23-03-2023 | 16:05

كرنفالات ألوان وحدائق معلّقة في معرض الفلسطينية ساميه حلبي

ستة عقود من العمل في مجال التجريد، هي بمثابة حياة كاملة يستبد بها البناء الفكري والفني والبحث والتفتيش عن التقنيات والرؤى كي تغرّد الفنانة سامية حلبي في حدائق ألوانها وتحلّق بعيداً في فضاء فردوسها المفقود. هي من أهم فنانات فلسطين الأحياء بلا منازع (تعيش وتعمل في نيويورك)، يليق بها أن توصف بأنها مجددّة وباحثة عن المدهش والمثير، وبأنها وريثة النظريات الفلسفية والرياضية والتأمّلية للفنون الاسلامية وخميرة مؤثرات التجريد الغربي واتجاهاته التي ظهرت خلال مرحلة الحداثة وما بعدها الى المعاصرة. المعرض الفردي الأول لها في غاليري صفير زملر الذي افتتح لها في بيروت بحضورها (يستمر حتى 21 نيسان/ ابريل) بعنوان "تحليل الألوان" (1982- 2022) يعكس ريادتها في التجريد اللوني، وتنوع تجاربها التي بدأت منذ الستينات، في الخروج عن نمطية التعبيرية التجريدية في الفن الأميركي، من خلال استخدام الوان مكثفة ومتّقدة لبناء تنسيقات وأنماط هندسية تتكرّر وتنتشر على سطح القماش.
كرنفالات ألوان وحدائق معلّقة في معرض الفلسطينية ساميه حلبي
Smaller Bigger

ستة عقود من العمل في مجال التجريد، هي بمثابة حياة كاملة يستبد بها البناء الفكري والفني والبحث والتفتيش عن التقنيات والرؤى كي تغرّد الفنانة سامية حلبي في حدائق ألوانها وتحلّق بعيداً في فضاء فردوسها المفقود.

هي من أهمّ فنانات فلسطين الأحياء بلا منازع (تعيش وتعمل في نيويورك)، يليق بها أن توصف بأنها مجددّة وباحثة عن المدهش والمثير، وبأنها وريثة النظريات الفلسفية والرياضية والتأمّلية للفنون الإسلامية، وخميرة مؤثرات التجريد الغربي واتجاهاته التي ظهرت خلال مرحلة الحداثة وما بعدها إلى المعاصرة.

المعرض الفردي الأول لها في غاليري صفير زملر الذي افتتح لها في بيروت بحضورها (يستمر حتى 21 نيسان/ أبريل) بعنوان "تحليل الألوان" (1982- 2022) يعكس ريادتها في التجريد اللوني، وتنوع تجاربها التي بدأت منذ الستينات، في الخروج عن نمطية التعبيرية التجريدية في الفن الأميركي، من خلال استخدام ألوان مكثفة ومتّقدة لبناء تنسيقات وأنماط هندسية تتكرّر وتنتشر على سطح القماش.

ومع مرور الوقت تحوّلت الأشكال الهندسية إلى سطور وخطوط قطرية تحدّد ديناميات تركيباتها وتميزها، إلى أن انسحبت تلك الخطوط لتطلق العنان لضربات ريشة طليقة ومزخرفة ومفعمة بالألوان. وعملت حلبي على إبراز تميزها في استيعاب جوهر التجريد وماهيته وأسراره، حتى تمكنت من إعطاء مسارها الفني خصوصيته ومؤداه البصري وعمقه الثقافي بما يجاوز الحدود، ما ساهم في انتشاره العالمي.

إلى ذلك، فهي واحدة من أكثر الفنانين التجريديين المعاصرين تأثيراً في مشهدية الفن المعاصر في العالم العربي، لا سيما بعد دخول أعمالها في مقتنيات العديد من المتاحف العربية والعالمية (منها معهد شيكاغو للفنون، ومعهد العالم العربي في باريس، ومتحف جامعة بيرزيت في رام الله، ومتحف غوغنهايم نيويورك - أبو ظبي وسواها).

