لوحات المصريّة إيمان إبراهيم تتأمّل "ما فوق الأفق وبعده"
في معرض الفنانة المصرية إيمان إبراهيم، لا تكفي رؤية الأعمال وحدها لقراءة اللوحات، فعليكم الاطلاع على كتيب ألغازها الثاني، والصادر قبل عامين تقريباً. هي تنصح متابعيها بذلك، منوهة إلى ما بين النص المكتوب واللوحات المعروضة من ترابط. المعرض الذي استضافه غاليري مصر في القاهرة (يستمرّ حتى 15 آذار/ مارس) تحت عنوان "ما فوق الأفق وبعده" يبدو امتداداً لهذه النصوص أو استكمالاً لها كما تقول إبراهيم. فهل علينا التعامل مع وسيطي الكتابة والرسم في هذه التجربة كوحدة واحدة غير مجزأة؟ هو أمر محيّر بلا شك، غير أن طبيعة الممارسات المعاصرة قد تتيح لنا التحرر من هذا الالتباس، فالحدود هنا باتت متنافذة، وتُفسح لنا المجال للتوليف والانتقال بسهولة بين الوسائط.
كتيب الألغاز الثاني هو مشروع سردي أصدرته الفنانة عام 2020 بمنحة من المورد الثقافي ويمكن مطالعته عبر موقع أكاديميا. في هذا الكُتيّب يبدأ السرد بتأمل الثوابت الرياضية، فيمرّ سريعاً على تاريخ الرياضيات وتدوين الأعداد وتطورها التاريخي، من الشكل البدائي إلى هيئتها الحالية. قد توحي هذه التهيئة التي يتضمنها النص بأننا مُقبلون على دراسة متأنية عن العدد والثوابت الهندسية، غير أن النص المراوغ ينتقل بنا سريعاً إلى قلب الحكاية، لنجد أنفسنا أمام سرد أشبه بمذكرات لأشخاص تجمع بينهم صلة قرابة. تنتقل الحوادث في هذا السرد بين التواريخ في يُسر، من الماضي إلى الحاضر والمستقبل، ثم تعاود الكرّة من جديد.
تتداخل التفاصيل التي قد تُربك القارئ في تتبع مسار محدد لها. يمكننا الآن رؤية اللوحات على ضوء هذا السرد المتحرك بين مستويات الزمن، فعناصر اللوحة تنتقل هي الأخرى بين مستويات المكان، ما فوق الأفق وبعده.
ما الذي يمكننا أن نراه تحت الأفق أو بعده؟ الحديث عن الأفق يستدعي بالضرورة مشهد البحر أو الصحراء، فهما الامتداد الطبيعي الذي يتيح لنا رؤية هذا الخط المحيط بنا. الأفق هو خط دائري يحدد المساحة التي يمكن لكائنات ضئيلة مثلنا رؤيتها من على سطح هذه الكرة السابحة في الفراغ. تتحرك الأشكال صعوداً وهبوطاً فوق هذا الخط، تنتقل العناصر دون رادع يمنعها. ندرك بالطبع أن النهاية هنا مراوغة وهذا الاستواء بين السماء والأرض ما هو إلا خداع للحواس.
ربما عثرنا أخيراً على صيغة للمقاربة بين النص والشكل... قد يُمكننا الآن الجمع بين الطرفين معاً، أو أن ننتقل بسهولة بينهما، ولكن من أين نبدأ؟ أغلب الظن أن كليهما مرآة للآخر، فاقرأ وانظر، أو انظر واقرأ... لا يهم، فالزمان في السرد يتحرك في دوائر وكذلك المكان في اللوحات. ليس مصادفة إذاً أن تُهدي الفنانة إحدى لوحاتها لثابت الدائرة، وكذلك التهيئة في النص حول الأعداد باتت هي الأخرى ذات صلة مباشرة بالمحتوى، فالعدد كالدائرة بلا بداية أو نهاية.
بين البحر والنهر
إيمان إبراهيم ابنة الإسكندرية لا تحب البحر وتعشق القاهرة، هي معادلة صعبة، فأبناء السواحل لا يفضلون المدن البعيدة من البحر، أو هكذا يتم تداول الرد النمطي دون تبصُّر. في لقائنا تقارن إبراهيم بين مُسطح البحر الممتد بلا نهاية وانسياب النهر بين ضفتين ظاهرتين وواضحتي المعالم، فيكتسب النهر مكانته لديها، وتهدأ الرهبة التي تتملكها أمام البحر، لهذا هي تعشق القاهرة. هذه المُراوحة بين البحر والنهر وما بينهما من رهبة أو سكينة تفرض نفسها على مسار الحركة فوق مساحة الرسم. درجات اللون هنا تُحيلك إلى ما تراه على الجانبين: أزرق داكن واخضرار، وما بينهما من تداخلات مضيئة ومبهجة أو قاتمة.
ثم تأتي بقع اللون المنثورة على صفحة البحر أو الصحراء، كأنها مرسومة على صفحة الماء، أما الأشكال البشرية الموزعة والمتداخلة في اشتباك مع اللون، فما هي سوى تمثيلات مختلفة للجسد، طافياً ومستسلماً أو محلقاً، يتحرك بسلاسة كما تنتقل إيمان إبراهيم في سردها بين التواريخ في كتيب ألغازها.
إيمان إبراهيم من مواليد عام 1990، حصلت على درجة الماجستير في التصوير من كلية الفنون الجميلة جامعة الإسكندرية عام 2016 بدراسة حول تاريخ الفن النسوي. تستخدم الفنانة التصوير والرسم والكتابة الإبداعية أساساً في ممارساتها الفنية والتي تهتم فيها بتقاطعات الرياضيات بالفنون البصرية، ولها تجارب فنية في الرسم الرقمي والفوتوغرافيا والأداء والجهيز في الفراغ. التحقت إبراهيم ببرنامج الفنون البصرية في مؤسسة ماس الإسكندرية، وانخرطت أيضاً لأشهر عدة في برنامج فضاء أشغال داخلية في مؤسسة أشكال ألوان في بيروت. وهي تقيم وتعمل حالياً في القاهرة.
الأكثر قراءة
اتّسمت الحلقة الثانية من مرحلة المواجهات بأجواء حماسية، مع استمرار النجوم المدرّبين رامي صبري وداليا مبارك والشامي في اختيار الأصوات المتأهلة إلى المرحلة المقبلة.
مشهد عكس الشغف اللبناني بالحياة والفن والموسيقى، والتقاطع الثقافي بين لبنان وإيطاليا.
نبض