1960) في تحويل العبوات الفارغة للقذائف القاتلة الآتية من مخلفات الحرب، إلى قطع جميلة للزينة تحمل على سطحها نقوشاً من ثقافات العالم وحضاراته، ها هي تكمل مسارها في إعطاء وظائف جمالية جديدة لأشياء يومية مهما بدت مألوفة وهامشية، غير أنها تحمل رسائل اجتماعية وعاطفية ورمزية، تعبّر عن هوية وثقافة وطنية أو تراث.
لقد اعتبرت أن الصور الموجودة على الأبواب الخلفية لشاحناتنا تنتمي إلى التراث اللبناني، وتعبّر عن هوية السائقين. المفهوم بحد ذاته عمره خمسة آلاف عام، تبناه العديد من الأديان والثقافات لحماية الممتلكات الرئيسية والأحباء.
أما في المعاصرة، ومع انتشار فنون الشارع، فقد تصدرت باكستان المركز الأهم في العالم لفن تزيين الشاحنات كأحد أكثر الفنون شعبية انتشاراً، وهو فن وعلم متوارث عبر الأجيال، وقد أضحى موضة شعبية انتقلت من شوارع إسلام آباد الى بريطانيا، ويمكن مشاهدته في شوارع لندن.

محروسة يا رب رضاك ورضى الوالدين - حديد ملون مصنوع باليد
ثقافة الكيتش الشعبية
المفارقة أن أعمال كاتيا طرابلسي، تعيد إنتاج الفن الذي يصوغه سائقو الشاحنات بشروطه نفسها، مع تصميمات جديدة وتعديلات وتموضعات تتبدى في بعض الموتيفات الزخرفية المنفردة، وتقدمه كمنتجات مستحدثة مقطوفة من ثقافة الكيتش الشعبية.
هذه الثقافة التي ظهرت في مرحلة ما بعد الحداثة كي تعيد تمتين مفهوم الفن الهابط أو الرديء على أساسٍ مفاهيميّ نظريّ. وعُرف فن الكيتش (kitsch)، بأنه خفيف ومبتذل لا يتماشى مع معايير الجمال السامية لعالم الفن. سبق واُطلق على البوب - آرت والفنون الشعبية عبارة كيتش، كونه يشبه الحقيقة ويرتدي ثوبها ويستعير مصطلحاتها، ولكنه لا يملك الحقيقة لأنه ظلها المزيف. إذ إن تحويل حدث عفوي إلى "تريند" متعمّد هو كيتش، والموضة ذاتها هي كيتش. ليس الكيتش فناً فحسب بل هو حاجة خفية للإنسان الشعبي في تجاوز أزماته.

إنها الرداءة الجميلة والتفاهة الخلابة التي أصبحت نمط حياة نعيشها في الشارع وفي مقار العمل وفي المدارس... ترافقنا في هواتفنا، وتسهر معنا على الشاشات الكبرى والصغرى وفي الموسيقى التي نسمعها. الكيتش حاضر في كل مكان ما دام هناك بشر يتماهون مع مضامينه في كل زاوية من هذا العالم الذي عولمته رأسمالية متوحشة، حوّلت كل شيء إلى سلعة رخيصة معروضة في سوق العرض والطلب.
في هذا السياق، قدمت الفنانة كاتيا طرابلسي، نتاجاً يعبر عن حقائق ومعان تكشف عن الوظائف الاجتماعية لهذا الفن، كونه شكلاً من أشكال الوعي الجماعي للناس البسطاء ومزاجهم اليومي، من خلال شرفات الكلام التي يطلون منها على العالم، وبوصفه هويةً ثقافية من ملامح الفن الشعبي بتقاليده وسلوكياته ومسراته ومآسيه وسخريته التي تتبدى في تلك القدرية التي يواجهها سائقو الشاحنات على طرق لبنان المحفوفة بالمخاطر.
لا ندري إذا كانت شعائرية "راجعة يا ماما" مَعبراً حزيناً أم مُفرحاً، لفرط ما تعكس انكسارات جيل من الفقر والحرمان والخيبة والظلم وغياب العدالة والرضوخ. ونحارُ في اللغة التي تواجهنا ببساطتها وتلقائيتها وسخريتها وفكاهاتها، هل هي مدعاة للسخرية أم تلقي الضوء على خفايا نفوس قلقة على مصائرها وهي تسعى لجني أرزاقها بتعب وبلا كلل. وهي عبارات قديمة - متوارثة وأخرى مستجدة لا تخلو من الطرافة والشعر والتهكم السياسي أحياناً، بما يوحي بالواقع الصعب إيحاءً دلالياً. وفي ظل هذا التواري يبدو هذا النوع من الممارسة الفنية التي يقوم بها السائقون والحِرَفيون المتمرسون، قناعاً يُغني عن مواجهة الواقع أو الاشتباك معه، وهو محاولة لتوصيل الرسائل والأفكار أو خلقها والاحتماء بها.
نبض