 

جنائن معلقة من وحي الطبيعة اليابانية في معرض الفنانة سامية حلبي

 
 

البعد الرابع

يستوحى المعرض ثلاثة عقود من إطلاق الفنانة تجارب تجريدية وأفكاراً تتمثل بخامات متنوعة، ويسلّط الضوء على سعيها نحو تعزيز التجريد وتجذّره في الفلسفة المادية. يتوضح ذلك في نتاجها المتصل بالنمو والتحول الملحوظ في الطبيعة المرتبطة بفيض الحقائق الاجتماعية وعلاقتها بالمكان والذاكرة والتاريخ والإدراك البصري للبيئة المحيطة. تشير أعمالها إلى نهج الفنانة الفكري في التطور التاريخي للشكلية في الفن العالمي، وانطلاقاً من هذه المعالجة التاريخية، فإن الاستراتيجيات التجريدية تتفاهم وتتواصل مع الخصائص الفلسفية المجرّبة على أرض الواقع، من خلال العلاقات بين الضوء واللون والعمق والقيمة والحركة والأرقام والإيقاعات المؤلفة من بناء الأشكال، واستمرارية الحالة الحركية، أو المكان والزمان، وتحديداً البعد الرابع.

كيف يكون التجريد صافياً حراً منزهاً من القيود وفي آن صورة مواربة إن لم نقل مبطّنة عن الواقع والمعيوش؟ كيف بإمكان التجريد أن يحمل قضية أو على الأقل ذكرى لمكان أو نسمة من نسائمه، فيما خلوّه من ملامح التشخيص هو ميزة؟ كيف يمكن لشجرة زيتون أن تتحول شعلة ألوان مستعرة في الضمير كي تعبّر عن الشخصية الفلسطينية وتتحول رمزاً دالاً إليها؟ كيف يكون الانتماء إلى فلسطين غير معلن إلا من سبيل إثبات ما لا يمكن إثباته سوى بالفن.

تلك هي التحديات التي واجهتها ساميه حلبي (من مواليد القدس عام 1936) منذ عام 1951 حين هاجرت مع أهلها إلى الولايات المتحدة الأميركية، وكأنّ القدر رسم طريقها منذ البداية كي تكون على تماس مع إنجازات كبار المحدثين في التجريد الأميركي، لا سيما بعدما تلقت تعليمها على يد العديد من المدرسين الرائدين.

فمنذ عام 1960 بدأت تعرض أعمالها في الولايات المتحدة، ثم استقرت في نيويورك عام 1972، حيث شقت طريقها مع المجريات الفنية المشكلة هناك ومارستها حتى الوقت الراهن.

تبوّأت منصب أستاذ مساعد في مدرسة يال للفنون لما يقارب العقد من الزمن، كما درّست في العديد من الجامعات الأميركية في بداية حياتها المهنية. هذا إضافة إلى الاهتمام المتجدد بأعمالها من قبل المؤرخين والنقاد الذين يطرحون إعادة تقييم أعمالها وتجربتها للوحات المستندة إلى الكومبيوتر منذ عام 1980، بعدما عرضت مباشرةً في مركز لينكولن ومتحف بروكلين للفنون في نيويورك، وصنّفت على أنها تنتمي للفن الحركي.

 

سنترال بارك من مرحلة الفن الحركي 1986- الرقمي

 
 

انفجار ألوان وضياء

حين قام معظم معاصري سامية حلبي الأميركيين أمثال جون ميتشل وفرانك ستيلا وكليفورد ستيل وإلسوورث كيلي باستخدام السطح الكامل للقماش، بهدف خلق التأليف في عملية الرسم وتنقيط اللون وبنائه حول الأشكال المركزية، أخذت حلبي تضيف أشكالها المنحنية أو الهندسية واحداً تلو الآخر كمن يضيف حروفاً على الكلمات.

من خلال هذه التقنية كانت تحيلنا الفنانة إلى التقنيات القديمة المتوارثة في فنَّي الخط العربي والأرابيسك، وذلك عبر استخدام الأشكال المثلثة والمربعات والدوائر والنقاط في سعي لابتكار أبجديتها الخاصة. فما يبدو لنا للوهلة الأولى وكأنه انفجار تلقائي وعفوي للألوان، هو في الواقع تأليف مخطوط بطريقة نظامية منهجية وحتى رياضية.

هكذا أضفت سامية حلبي عنصر مداهمة العقل على عفوية الأكشن الأميركي، وهي تنظم ألوانها وأشكالها وفق دينامية تتدفق داخل بعضها ببعض، كأنها تتبع تأملاً هائماً لا يتعرف بسطح القماش كحدود له، لنشعر بأننا في حضرة مجرّات من الجُمل الملونة التي تتداخل وتغير اتجاهاتها وتتفجر في سردية حيّة ومتذبذبة تصوره الفنانة عبر التعبير التجريدي.

تجلّت النقلة النوعية لدى ساميه حلبي خاصة في قوة التلطيخ والتنقيط اللوني المغرق في الكينونة المتحررة من التبعية والمؤثرات وقيود الإيهام بالأبعاد.

وفي هذا المنحى أخذت عوامل كثيرة تتضافر لإيجاد علاقات لونية وشكلانية وحركية تتصف بالطاقة الدينامية، سرعان ما تتحول بقعاً وأسهماً نارية وكرنفالات تدخل كلها في آلية ميكانيكية إلى حد بعيد، بما ينسجم مع سطوة الأسلوب الفني الذي أخذت معالمه تتلبور في حقبة الثمانينات. وفي ظل التقدم التكنولوجي قامت في منتصف الثمانينات بإنتاج لوحات رقمية متحركة، من خلال ترميز برنامج خاص بها، بهدف خلق هيئات وأشكال متحركة داخل الشاشة مستخدمة آلة كمبيوتر صديقة Amiga computer .

هذا الأداء المرفق بالموسيقى، غيّر وحرّر المفاهيم الجامدة للرسم اليدوي وأملى على العين ما لا يحصى من الاحتمالات والحلول اللونية والهندسية، لكأنها جماليات الآلة في عصر التجريد المعاصر.

 

التعاقب اللوني والخطوطي في تجريد ساميه حلبي- 2019

 
 

حدائق معلّقة

ثارت سامية حلبي منذ بداياتها على السطح الثابت والمستوي، كما ثارت على الحافات الخارجية للوحة التي وجدت فيها تأثيراً مدمراً أحياناً لفحوى الفضاء الداخليّ للون. بحثت عن التحرر في أعمال تجهيزية صنعتها يدوياً من الورق المقوى والعجائن اللونية والأكريليك، حتى أضحت حدائق معلقة شبيهة بأشكال الثريّات المتدلية المحمّلة بعناقيد الألوان التي يمر بها الناظر لكأنه يمشي في الكروم.

كل أنواع التجريد في الغرب دخلت في اجتهادات سامية حلبي وجدلياتها وإضافاتها. من التأمل الفلسفي للكرة والمربع والمثلثات المنشورية، وتجارب فن الأكشن والـ Color field انتقالاً إلى التفكيكية في تمثيل "البيكسل" اللوني في عالم الصورة، ثم الرجوع بالزمن إلى استذكار أشجار الليمون والزيتون، وحدائق ذات غصون وثمار وحبيبات ضوء في سماء فلسطين. هكذا يبدو المسار من التجريد البارد (الهندسي) إلى التجريد الحار (اللوني)، من الرصانة والجمود والألوان الكامدة المهيبة، إلى حرية الريشة المنفلتة من القيود وهي تضلّ بين حقول توهم بوجود خط الأرض على مسافة قريبة من الحلم وسطوحه وعطوره الفوّاحة. كلما تقدمت سامية حلبي بالعمر كلما ازدادت تجاربها عمقاً ونضجاً وتأملاً، لكأنها ما زالت تفتش عن سعادة إعادة اكتشاف الطبيعة على هواها، وهي تنفخ بالونات من ألوان فاقعة وكثيرة كي تطيرها في السماء كطفلة تلهو وتعبث وتمرح وتتمتع بمذاق الحياة، المذاق الذي لم تعرفه تلك المغتربة ذات البشرة السمراء الآتية من أرض الجراح والمجازر والأحزان والمآسي الإنسانية.

الأكثر قراءة

لبنان 3/31/2026 5:00:00 AM
محاولات متواصلة للتقدّم إلى مجرى الليطاني، إضافة إلى قطع طريق الساحل ومحاصرة بنت جبيل 
لبنان 3/31/2026 10:21:00 AM
مواجهات جنوب لبنان: مقتل 4 جنود إسرائيليين بينهم ضابط  وإصابة 6
موضة وجمال 3/27/2026 6:53:00 PM
أكسسوارات الحقيبة باتت بيان هوية… ودمية "براتز" تعود باسم "براتزيز"